سلسلة «استكمالاً لا مصادمة» لا حلٌّ ولا إبقاء في الإطار المرجعي الذي طلبه د. عبد الله علي إبراهيم قراءة في مقال «زعازع ولا أوتاد» من منظور ميثاق النجاة وبناء الدولة د. علي عبدالله الخليفة طه مدخل قلّما يكتب الدكتور عبد الله علي إبراهيم دون أن يترك في القارئ أثراً يدفعه إلى المراجعة، ومقاله «زعازع ولا أوتاد» من هذا الطراز. فهو لا يكتفي بنقد الدعوة إلى حلّ القوات المسلحة السودانية، بل يضع إصبعه على علّة أعمق: أن صفوتنا تُحسن الهجاء ولا تُحسن الفكر، وأنها ترتجل مواقفها من الجيش والدولة ارتجالاً، بلا إطار مرجعي تزن عليه حججها. ويستشهد في ذلك بالراحل الدكتور حيدر إبراهيم علي، رحمه الله، الذي ضاق بأدب الناشطية المكتفي بهجاء «الإنقاذ»، ودعا إلى فعل سياسي ديمقراطي يقوم على التثقيف وعلى ثقة بالقاعدة الشعبية. ونحن في هذه السلسلة نلتقي الكاتب عند مطلبه المركزي لقاء الشريك لا الخصم. فقد طلب إطاراً مرجعياً، وميثاق النجاة وبناء الدولة محاولة لتقديم هذا الإطار بالذات. غير أن إطار الكاتب نفسه، وهو المقارنة الأفريقية بين «الجيوش السياسية»، يشهد، إذا أُحسنت قراءته، بأكثر مما أراد له. فهو لا يثبت أن الحلّ خطر في ذاته فحسب، بل يثبت أن الإبقاء على الجيش كما هو خطر من الجنس نفسه. وهذا ما نحاول بيانه فيما يلي. أولاً: فيما أصاب فيه الكاتب نبدأ بما نتفق فيه مع الكاتب، وهو كثير وجوهري: مطالبته بإطار مرجعي يسبق الموقف: لا حجة تستقيم في مسألة الجيش والدولة ما لم تُوزن على تصوّر متماسك لطبيعة الدولة ووظيفة القوة المسلحة فيها. وهذا عين ما يقوم عليه الميثاق. نقده ثقافة «إلا» الاستثنائية: فالقطيعة بين «صمود» والجذريين، وبين كليهما والإسلاميين، أفرغت الصفوة من ملكة الحوار، حتى داخل المعسكر الواحد. وهذه الملاحظة تتسق تماماً مع روح «الاستكمال لا المصادمة». تصويبه التاريخي: أن أدلجة القوات المسلحة لم تبدأ في 1989، بل سبقها انقلاب مايو 1969 الذي مكّن لأيديولوجيته اليسارية ثم القومية العربية في الجيش، قبل أن يتجه في سنواته الأخيرة إلى مشروعه الإسلامي. فمن جعل الأدلجة عيباً يستوجب الحلّ، لزمه أن يقرأ التاريخ كاملاً. ملاحظته على الاتفاق الإطاري: أنه لم يطلب حلّ الجيش، بل عودته إلى الثكنات وإصلاحه، ونصّ على دمج الدعم السريع فيه. فالدعوة اللاحقة إلى الحلّ تحتاج إلى تفسير لم يُقدَّم بعد. حكمه بأن الدعم السريع ليس حركة تحرير بأي معنى، وأن نشأته الأولى كانت لقمع حركات دارفور، وأن ما ارتكبه في هذه الحرب من استباحة للأعراض والأموال والعقار ينفي عنه أي أهلية لوراثة الدولة. وأثمن ما في المقال خلاصته أن إثيوبيا ورواندا «لم تسقط الدولة فيهما، ولكنهما استبدلتا نظاماً ظالماً بنظام ظالم». وهذه الجملة هي مدخلنا إلى الاستكمال. ثانياً: الإطار المقارن يشهد بأكثر مما أراد عرض الكاتب بعناية حالتي رواندا وإثيوبيا. في الأولى جيش خرج من رحم «الجبهة الوطنية الرواندية» فصار جزءاً لا يتجزأ من التركيبة الحاكمة، يجمع الكفاءة التقنية إلى الاستثمار في الشركات إلى القمع متى دعا الداعي. وفي الثانية جيش خرج من رحم «الجبهة الثورية الديمقراطية لشعوب إثيوبيا»، أُعلن قومياً مهنياً غير حزبي في نصوصه، بينما كان يُلقَّن أنه «القلعة الأخيرة للديمقراطية الثورية»، وتهيمن عليه جماعة لا تتجاوز ستة في المئة من السكان، حتى انقسم على نفسه وصار هو ذاته ميداناً للصراع. فما الدرس الذي تقدّمه الحالتان؟ يقرأ الكاتب منهما أن الدولة نجت من حلّ الجيش القديم لأن حركة تحرير منظمة ذات رؤية وزمالة ورثتها، وأن الدعم السريع ليس كذلك. وهذا صحيح. لكن الحالتين تقولان شيئاً آخر أيضاً: أن الداء لم يكن في الحلّ ولا في الإبقاء، بل في اندماج الجيش بمشروع حاكم بعينه. فالجيش الرواندي والجيش الإثيوبي لم يكونا جيشين محلولين، بل جيشين باقيين متمكّنين، وكان تمكّنهما هو مصدر الظلم الذي استبدل ظلماً. وعليه فالمحور الحقيقي الذي يفرزه إطار الكاتب ليس ثنائية «حلّ أم إبقاء»، بل ثنائية «جيش مسيَّس أم جيش محكوم بجدار دستوري». والمقال، وقد أحسن نقد الطرف الأول من الثنائية الزائفة، يقف عند حدّه، فلا يقول لنا أيّ جيش نريد إن لم نرد الحلّ. وبذلك يكاد يُبقي القارئ في الثنائية نفسها التي ينتقدها، ولكن من ضفّتها الأخرى. ثالثاً: السجل التاريخي من طرفيه أصاب الكاتب في استدعاء 1969، والإطار المرجعي الأمين يقتضي أن نكمل السجل من طرفيه. فقد تسلّم الجيش السلطة أول مرة في نوفمبر 1958، بعد عامين فقط من الاستقلال. ثم كانت مايو 1969، ثم المجلس العسكري الانتقالي في 1985، ثم يونيو 1989. ثم جاء انقلاب 25 أكتوبر 2021 على الحكومة الانتقالية، وهو الحلقة الأقرب إلى الحرب والأشدّ صلة بها، ويغيب تماماً عن المقال. فإذا كان معيار «الجيش السياسي» الذي استعاره الكاتب من أدبيات العلاقة المدنية العسكرية في أفريقيا معياراً صالحاً، فإن القوات المسلحة السودانية كانت جيشاً سياسياً بهذا المعيار في معظم عمر الاستقلال. لا نقول هذا هجاءً، فنحن نعرف ما قدّمه أبناء هذه المؤسسة، ونعرف أنها اليوم تقاتل دفاعاً عن مدن وأهل. بل نقوله لأن الإطار المرجعي الذي طلبه الكاتب يقتضي ألا نختار من السجل ما يخدم الحجة ونسقط ما يُربكها. رابعاً: الدعم السريع ابن الدولة لا غريبها يقارن الكاتب بين «الجبهة الوطنية الرواندية»، وهي حركة جاءت من خارج الدولة لتقتلع نظامها، وبين الدعم السريع الذي لا يملك مقوّماتها. والمقارنة صحيحة في نتيجتها، لكنها تُخفي فارقاً أهم: أن الدعم السريع لم يأتِ من خارج الدولة أصلاً. فقد نشأ من رحم سياسة الدولة المركزية في إدارة حروب الهامش بالوكالة، عبر تسليح المليشيات القبلية في دارفور، ثم نُظِّم قوةً رسمية، ثم قنّنه البرلمان بقانون عام 2017 قوةً مرتبطة بالمنظومة العسكرية. وهنا تكمن المفارقة: أن الدولة التي يُراد حمايتها من السقوط هي ذاتها التي أنتجت القوة التي تهدّدها اليوم. وهذا ما تفسّره جدلية المركز والهامش. فالمركز الذي عجز عن إدماج الأطراف في دولة مواطنة، لجأ إلى السلاح الوكيل لضبطها، فصنع بيده خصمه. ومن ثمّ فإن الإبقاء على البنية «كما هي» لا يعني الحفاظ على الدولة فحسب، بل يعني أيضاً الحفاظ على المصنع الذي أنتج المليشيات وقد يُنتج غيرها. خامساً: الريع المسلح، الغائب الأكبر ذكر الكاتب عرضاً أن الجيش الرواندي يجمع إلى كفاءته العسكرية «الاستثمار المسهَّل في الشركات»، ثم تجاوز الملاحظة. وهي عندنا من أهم ما في المقال، لأنها تفتح باب ما يسمّيه الميثاق «اقتصاد البوابات»: أي السيطرة على منافذ الريع من ذهب وموانئ وطرق تجارة وشركات، بحيث يصبح السلاح طريقاً إلى المال، والمال وقوداً للسلاح. وفي السودان لا يخلو أيّ من الطرفين من هذا. فللمنظومة العسكرية شبكة واسعة من الشركات في الصناعة والتجارة والزراعة، وقد كانت ولاية الحكومة المدنية عليها من أعقد ملفات الفترة الانتقالية. وللدعم السريع، بحسب تقارير دولية متعددة، شبكة من مصالح الذهب والتجارة العابرة للحدود. فأيّ حديث عن إصلاح الجيش أو حلّه لا يتناول هذا الريع، يبقى حديثاً عن القشرة دون اللبّ. سادساً: الدولة بوظيفتها لا بحارسها تقوم حجة الكاتب الختامية على معادلة ضمنية: حلّ الجيش يعني سقوط الدولة، فالجيش إذن هو الضامن الأخير لبقائها. وفي المعادلة صدق لا ننكره في ظرف حرب كهذه. لكنها، إذا أُطلقت، تجعل شرعية الدولة قائمة على احتكار السلاح وحده، وهذا تصوّر لا يكفي لبناء دولة. ويقترح الميثاق في مقابل ذلك مفهوم «الشرعية الوظيفية الصاعدة»: أن الدولة تبقى بما تؤدّيه لمواطنيها من أمن وخدمة وعدالة، وأن شرعيتها تُبنى صعوداً من القاعدة المحلية إلى المركز، لا نزولاً من حامل السلاح إلى المحكوم. والجيش في هذا التصوّر ركن من أركان الدولة، لا مالكها ولا بديلها. سابعاً: من «إلا» إلى المساءلة الفردية انتقد الكاتب بحقّ ثقافة الإقصاء الجماعي بين الكتل. والميثاق يقترح لهذا الداء دواءً محدداً: «العدالة الانتقالية الثلاثية»، التي تميّز بين مستويات المسؤولية، فتُحاسب الأفراد على ما ارتكبوه من جرائم بعينها، بدل أن تُقصي تيارات بأكملها بالجملة. فالمساءلة الفردية تحفظ حقوق الضحايا ولا تغلق باب الحوار، والإقصاء الجماعي يفعل العكس تماماً. وفي هذا السياق تأتي «مبادرة الجسر الانتقالي» منصةً للحوار الذي افتقده الراحل حيدر إبراهيم، حوار لا يشترط على المتحاورين أن يتفقوا قبل أن يجلسوا. ويؤسّس الميثاق هذا الحوار على مبدأ «الافتقار»، أي حاجة كل كتلة إلى الأخرى، إذ لا تملك أيٌّ منها وحدها مفاتيح الخروج من الأزمة. ثامناً: الميثاق إطاراً مرجعياً طلب الكاتب إطاراً مرجعياً، وهذا ما نعرضه للنقاش، مقابلاً كل فجوة من الفجوات السابقة بالآلية التي يقترحها الميثاق لسدّها: ثنائية «الحلّ أم الإبقاء»: يقابلها «الجدار المؤسسي» (الباب السابع من الميثاق، والفصل الثامن من بروتوكول التفعيل): لا حلّ ولا تقديس، بل إعادة هيكلة داخل حدود دستورية تفصل السلطة السياسية عن السلطة التنفيذية العسكرية. مصنع المليشيات وتركيبة المؤسسة: يقابلها «الركيزة الرابعة» للتمثيل الجغرافي: تمثيل مكاني في قيادة المؤسسة لا في قاعدتها المقاتلة وحدها، مع الحذر من أن يتحول إلى واجهة كما حدث في إثيوبيا. الريع المسلح: يقابلها «اقتصاد البوابات» (الفجوة السادسة في بروتوكول التفعيل): إخضاع النشاط الاقتصادي للمؤسسات المسلحة لولاية مدنية رقابية شفافة. شرعية الدولة: يقابلها «الشرعية الوظيفية الصاعدة»: الدولة تبقى بما تؤديه لا بمن يحرسها. ثقافة «إلا» الإقصائية: يقابلها «العدالة الانتقالية الثلاثية» و«مبادرة الجسر الانتقالي»: مساءلة فردية بدل الإقصاء الجماعي، ومنصة حوار مفتوحة. الملكية الوطنية للحل: يقابلها «النفير الوطني الكبير» ومبدأ «الافتقار»: حلّ داخلي يقوم على الحاجة المتبادلة بين الكتل، لا على تراضي الصفوة وحدها، مع سقف للتمويل الخارجي يحمي استقلال القرار. خاتمة لم يكتب الدكتور عبد الله علي إبراهيم مقاله دفاعاً عن مؤسسة بعينها بقدر ما كتبه دفاعاً عن الفكر في وجه الهجاء. وهذا ما يجعل مقاله جديراً بالاستكمال لا بالمصادمة. فإذا كانت «زعازع» الحلّ لا تُقيم دولة، فإن «أوتاد» الإبقاء كما هي لا تُقيمها كذلك، لأنها هي التي زُرعت في أرض انقلابات متعاقبة وريع مسلّح ومليشيات صنعها المركز بيده. إن ما يحتاجه السودان ليس أن يختار بين هدم الخيمة والتمسك بأوتادها المائلة، بل أن يدقّ الأوتاد من جديد على أرض دستورية ثابتة: جيش واحد قومي مهني، يحميه جدار مؤسسي من السياسة ويحمي السياسة منه، في دولة تستمد شرعيتها من وظيفتها تجاه مواطنيها. وبذلك وحده نكون، كما أراد الكاتب، من أهل الملكية الوطنية للحل، لا من أهل الارتجال.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة