كم حرباً اندلعت في السودان؟ وكم مرة أُعلن السلام، ثم اكتشفنا أنه ليس سوى هدنة بين حربين؟ منذ استقلال البلاد عام 1956، تنتهي حرب لتولد أخرى، وتُوقَّع الاتفاقات دون أن تُعالج جذور الأزمة، فيعود السودان إلى المربع الأول، ويدفع الشعب وحده ثمن الفشل السياسي.
اليوم، لم يعد السؤال كيف نوقف الحرب، بل كيف ننهيها. فالسودانيون لا يحتاجون هدنة جديدة تلتقط فيها البنادق أنفاسها، ولا سلاماً مؤقتاً يؤجل الانفجار القادم. يحتاجون إلى نهاية حقيقية لحرب أزهقت الأرواح، وشرّدت الملايين، وكسرت المدن، وبددت مستقبل أجيال كاملة.
أي انتصار يمكن أن يُبنى فوق أنقاض المدن ودموع الأمهات؟ وأي مشروع سياسي يستحق كل هذه المقابر؟ لقد صار السودان بلداً ينزح أبناؤه من مكان إلى آخر، يحملون مفاتيح بيوت ربما لن يعودوا إليها، بينما يكبر أطفالهم بعيداً عن مدارسهم وذكرياتهم ووطنهم.
إلى كل من ساهم في إشعال هذه الحرب أو ساعد في إطالة أمدها، أياً كان موقعه في الداخل كان أم في الخارج: كفى. السودان ليس غنيمة سياسية، ولا ملكاً لحزب أو جماعة أو قوة مسلحة أو قوى إقليمية. السودان هو الإنسان الذي يريد أن يعيش آمناً، وأن يجد مدرسة ومستشفى وعملاً وبيتاً، وأن يبني مستقبله في وطنه بدلاً من البحث عنه في المنافي.
لقد جربنا الحرب بما يكفي، ودفعنا من الدم والأعمار والأحلام ما يكفي. لذلك فإن إنهاء الحرب يجب ألا يبقى رهناً بالمتقاتلين وحدهم، بل يتحول إلى مطلب شعبي واسع: سلام حقيقي يعالج جذور الأزمة، ويعيد النازحين واللاجئين، ويحفظ حقوق الضحايا، ويحاسب مرتكبي الجرائم، ويضع حداً لاستخدام السلاح طريقاً إلى السلطة. نريد دولة يتساوى فيها السودانيون، لا دولة يحدد فيها ميزان القوة من يملك الحق ومن يملك الوطن.
يا سودان، آن لك أن ترتاح. آن لأطفالك أن يكبروا بلا خوف، ولأمهاتك أن يتوقفن عن البكاء، ولمدنك أن تستعيد حياتها، ولحقولك أن تخضر من جديد. آن لنا أن نختلف دون أن نقتل بعضنا، وأن نتنافس دون أن نحرق البلاد.
ولهذا، آن للشعب السوداني أن يرفع صوته، بعيداً عن الأحزاب والقبائل والاستقطاب، باسم السودان وحده. أن يقول لكل من يملك قرار الحرب: الشعب لم يعد يحتمل، وللسودانيين حق في الحياة.
فلنجعلها صرخة شعبية سلمية وواضحة: لا للحرب. لا للدم. لا للتهجير. لا لحكم البندقية. لازم تنتهي. ليست هدنة جديدة، ولا شعاراً عابراً، بل إرادة شعب يريد أن يعيش. لازم تنتهي الحرب.لازم تنتهي الآن. لازم تنتهي مرة وإلى الأبد. لأن السودان ليس ملكاً للمتقاتلين، ولأننا ببساطة لا نملك وطناً آخر
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة