الدولة السودانية إنهارت بفعل بنية مركزية فاشلة صُممت منذ البداية لخدمة نخبة فوقية على حساب شعوب الهامش بنهب ثرواتها وتدمير ثقافاتها.
التكوينات الحزبية التي ورثناها كانت بعيدة كل البعد عن التعبير الحقيقي للإرادة الشعبية الأصيلة، كانت مشاريع فوقية هندستها الإدارة الاستعمارية لتسهيل السيطرة.
هذه الأحزاب لم تختلف في جوهرها عن المؤسسة العسكرية، كلاهما استغل شعوب الأطراف، نهب مواردها، وساهم في ترسيخ نظام يركز الثروة والقرار في يد قلة مركزية.
كان التواطؤ بينهما واضحاً حيث كل انقلاب عسكري وجد خلفه حزباً سياسياً يباركه ويحميه ويستفيد منه، وكل حكم حزبي مهد الطريق لانقلاب جديد. هذا التحالف غير المعلن بين "المدنيين" و"العسكريين" ضمن مصالحهما المشتركة على حساب الوطن، حتى أدى إلى تدمير ما تبقى من الدولة. هذا الواقع يجسد بكل وضوح فشل النخبة المركزية في الحفاظ على السودان ككيان موحد وقادر على استيعاب تنوعه.
اليوم، أصبحت البلاد مقسمة جغرافياً بشكل خطير، والانقسام النفسي بين مكوناتها أعمق بكثير. الثقة انعدمت، والشعور بالغدر والتهميش يسيطر على قطاعات واسعة، مما يجعل أي محاولة لإعادة ترميم الدولة المركزية القديمة وصفة لكارثة جديدة.
الحل الوحيد الممكن هو الكونفدرالية التواثقية : فالخروج من هذا المأزق لا يأتي بتغيير الوجوه وإنما بتفكيك البنية المركزية الفاشلة من أساسها وبناء عقد اجتماعي جديد تماماً. هنا تبرز كونفدرالية التواثق كمشروع وطني حقيقي يقوم على الشراكة الطوعية بين الأقاليم والمجتمعات المختلفة. بدلاً من الإخضاع بالقوة والسيطرة من المركز، تقوم هذه الكونفدرالية على تعاقد حر بين المكونات السودانية، يمنح كل إقليم وكل مجتمع الحق الكامل في إدارة شؤونه الداخلية، موارده، وثقافته وفق خصوصيته. أما الملفات السيادية المشتركة (الدفاع الخارجي، السياسة الخارجية، العملة، والحدود) فتدار من خلال مؤسسات مشتركة متفق عليها، لا تفرض من فوق.
هذا النموذج يعترف بأن التنوع الإثني والثقافي والجغرافي في السودان ثروة يجب تحويلها إلى قوة. بدلاً من إعادة إنتاج دورة الاستغلال والانقلابات والحروب تحت شعارات مختلفة، يؤسس لسلام مستدام قائم على الرضا والتوافق.
الأزمة السودانية هي أزمة دولة مركزية ورثتها عن الاستعمار وفشلت النخب المتعاقبة في إصلاحها. استمرار التمسك بهذا النموذج الفاشل لن ينتج إلا المزيد من الدمار. أما كونفدرالية التواثق فتمثل الفرصة التاريخية الوحيدة لبناء سودان جديد يستوعب جراحه، يعالج انقساماته الجغرافية والنفسية، ويحول التنوع من مصدر صراع إلى مصدر ازدهار مشترك.
حان الوقت لنترك النخبة المركزية ومشاريعها الفوقية، ونبدأ صفحة جديدة مبنية على التواثق الحقيقي بين كل أبناء السودان.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة