شوارع مايو بالخرطوم المعبدة بالرعب والدم، لم يعد الموت فيها حدثاً طارئاً، بل صار نظاماً يومياً تُديره أياد تتخفى خلف شعارات دينية زائفة وسلطة سلاح منفلت. ما يُنسب من فطائع وانتهاكات إلى ما يُعرف بكتائب البراء بن مالك وكتائب العمل الخاص ليس مجرد جرائم وموبقات معزولة، بل نمط ممنهج من القتل والرعب، قائم على الاشتباه الهش، والانتماء الجغرافي، ولون البشرة والسحنة والهوية، وكلمة سر قد تساوي حكماً بالإعدام: “متعاون” مع الدعم السريع.
أي عدالة هذه التي تُختزل في نظرة، أو وشاية، أو هوية مفترضة؟ وأي إنسانية تبقى حين يُساق الضحايا أمام أسرهم، في استعراض متعمد للإذلال، قبل أن تُنفذ فيهم أحكام الموت دون محاكمة، ودون قانون، ودون أدنى احترام لكرامة الإنسان؟ قتل مصحوب برعب قاتل، وذلك حين تنهال الفؤوس على جماجم الضحايا المكبلين بالحبال والأصفاد.
هذا القتل والترويع لا يمكن النظر إليه بوصفه فوضى عابرة أو انفلاتاً بلا غاية، بل هو نمط عنف منظم تحكمه إرادة واضحة، وتُغذّيه مظلة حماية تمنع مساءلة الجناة. ما يجري يحمل سمات سياسة ممنهجة تستهدف إعادة تشكيل الخريطة السكانية للخرطوم عبر إقصاء مجموعات بعينها على أساس السحنة والانتماء الجغرافي، في ممارسة تقترب من منطق التطهير العرقي والإقصاء القسري.
وليس هذا المشهد غريبا عن ذاكرة السودانيين؛ إذ يعيد إلى الأذهان ما جرى خلال فترة حكم جعفر نميري، وتحديدا في أعقاب أحداث 1976 في السودان، حين كانت مجرد زلة لسان في نطق كلمة مثل “الحصاحيصا” كفيلة بأن تضع صاحبها تحت طائلة الشبهة، وربما تقوده إلى مصير قاتم ينتهى في حده الأقصى على مقصلة الموت .
وإذا كان نظام جعفر نميري قد سنّ ما عُرف بقانون “الطمأنينة العامة”، - بلغة سائلة لا ضابط لها -، الذي مارس التمييز على أساس الهوية والسحنة والجغرافيا، فإن أقسى ما فيه رغم ظلمه أنه كان يستهدف اقتلاع الإنسان من مكانه عبر الترحيل القسري، أي ضرب كرامته وتجريده من حقه في الاستقرار وحق الإقامة الذي كفله الدستور.
أما اليوم، وفي ظل ما يُعرف بسياسات قانون “الوجوه الغريبة” المرتبطة بعهد حكومة الكيزان، فإن الانحدار بلغ حداً أكثر ظلاماً: لم يعد الاستهداف يطال كرامة الإنسان فحسب، بل صار يستهدف روحه ذاتها، ومحو مكان سكنه من خارطة الأرض وكأنه لم يكن يوما من الأيام موجوداً. لم يعد الإقصاء نفياً من الجغرافيا، بل إلغاءً من الوجود، حيث يتحول الاشتباه إلى حكم نهائي، وتصبح الحياة نفسها قابلة للمصادرة بلا تردد أو حتى مساءلة.
ما يحدث اليوم يتجاوز حدود الفظائع الفردية، ليقترب من توصيفات ثقيلة في القانون الدولي: جرائم قد ترقى إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية. حين يتحول القتل إلى أداة ضبط اجتماعي، وحين تُستخدم الهوية كذريعة للإبادة، فإننا أمام مشهد لا يمكن تبريره تحت أي ظرف، ولا يمكن السكوت عنه تحت أي ذريعة.
الأخطر من ذلك، هو الضبابية المتعمدة في العلاقة بين هذه المجموعات المسلحة ومؤسسات الدولة. فبينما تُصنّف هذه الكيانات كقوى متطرفة أو خارجة عن السيطرة وتم تصنيفها دولياً منظمة إرهابية، تظل الأسئلة قائمة: من يسلّح؟ من يوجّه؟ ومن يغض الطرف؟ ومن يدعم الصمت هنا ليس حياداً، بل شراكة ضمنية في الجريمة. الأمر الذي قد يدفع المجتمع الدولي لتصنيف الجيش نفسه كمؤسسة داعمة للإرهاب.
في هذا السياق، يصبح غياب الصوت الحقوقي المحلي صادماً بقدر الجريمة نفسها. أين النخب؟ أين المحامون؟ أين الصحفيون الذين يفترض أن يكونوا خط الدفاع الأول عن الحقيقة؟ وأين يقف المجتمع المدني، إن بقي له موقع أصلًا وسط هذا الخراب؟
أما على المستوى الدولي، فإن الصمت أو البيانات الباهتة لم تعد كافية. مؤسسات مثل الأمم المتحدة وهيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية مطالَبة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بالتحرك الجاد، لا الاكتفاء بالتوثيق أو الإدانة اللفظية. ما يجري ليس أزمة عابرة، بل نزيف مستمر يتطلب آليات مساءلة حقيقية، وضغطا دوليا لا يلين.
إن أخطر ما في هذه الجرائم ليس فقط بشاعتها، بل قابليتها للتكرار في ظل الإفلات من العقاب. فحين لا يُحاسب القاتل، يتحول القتل إلى خيار سهل. وحين يُكافأ الصمت، يصبح التواطؤ قاعدة. يبقى السؤال معلقاً في وجه الجميع: كم من الدماء يجب أن تُراق قبل أن يتحول الغضب إلى فعل؟ وكم من الأرواح يجب أن تُزهق قبل أن يستعيد الإنسان قيمته في ارض انهكها الموت.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة