إن استمرار تدفق قوافل العائدين من الهجرة القسرية نحو مدنهم وقراهم، وخاصة إلى العاصمة المثلثة، رغم انعدام أساسيات الحياة وغموض الواقع الأمني، يجسد إرادة الشعب السوداني الصلبة في البقاء والتشبث بالوطن. وهو بمثابة شهادة حية على أن هذا الشعب ليس فقيرًا في الكرامة رغم قسوة الزمن وسياط الخذلان، ولم ولن يخضع لليأس، وأن خياره للحياة أقوى من آلة الحرب والدمار.
هذه المواقف الوطنية تكشف مفارقة مؤلمة: شعب في مستوى التحدي، يتحمل وحده منذ اكثر من سبعة عقود كل تبعات حروب السودان العبثية، ومن جانب آخر نخب تؤجج الفتن وتقدم مصالحها الضيقة على مصلحة الوطن وتقف امام اي مشروع لبناء مؤسسات حقيقية .
إذًا السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا فشلت النخب في بناء دولة المؤسسات؟
لأنها ببساطة ومنذ الاستقلال أسيرة "العقلية الريعية". عقلية تعتبر الحكم غنيمة، والاقتصاد امتيازًا، والدولة ملكية خاصة. لذلك تحولت كل مبادرات السلام إلى تفاوض على "تقاسم الغنائم"، لا إلى تأسيس دولة.
والدليل الأحدث: قرار الحكومة السودانية هذا الأسبوع بحظر استيراد بعض السلع تحت ذريعة "توفير العملة الصعبة". هذا القرار نموذج فاضح لاستمرار العقلية الريعية، وبرهان عملي على أن النخب لم تصل بعد إلى مستوى تضحيات الشعب. بالاضافة الي الارتباك العام الذي احدثه القرار، فان له أثر سلبي ثلاثي الأبعاد : على ملف الانضمام لمنظمة التجارة العالمية، وعلى مسار السلام، وعلى برامج إعادة الإعمار والبناء.
أولًا: كيف يؤثر القرار علي ملف الانضمام؟
يعتبر خرق صريح لمبدأ "الحماية بالتعريفات": القاعدة الذهبية في منظمة التجارة العالمية هي أن الحماية تكون عبر التعرفة الجمركية الشفافة فقط، لا عبر الحظر الكمي أو نظام التراخيص. حظر الاستيراد هو أداة الاقتصاد الريعي بامتياز، لأنه يولّد سوقًا سوداء فورًا، ويفتح باب "الاستثناءات" للمقربين. بهذا القرار نبلغ العالم أننا ما زلنا نفضل اقتصاد الغرف المغلقة على اقتصاد القواعد المعلنة. وينسف القرار كذلك المصداقية التفاوضية للسودان : كيف ندخل مفاوضات انضمام لمنظمة جوهرها تحرير التجارة، ونحن نصدر قرارات تشدد القيود؟ هذا يبعث برسالة للمجتمع الدولي والمستثمرين ولا سيما الي اعضاء فريق العمل المعني بالسودان: لسنا جادين، وأي التزام نوقعه اليوم قد نلغيه غدًا تحت لافتة "سعر الصرف" أو "الظروف الاستثنائية". وظروفنا الاستثنائية لا تنتهي كما حدث من قبل في عام ٢٠١٧ حيث تم وقتها تجميد مفاوضات الانضمام عقب قرارات مماثلة .
ثانيًا: تمويل اقتصاد الحرب بدلًا من السلام
الحظر لا يلغي استهلاك السلع المشمولة بالقرار، بل يدفعه نحو التهريب. والتهريب في السودان تديره شبكات ذات صلات مباشرة بمراكز السلطة والميليشيات ،بعبارة أخرى: قرار "توفير العملة الصعبة" يموّل فعليًا اقتصاد الحرب الذي ندعي أننا نريد إنهاءه. ويكرس هذا القرار السوق السوداء التي تسيطر عليها ذات الشبكات المسلحة التي تهدد أمن وسبل معيشة العائدين من المهاجر. فهو يعود ليجد أن العقلية التي هجّرته هي نفسها التي ما زالت تحكم لقمة عيشه.
إذًا المسار الصحيح لتوفير العملة الصعبة هو إيقاف الحرب. لأن حجة "توفير العملة الصعبة" عبر الحظر غير منطقية إطلاقًا. العملة الصعبة لا تأتي بالمنع او الحظر ، بل بالإنتاج. ولا إنتاج مع الحرب. والمسار الواقعي هو: إعادة المنتجين للحقول والمصانع عبر سلام تؤطره قواعد تضمن للمنتج، في أي بقعة من السودان، أن يبيع بلا جبايات وأن يصدر بلا قيود، كما تكفله مبادئ التجارة الدولية.
ثالثًا: برنامج إعادة الإعمار تقدر تكلفة إعادة الإعمار بمئتي مليار دولار على الأقل. هذه المبالغ، إن وُجدت، لن تتدفق إلا بالتزام الشفافية في اتخاذ القرارات الاقتصادية وعلى أعلى مستويات الدولة. و سيعيق الحظر حتماً عودة رأس المال الوطني المهاجر من دول الجوار وغيرها، والمقدر بأكثر من اربعين مليار دولار، الذي هرب خارج الدولة بسبب الحرب والقرارات الاقتصادية غير الرشيدة. . وقرار الحظر ايضا دليل على أن النخب السياسية والعسكرية في السلطة ما زالت "عينها في الفيل وتطعن في ضلو"، حيث تعتقد أن الأزمة الاقتصادية تُحل بقرار إداري، بينما الأزمة سياسية في جوهرها: غياب السلام، وغياب القواعد العادلة.
الخلاصة: الانضمام الي النظام التجاري الدولي المتعدد الأطراف ركيزة اساسية تمنع إعادة تدوير الفشل لذلك، يجب أن تنص أي مبادرة سلام قادمة صراحة على ضرورة اتخاذ خطوات جادة وملموسة للاندماج في الاقتصاد العالمي لتحرير السودان من شبكات المصالح الحزبية والجهوية والقبلية ، واستغلال حيز السياسات الممنوح للبلدان الأقل نموًا والمتأثرة بالنزاعات في برامج إعادة البناء والإعمار.
هذا هو الضمان الوحيد كي يعود شعبنا الصامد إلى بيئة محررة من العقلية الريعية، لا أن يصطدم بجدار جديد من الفساد والقرارات الكارثية. وملف الانضمام يجب أن يكون جزءًا لا يتجزأ من أي مفاوضات سلام قادمة، لأنه "ركيزة البناء" التي تمنع النخب من إعادة تدوير الفشل، وتحول إرادة الشعب في العودة إلى إعمار حقيقي لا تموله العقلية التي دمرته.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة