سلسلة: استكمالاً لا مصادمة من استراتيجية الخروج إلى هندسة إعادة البناء قراءة في مقال «السودان أمام لحظة الحقيقة: من تشخيص المسارات إلى بناء استراتيجية للخروج» للأستاذ زهير أبو الزهراء د. علي عبدالله الخليفة طه مدخل قليلة هي الكتابات السودانية التي تجاوزت، بعد أكثر من ثلاثة أعوام من الحرب، سؤال «متى تتوقف المعارك؟» إلى سؤال «ماذا يحدث للدولة بعد أن تتوقف؟». ومقال الأستاذ زهير أبو الزهراء من هذه القلة؛ فهو لا يكتفي بتشخيص المسارات الثلاثة التي تتقاطع في ما يسميه ( لحظة الحقيقة ) ، أي التغيير من داخل مؤسسات الدولة، والضغط الاجتماعي المتصاعد، ومحاولات القوى المدنية إعادة بناء المجال السياسي، بل ينتقل إلى اقتراح استراتيجية متكاملة ذات مراحل وآليات وضمانات. وتأتي هذه القراءة في إطار سلسلة «استكمالاً لا مصادمة»، التي لا تتعامل مع النصوص التي تحاورها بوصفها خصوماً، بل بوصفها لبنات في بناء مشترك. والمقال موضوع القراءة أقرب ما يكون إلى روح «ميثاق النجاة وبناء الدولة»، ولذلك فإن ما نقدمه هنا ليس نقضاً، وإنما محاولة لاستكمال ما تركه المقال مفتوحاً، وربط فجواته البنيوية بآليات محددة في الميثاق . أولاً: ما يضيفه المقال
أول ما يُحسب للمقال أنه يطرح السؤال الذي تتجنبه أغلب الأدبيات المدنية: ( من يفعل؟ ومن يضمن؟ ) . فهو يرفض انتظار التسوية، ويدعو إلى ( بناء شروط تجعل التسوية قابلة للحياة ) ، وهذا تحول منهجي من خطاب المطالبة إلى خطاب الهندسة. وثانيه أنه يواجه سؤال حوافز المؤسسة العسكرية بواقعية نادرة، حين يقرر أن الإجابة ( ليست أخلاقية فقط، وإنما تفاوضية ومؤسساتية ) ، ويقترح حزمة من الضمانات القانونية والأمنية وجدولاً زمنياً لخروج المؤسسات العسكرية والأمنية من النشاط التجاري. وثالثه أنه يصوغ في ملف الإسلاميين قاعدة متماسكة تستحق أن تُحفظ: ( لا حصانة على أساس الانتماء، ولا عقوبة جماعية على أساس الانتماء ) ورابعه أنه يضع الانتخابات في موقعها الصحيح بوصفها ( تتويجاً للعملية الانتقالية، لا وسيلة لإضفاء الشرعية على واقع لم تتم معالجة أسبابه ) ، ويقرر أن اقتصاد الحرب ( ليس تفصيلاً ) . أما جملته الختامية فتكاد تكون تلخيصاً لفلسفة الميثاق نفسه: ( الرهان على أن يخرج السودان من الحرب بقواعد جديدة، لا بمجرد وجوه جديدة ) غير أن القواعد الجديدة تحتاج إلى من يصوغها، ومصدر تستمد منه شرعيتها، وبنية تحميها من الارتداد. وهنا تحديداً تظهر الفجوات التي تحاول الأقسام التالية معالجتها.
ثانياً: المركز والهامش، الغائب الأكبر
يقرأ المقال الأزمة السودانية أساساً بوصفها علاقة مختلة بين المؤسسة العسكرية والسلطة المدنية، وهي قراءة صحيحة لكنها جزئية. فالحرب الراهنة، كما الحروب التي سبقتها في الجنوب ودارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، هي أيضاً تعبير عن بنية مزمنة تُدار فيها الأطراف من مركز يحتكر الثروة والقرار والتعريف الرسمي للهوية الوطنية. ويظهر أثر هذا الغياب بوضوح في تصور المقال للكتلة المدنية؛ إذ تضم ( القوى السياسية والمهنية والنقابية والمجتمعية والشبابية والنسوية ولجان المقاومة والمبادرات المحلية ) . وهي قائمة واسعة، لكنها مصنفة على أساس فئوي لا إقليمي، وتفترض ضمناً أن الأقاليم ستجد صوتها داخل هذه الفئات. والتجربة السودانية منذ الاستقلال تقول غير ذلك: فالأحزاب والنقابات ذاتها ظلت، في الغالب، مؤسسات مركزية المنشأ والقيادة. يقدم الميثاق هنا الركيزة الرابعة، أي التمثيل الإقليمي بوصفه ركناً بنيوياً في هيكل السلطة الانتقالية، إلى جانب الركائز الأخرى، لا بوصفه حصة ضمن الكتلة المدنية. والفرق جوهري: في الصيغة الأولى تكون الأقاليم شريكاً في تأسيس القواعد، وفي الثانية تكون ضيفاً على طاولة صُممت في غيابها. ومن دون هذا التحول، فإن أي ( كتلة مدنية واسعة ) قد تعيد إنتاج المركزية التي أنتجت الحرب، ولو بوجوه مدنية.
ثالثاً: من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد البوابات
يعالج المقال اقتصاد الحرب عبر مسارين: خروج تدريجي للمؤسسات العسكرية والأمنية من النشاط التجاري مع حصر الأصول ونقلها إلى المجال العام، ومراجعة شبكات الإيرادات والتمويل ومصادر الدخل خارج الموازنة. وهذا ضروري، لكنه يعالج الظاهرة من جهة من يملك، لا من جهة كيف يُنتَج الريع. فالسؤال الأعمق ليس: من يملك الشركات؟ بل: من يسيطر على نقاط العبور التي يمر عبرها الذهب والصادرات والواردات والنقد الأجنبي والتراخيص والرسوم؟ هذا ما يسميه الميثاق اقتصاد البوابات، وهو الفجوة السادسة التي حددها بروتوكول التفعيل. وجوهره أن السلطة في السودان لم تُبنَ تاريخياً على الإنتاج والضريبة، بل على التحكم في البوابات التي يمر عبرها الاقتصاد وفرض الريع عليها. وهذه البنية سابقة للحرب، وستبقى بعدها ما لم تُفكك. ولذلك فإن نقل ملكية شركة من جهة عسكرية إلى جهة مدنية، مع بقاء البوابة ذاتها قابلة للاحتكار، يعني انتقال الريع لا زواله. والنتيجة المنطقية التي يلامسها المقال دون أن يسميها، حين يحذر من أن السلام الذي لا يغير الحوافز ( قد يصبح مجرد هدنة بين جولات من الحرب ) ، هي أن الإصلاح المطلوب يجب أن يستهدف البوابات بالشفافية والتعدد والرقابة المستقلة، لا الأشخاص والمؤسسات وحدهم.
رابعاً: فراغ الشرعية بين وقف الحرب والانتخابات
يرسم المقال ست مراحل متتابعة، تبدأ بوقف الحرب وتنتهي بالانتخابات. ويشترط في السلطة الانتقالية أن تكون ( واسعة ) ، وألا تقوم ( على مجرد المحاصصة بين الأحزاب ) ، وأن يكون لها ( سقف زمني واقعي ومؤشرات واضحة قابلة للقياس ) . لكن سؤالاً حاسماً يبقى بلا جواب: من أين تستمد هذه السلطة شرعيتها في المسافة الطويلة بين المرحلة الثالثة والمرحلة السادسة؟ إن لم تكن الانتخابات مصدر الشرعية، وهي مؤجلة بحق، ولم يكن التوافق النخبوي كافياً، وقد أثبتت تجربة ما بعد 2019 هشاشته، فإن الفترة الانتقالية ستعيش في فراغ شرعية تملؤه القوة، وهو بالضبط ما يحذر منه المقال حين يخشى أن تصبح السلطة المدنية ( مجرد واجهة شكلية لاستمرار موازين القوة القديمة ) . يقترح الميثاق هنا مفهوم الشرعية الوظيفية الصاعدة، أي شرعية تُكتسب بأداء الوظائف الأساسية للدولة، من الأمن المحلي والخدمات والمعيشة، وتتراكم من المستوى المحلي صعوداً إلى المستوى الوطني. وهي لا تلغي الشرعية الانتخابية بل تمهد لها، إذ تجعل الانتخابات تتويجاً لشرعية قائمة فعلاً، لا عملية تأسيس من فراغ. وبهذا تتحول ( المؤشرات القابلة للقياس ) التي يطالب بها المقال من أداة رقابة إلى مصدر شرعية.
خامساً: من الضمانة النصية إلى الجدار المؤسسي
يسأل المقال سؤالاً في صميم المشكلة: ( ما الضمانات التي تمنع عودة التدخل العسكري في السياسة؟ ) . وجوابه يتوزع بين دستور انتقالي ( يحدد بوضوح العلاقة بين المؤسسة العسكرية والسلطة السياسية ) ، وضمانات إقليمية ودولية مرتبطة بآليات تنفيذ. لكن التاريخ السوداني لا يشكو من نقص في النصوص؛ فقد عرف دساتير ومواثيق ووثائق دستورية متعددة، وانقلب عليها جميعاً. والضمانة الدولية بدورها مشروطة بإرادة الضامنين وتقلب مصالحهم، وهو ما يعترف به المقال نفسه حين يعدد الفاعلين الإقليميين والدوليين ومصالحهم المتباينة. ما يحتاجه السودان هو ما يسميه الميثاق الجدار المؤسسي: فصل بنيوي بين المجالين العسكري والسياسي والاقتصادي، مصمم بحيث يصبح التدخل مكلفاً مؤسسياً لا ممنوعاً نصياً فحسب. فالنص يُعطَّل بقرار، أما البنية المؤسسية المتشابكة فيصعب تجاوزها دون أن ينهار ما يعتمد عليه المتجاوز نفسه. والجدار المؤسسي بهذا المعنى هو الترجمة العملية لما يسميه المقال ( إعادة بناء المؤسسة العسكرية والأمنية جزءاً من إعادة بناء الدولة نفسها ) .
سادساً: عدالة تحتاج إلى هندسة
يُحسن المقال حين يرفض النقل الحرفي لتجارب جنوب أفريقيا ورواندا وكولومبيا، ويدعو إلى مقاربة سودانية ( تجمع بين المساءلة عن الجرائم الجسيمة، وضمان حقوق الضحايا، وفتح المجال للمصالحة ) . لكن الدعوة إلى الجمع بين هذه العناصر لا تجيب عن السؤال العملي: كيف يُوزَّع كل ملف على آليته المناسبة؟ ومن يُحاسَب أمام أي جهة، وبأي معيار؟ يقدم الميثاق العدالة الانتقالية الثلاثية بوصفها هندسة متدرجة تميز بين مستويات المسؤولية وتخصص لكل مستوى آليته، بحيث لا تبتلع المصالحة الجرائم الجسيمة، ولا تتحول المساءلة إلى ( أداة للانتقام الجماعي ) كما يحذر المقال محقاً. وهذا التدرج هو ما يجعل قاعدة ( لا حصانة ولا عقوبة جماعية على أساس الانتماء ) قابلة للتطبيق، لا مجرد مبدأ معلن. وثمة ملاحظة على ترتيب المراحل: فالمقال يؤجل العدالة الانتقالية إلى المرحلة الخامسة، بعد البرنامج الاقتصادي العاجل. والخشية أن يمنح هذا التأجيل شبكات اقتصاد الحرب، وهي في الغالب ذاتها شبكات المسؤولية عن الانتهاكات، وقتاً كافياً لإعادة التموضع داخل مؤسسات المرحلة الانتقالية وفي برامج إعادة الإعمار. إن بعض أدوات العدالة، كالحفاظ على الأدلة وكشف الحقيقة وتجميد الأصول المشبوهة، لا تحتمل الانتظار، ويمكن أن تسير بالتوازي مع وقف إطلاق النار لا بعده.
سابعاً: الفاعل الغائب والشارع المعلّق
يطلب المقال ( كتلة مدنية واسعة تستطيع أن تتحدث بلغة سياسية مشتركة ) ، ويحذر من أن تصبح وحدة القوى المدنية ( مجرد جلوس مشترك حول طاولة ) . وفي الوقت ذاته يقرر أن الاحتجاج ( مهما كان ضرورياً... لا يستطيع وحده بناء المؤسسات ) . والتشخيصان صحيحان، لكن المقال لا يحدد الأداة التي تُنشئ هذه الكتلة قبل التسوية، ولا الجسر الذي ينقل الناس من الاحتجاج إلى البناء. هنا يقدم الميثاق أداتين متكاملتين. الأولى مبادرة الجسر الانتقالي، وهي الإطار الذي يحمل المرحلة من الحرب إلى إعادة البناء ، ويمنح الكتلة المدنية برنامجاً مشتركاً وقواعد عمل قبل أن تجلس إلى أي طاولة تفاوض، فلا تدخلها بوصفها طرفاً يُطلب منه ( قبول نتائج ) اتفاق بين المسلحين، وهو أول المخاطر التي يعددها المقال. والثانية النفير الوطني الكبير، الذي يحول الضغط المعيشي من غضب عابر إلى تعبئة بنّاءة منظمة، تستعيد تقليد النفير السوداني الأصيل في العمل الجماعي، وتجعل المواطن شريكاً في إعادة البناء لا متفرجاً ينتظر نتائجه. وتجدر الإشارة إلى أن ما يورده المقال عن احتجاجات سبتمبر 2026 والمبادرات الدولية خلال العام نفسه منسوب إلى كاتبه، والحجة التي نسوقها هنا لا تتوقف على تفاصيله؛ فالحاجة إلى تحويل الاحتجاج إلى بناء قائمة أياً كان حجم الحراك الراهن.
ثامناً: الافتقار، جواب السؤال الأخير
يختم المقال بسؤال هو في تقديري أهم ما فيه: ( هل نريد فقط إنهاء الحرب، أم نريد أن ننهي الطريقة التي كانت تنتج الحرب؟ ) والطريقة التي أنتجت الحرب، في جوهرها، هي منطق الاستغناء: أن يتصور كل طرف، مركزاً كان أو جماعة أو مؤسسة، أنه يستطيع أن يحكم ويعيش ويزدهر دون الآخرين، بل على حسابهم. وهذا المنطق هو ما يجعل الإقصاء ممكناً، والحرب مقبولة، والحسم العسكري حلماً يتجدد. في مقابل ذلك يؤسس الميثاق على مفهوم الافتقار، أي الحاجة المتبادلة بوصفها شرطاً وجودياً للاجتماع السياسي. وهو مفهوم يجد سنده في الفلسفة الحديثة: في فكرة ( الوجود-مع ) عند هايدغر، وفي أولوية الآخر عند ليفيناس، وفي حكمة أوبونتو الأفريقية القائلة إن الإنسان إنسان بالآخرين، وفي أعمال إلينور أوستروم التي أثبتت أن الجماعات قادرة على إدارة مواردها المشتركة حين تعترف بترابط مصالحها. فالدولة التي يعترف مركزها بافتقاره إلى أطرافها، وتعترف مؤسساتها بافتقارها إلى مواطنيها، هي دولة لا تحتاج إلى الحرب لحسم خلافاتها.
خاتمة: استكمالاً لا مصادمة
لقد قطع مقال الأستاذ زهير أبو الزهراء شوطاً مهماً حين نقل النقاش من ( متى تتوقف الحرب؟ ) إلى ( كيف نبني دولة لا تنتج الحرب؟ ) ، وحين صاغ قواعد واضحة للتعامل مع المؤسسة العسكرية والإسلاميين واقتصاد الحرب وترتيب المراحل. وما قدمناه هنا لا يعارض هذه الاستراتيجية، بل يقترح أن تُستكمل بأربعة أبعاد: بعد إقليمي يعيد الهامش إلى موقع الشريك المؤسس، وبعد اقتصادي يستهدف البوابات لا الملكيات، وبعد شرعي يملأ الفراغ بين وقف الحرب والانتخابات، وبعد فلسفي يجعل الترابط لا الغلبة أساس العقد الاجتماعي الجديد. فإذاكان المقال يراهن على ( قواعد جديدة لا وجوه جديدة ) ، فإن الميثاق يضيف: وبنية جديدة تحمي هذه القواعد، ومن يصوغها من كل أطراف السودان لا من مركزه وحده. عندها فقط تتحول ( لحظة الحقيقة ) إلى لحظة تأسيس حقيقية مستدامةٍ .
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة