إشراقة الذكرى في عتمة التاريخ تأتي الذكرى الحادية والعشرين لرحيل الدكتور جون قرنق دي مبيور في الثلاثين من يوليو، لتضعنا من جديد أمام لحظة فارقة في تاريخ السودان والمنطقة. إن الرحيل الفاجع لهذا القائد الاستثنائي، إثر سقوط مروحيته في أحراش الاستوائية وهو عائد من كمبالا بعد ثلاثة أسابيع فقط من أدائه القسم نائباً أول لرئيس الجمهورية، لم يكن مجرد حادث في تاريخ الملاحة، بل كان غياباً مباغتاً لـ "مهندس الخروج من المأزق التاريخي"، وانقطاعاً لخطوات رجّت أركان المفهوم القديم للدولة. أولاً: السيرة الذاتية.. انصهار المعرفة بروح الهامش ولد جون قرنق عام 1945 في قرية "وانقلي" بأعالي النيل (منطقة تويج)، لأسرة بسيطة من صغار المزارعين والرعاة. هذا المنبت المرتكز في عمق الهامش منح وعيه صلابة وانحيازاً طبعياً للمحرومين. التكوين العلمي والعسكري: نال درجة البكالوريوس في الاقتصاد الزراعي من كلية "غرينيل" بالولايات المتحدة، وعاد ليلتحق بالجيش السوداني بعد اتفاقية أديس أبابا 1972، حيث تدرج حتى رتبة عقيد. العمق الأكاديمي: حصل على الماجستير والدكتوراه في الاقتصاد الزراعي من جامعة ولاية أيوا، وكانت أطروحته حول "التنمية الزراعية في السودان"، مما أثبت مبكراً أنه لم يحمل البندقية إلا بعقلية التنموي ورجل الدولة الذي يدرك أن جذر الأزمة يكمن في نمط الإنتاج والتنمية المفقودة. ثانياً: الدور السياسي والتاريخي.. صياغة "السودان الجديد" في عام 1983، أعلن قرنق تأسيس "الحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان". ولم يطرح قضية الجنوب كصراع عائدي أو إثني ضيق، بل كأزمة مركبّة في بنية الدولة بأكملها: تفكيك "السودان القديم": شخّص الأزمة في احتكار شريحة محددة بالمركز للسلطة والثروة، وفرض هوية أحادية على مجتمع متعدد، واستغلال الدين واللغة لإقصاء الآخرين. مشروع السودان الجديد: طرح بديلاً يقوم على المواطنة المجردة، وتفكيك احتكار المركز عبر إعادة توزيع الثروة والسلطة أفقياً لكل أقاليم الهامش (من دارفور والشرق والشمال إلى النوبة وجنوب النيل الأزرق والجنوب). نقل المدن إلى الريف: أطروحة اقتصادية دعت لاستخدام عائدات النفط والموارد لبناء اقتصاد منتج يرتكز على الزراعة والصناعة، لإنهاء الهوة بين العاصمة والريف. الكاريزما القومية: استطاع قرنق أن يلهم ملايين السودانيين في الشمال والشرق الغرب، ليكون القيادة الاستثنائية التي جمعت تطلعات الملايين حول رؤية جامعة. ثالثاً: لماذا وكيف توقف قطار "السودان الجديد"؟ رحيل القائد في لحظة حرجة أفسح المجال لتعثر المشروع وتحوله نحو مسارات أخرى: كيف توقف؟ تم اختزال اتفاقية السلام الشامل إلى قسمة ثنائية للسلطة والثروة بين شريكي الحكم، وتفريغ شعار "جعل الوحدة جاذباً" من محتواه، مما حوّل بوصلة القيادة في الجنوب نحو تقرير المصير والانفصال. لماذا توقف في محطة الجنوب (الانفصال)؟ الفراغ القيادي: ترك غياب قرنق الحركة الشعبية بلا نظرّ مساوٍ قادر على إدارة معركة التحول الديمقراطي في كامل السودان. صعود التيار الانفصالي: فضلت القيادة الجديدة في الجنوب خيار استقلال الجنوب كطريق أسرع لإنهاء الحروب بدلاً من خوض معقد التكلفة لإعادة بناء السودان ككل. تعنت النخبة الحاكمة: قاومت قوى المركز أي تنازل حقيقي عن بنية السلطة القديمة، وفضلت دفع الجنوب للانفصال للحفاظ على قبضتها. استنساخ الأزمة: بعد استقلال الجنوب عام 2011، لم تُطبق فلسفة "السودان الجديد" التنموية، بل نشأت طبقة استولت على ريع النفط، فسقطت الدولة الوليدة في صراعاتها الداخلية، بينما انفجر الشمال لاحقاً في حرب ريعية مماثلة. أثر الخطوات الخالدة يبقى جون قرنق دي مبيور بطلاً من أبطال التاريخ، لا لأنه ربح حرباً أو وقّع اتفاقاً فحسب، بل لأنه ترك "رؤية" لا تموت. إن أثر خطواته الخالدة يذكرنا دائماً بدرسين بليغين: أن الدولة التي تُبنى على إقصاء أبنائها تحفر فنائها بيديها، وأن الموارد والخيرات لا تبني أمةً ما لم تتحول إلى كرامة وعدالة ومزارع ومصانع للإنسان البسيط في كل شبر من أطراف الوطن.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة