كما لم أكن يوماً، كنت… أكتب الآن لأن الكتابة لا تخون، ولأن الأوراق وحدها تستوعب وجعي دون أن تئن. أكتب، علّ الكلمات تلمّ شتات روحي، وجمع شمل ما تفرق من دفء أسرتي الذي كان…. أجتر تلك الذكريات علّها تردّ شيئاً من الوطن الذي ضاع في الزحام.
الحنين مقصلة، أنا لا أشتاق… أنا أُذبح كل يوم بسكين الذاكرة. أمرّ على الطرقات في أحلامي، أفتح أبواباً لم تعد موجودة، أصافح أرواحاً رحلت، ولن تعود أبداً. وأجلس على أرصفة غابت ملامحها. فلم تعد الأمكنة هي الأمكنة…
حقيبتي… لم تعد تحوي ملابس أو كتباً أو صوراً، أو حتى بقايا من عطر قديم بل أوجاعاً مؤرّقة، وأسئلة لا إجابة لها: أين ذهب الذين كنت أحبّهم وما أزال؟ أين دفنوا البسمات؟ ومن وأد الأمل؟ ومَن سرق دفءَ البيوت؟ من سرق ضحكة “حبوبتي” التي تستغفر ربها دوماً وكأن الضحك خطيئة تستوجب الاستغفار. أين ذهب صدى صوت أطفالنا؟
السودان… لم يعد كما كان. الأرض التي أنجبتني، ضاقت بي، واغتربت في عيني.
البيوت فقدت أبوابها، ونوافذها صارت جراحا مفتوحة. الأسقف سقطت على رؤوس الذكريات، والأثاث تحوّل إلى أنقاض مشاعر وحطام عشق مهمل. سكت صوت المغني لأن المذياع العتيق نفسه لم يعد موجوداً، وردد صدى الصوت كانت "هنا أم درمان"…..فأصبح العرس مأتماً كبيراً…
الاشجار فقدت ظلها، والنخل لم يعد يرمي "تمراً" كما كان. و “حميرا” “غرزت” وجف حليبها، فشرب أطفالي ظمأً…..لم تعد الأشياء هي الأشياء….برغم “مشتركاتنا” فقد أصبحت لا أشبه أحداً….صرت أحمل جريمتي على وجهي لأنه "غريب"… صرت "أنا وهم"…."عرب وزرقة"….."جلابة غرابة"، هذه هي الثنائية البغيضة التي حملت بذرة فناء وطني في مسارين لا يلتقيان.…..
أمشي بين الحطام كأنني أبحث عن نفسي، عن طفل كنت أخبّئه في زوايا القلب، عن صورة قديمة لم تمسّها النار، عن رائحة قهوة… وقت الظهيرة أو ظلّ شجرة نيم لا يزال وفياً للمكان.
أكتب… لأن الصمت خانني فلم أعد أحتمل…. ولأن الألم صار واسعاً كسماء بلا حدود، وكلّما ضاقت بي الدنيا… أفرّ إلى الحروف لأجد سكينة روحي فيها. كفى ضياعاً …. كفى كراهية …كفى عنصرية …كفى حرباً فلم يعد دمي يحمل ذات لونه الأحمر القاني….فقد أصبح ماءً في محيطات النسيان…وتحولت أنا نكرة كأنني لم أكن يوماً…..
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة