أولاً: طبيعة الفجوة يقوم ميثاق النجاة وبناء الدولة على فرضية مركزية: أن الشرعية لا تُمنح من مركز إلى أطراف، بل تُبنى صعوداً من الأطراف نحو المركز، عبر ما أسميناه "الشرعية الوظيفية الصاعدة". هذه الفرضية سليمة كمبدأ تأسيسي، لكنها تصطدم فور محاولة التطبيق بسؤال إجرائي لا مفر منه: من الذي يملك، في اللحظة صفر، صلاحية توجيه أول دعوة لانعقاد تأسيسي يتبنى هذا المبدأ أصلاً؟ فالمفارقة أن أي دعوة لتفعيل شرعية صاعدة تحتاج، لكي تُطلَق، إلى جهة فاعلة تملك حداً أدنى من القدرة على التنظيم والتواصل والتمويل الأولي ، وهذه القدرة، في الواقع السوداني الراهن، لا تتوزع بالتساوي بين الأطراف. من يملكها بالفعل هم غالباً: النخب الحضرية المتعلمة، تنظيمات المهجر ذات الموارد، أو بقايا الأطر السياسية القائمة التي ينتقدها الميثاق نفسه بوصفها تحالفات نخبوية مركزية فشلت في تمثيل الأطراف. فهل الدعوة إلى ميثاق يرفض المركزية يمكن أن تنطلق، من الناحية العملية، إلا من موقع شبيه بالمركز الذي يرفضه؟ هذه ليست عثرة عابرة في التطبيق، بل توتر بنيوي: كل مشروع تأسيسي يعيد إنتاج، في لحظة انطلاقه، نسخة مصغرة من المشكلة التي يسعى لحلها.
ثانياً: نقد النماذج القائمة
التجربة السودانية الحديثة تقدم نموذجين فاشلين لحل معضلة "من يدعو": النموذج الأول: الشرعية بالتفويض النخبوي وهو ما جرّبته تحالفات مثل قوى الحرية والتغيير، حيث تولت مجموعة من الأحزاب والتنظيمات المدنية القائمة تمثيل "الشعب" بحكم موقعها التاريخي أو التنظيمي، دون آلية تحقق من أن هذا التمثيل يعكس فعلاً موازين القوى والمصالح على الأرض، خصوصاً في الأطراف والريف. النتيجة معروفة: شرعية شكلية سرعان ما انكشفت هشاشتها عند أول اختبار حقيقي للتوافق. النموذج الثاني: الشرعية بالقوة الفعلية وهو المسار الذي تسلكه الأطراف المسلحة حين تحول تفوقها الميداني إلى ادعاء تمثيلي "نحن نسيطر على الأرض إذن نحن الأحق بالتفاوض باسم أهلها". وهذا النموذج، وإن بدا واقعياً، يُسقط الشرعية إلى مجرد انعكاس لموازين القوة العسكرية، وهو بالضبط ما يسعى الركن الرابع لتفكيكه عبر آلية "التوافق الموزون" التي تمنح الأطراف الأقل قوة عسكرية وزناً تمثيلياً لا يتناسب مع قدرتها على فرض الأمر الواقع. كلا النموذجين يشترك في عيب واحد: كلاهما يفترض أن الشرعية "تُعلَن" من جهة تملكها سلفاً، بدل أن "تُبنى" عبر مسار تراكمي يمكن التحقق منه.
ثالثاً: التأطير عبر الافتقار
هنا يقدّم مفهوم "الافتقار" ، بمعناه الفلسفي المجرد كما بنينا عليه الميثاق سابقاً ، مخرجاً من هذا المأزق، لا بوصفه حلاً تقنياً، بل بوصفه إعادة تعريف لموقع الداعي نفسه. جوهر المفهوم هنا: أن أي فاعل يعتمد على سند ذاتي مسبق (مكانته التنظيمية، تاريخه النضالي، تفوقه الميداني) لإثبات شرعيته يفقد تلقائياً القدرة على مراجعة نفسه، لأن أي اعتراف بالخطأ يهدد الأساس الذي بنى عليه ادعاءه. أما الفاعل الذي ينطلق من إقرار صريح بأنه لا يملك سند الشرعية الكامل، وأن هذا السند لم يتحقق بعد، فهو وحده القادر على تصميم آلية تراقب نفسها وتصحح مسارها باستمرار. هذا المعنى قريب مما طرحه هايدغر حول "الوجود-من-أجل" (Dasein) بوصفه كائناً غير مكتمل بذاته بل منفتحاً دوماً على إمكانياته، وما طرحته فلسفة أوبونتو الإفريقية من أن الذات لا تتحقق إلا عبر الآخرين ("أنا لأننا نحن") ، وكلاهما يرفض فكرة الفاعل المكتفي بذاته الذي يستمد شرعيته من داخله فقط. بعبارة أخرى: الجهة المؤهلة لتوجيه الدعوة التأسيسية الأولى ليست تلك التي تملك أكبر رصيد من الشرعية المسبقة، بل تلك التي تُعلن افتقارها إلى هذا الرصيد وتبني آلية الدعوة نفسها على هذا الإقرار، بحيث تكون الدعوة الأولى "دعوة لاختبار الدعوة"، لا "إعلان تمثيل نهائي". هذا هو الفارق الجوهري بين الميثاق ونماذج ما قبله: الميثاق لا يحل معضلة "من يدعو" بإيجاد جهة أكثر تمثيلاً، بل بإعادة تعريف الدعوة الأولى كفعل مؤقت وقابل للمراجعة بطبيعته، لا كفعل تأسيسي نهائي.
رابعاً: مرجعية مقارنة
تجربة المؤتمر الوطني للحوار اليمني (٢٠١٣-٢٠١٤) تقدّم درساً مزدوجاً ذا صلة. من جهة، حاول المؤتمر معالجة معضلة التمثيل عبر حصص كمية مسبقة (نسب للجنوب، للشباب، للنساء) بدل ترك التمثيل ينبثق من مسار تراكمي، وهو ما أنتج تمثيلاً شكلياً غلب عليه اختيار النخب الحضرية لشخصيات "تمثل" الأطراف دون تفويض حقيقي منها، وهي بالضبط الفخ الذي حاولنا تجنبه أعلاه. ومن جهة أخرى، وهذا هو الدرس الإيجابي، اعتمد المؤتمر آلية "التوافق" بدل التصويت بالأغلبية في القضايا الخلافية الجوهرية ، وهي فكرة تتقاطع مع "التوافق الموزون" في الركن الرابع، وإن كان تطبيقها اليمني قد جرى داخل بنية تمثيل مختلة أصلاً فلم يمنع الانهيار اللاحق. الدرس المستخلص: آلية اتخاذ القرار (التوافق الموزون) لا تكفي وحدها إن لم تُبنَ فوق مسار تمثيل يتحقق تراكمياً من أسفل، لا يُفرض قبلياً بالحصص من أعلى. وهذا يرجّح كفة الحل الإجرائي التالي.
خامساً: نحو آلية عملية، الدعوة كمسار لا كإعلان
المخرج المقترح هنا يقوم على فصل لحظتين كانتا مدموجتين خطأً في التصورات السابقة: لحظة "الدعوة" ولحظة "التمثيل". 1. الدعوة الأولى تصدر من موقع الافتقار المعلن، أي من تجمع يقر صراحة أنه لا يملك تفويضاً شاملاً، ويحدد لنفسه دوراً وظيفياً محدوداً: تيسير انعقاد لقاءات محلية تأسيسية، لا التحدث باسم أحد. 2. الشرعية تتراكم عبر سلسلة من التفويضات المتتابعة والقابلة للتحقق، تبدأ من مجالس محلية (وهي نفسها البنية التي يقترحها الميثاق للعدالة الانتقالية، فتُستثمر مبكراً لهذا الغرض المزدوج) ترسل ممثلين إلى مستوى إقليمي، والإقليمي يرسل إلى المستوى الوطني، بحيث يكون كل تفويض قابلاً للسحب والمراجعة في أي محطة. 3. النفير الوطني الكبير يعمل، في هذه المرحلة الأولى تحديداً، كأداة تعبئة واتصال لا كجهة تمثيل، أي أن مهمته الأولى ليست أن "يمثل" بل أن "يوصل الدعوة ويجمع الاستجابات" ، وهذا يحل التوتر الذي أثرناه في فجوة الأداة التنفيذية جزئياً: النفير يبدأ بصلاحية محدودة تتوسع فقط بقدر ما تتراكم التفويضات الفعلية. 4. معيار النجاح ليس اكتمال التمثيل من اليوم الأول، بل وجود آلية شفافة ومعلنة يمكن لأي طرف غائب أن ينضم عبرها لاحقاً دون أن يُعتبر ذلك طعناً في شرعية ما سبق، وهذا هو المعنى العملي لتحويل الدعوة من "إعلان" إلى "مسار".
خاتمة: الفجوة كمعيار لا كعائق
فجوة التمثيل لن تُغلق نهائياً ، وربما لا ينبغي أن تُغلق، لأن ادعاء إغلاقها الكامل هو بالضبط الوهم الذي أسقط التجارب السابقة. ما يقترحه هذا التحليل ليس حلاً يُنهي الفجوة، بل تصميماً يجعل الإقرار المستمر بها جزءاً من آلية العمل نفسها. الجهة التي تدّعي تمثيلاً كاملاً منذ اللحظة الأولى تكذب على نفسها قبل أن تكذب على الآخرين؛ والجهة التي تبني على افتقارها المعلن هي وحدها القادرة على أن تكبر شرعيتها مع الزمن بدل أن تتآكل.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة