إنّ غباء وجهل الكيزان وتابعيهم من الانتهازيين دفعهم إلى السير في الاتجاه المعاكس لمجرى نهر الحرية. فالحرية في حد ذاتها ثروة للفرد والمجتمع، وهي العبقرية التي صنعت تقدّم الغرب، بينما تخلّفت كل الشعوب التي عادت الحرية أو خافت منها. ولهذا فإن معاداة الكيزان للحرية، وسيرهم ضد اتجاهها، كان سبباً مباشراً في فشلهم، رغم انقلابهم في عام 1989م ورغم حكمهم السودان بالحديد والنار. ولم يقتصر فشلهم على سوء الإدارة، بل تفاقم الأمر حتى انقسموا إلى مؤتمر وطني ومؤتمر شعبي، في دلالة واضحة على عمق أزمتهم الفكرية والتنظيمية. ومن يضيق بالحرية تضيق به الحياة بما رحبت .. فهذه نتيجة طبيعية يواجهها كل من يعادي الحرية، سواء كان فرداً أو تنظيماً أو مجتمعاً. فالحرية هي سر النجاح. وهي التي جعلت الغرب يفكر بعقل مفتوح، وصوتٍ مسموع، ويعبّر عن آرائه بمنتهى الصراحة والوضوح، ويدير صراع الأفكار بكفاءة مدهشة، ليستخرج من هذا الصراع أروع الابتكارات في الفكر والفلسفة والعلم، الأمر الذي مكّنه من السيطرة على الطبيعة وغزو الفضاء. وبدلاً من أن تتعلّم جماعات الإسلام السياسي في المنطقة عموماً، وفي السودان على وجه الخصوص، من التجارب الفكرية والسياسية التي أخرجت الغرب من ظلام العصور الوسطى، نجدها تعادي الحرية وكأنها تخشى الضوء الذي يكشف هشاشة خطابها وضحالة أدواتها. لقد خلق المولى عز وجل الكون بقوانين وسنن ونواميس، ومن يجهل هذه القوانين — مهما رفع من شعارات أو مارس من تضليل — سيكون مصيره الفشل. وتجارب الأنظمة المستبدة في العالم شاهدة على ذلك؛ فهي تعيش في أزمات وهشاشة داخلية، بينما الدول التي تحترم الحرية قادرة على مواجهة تحديات الحياة لأنها تعلّمت الدرس. ذلك الدرس الذي قدّمه الفيلسوف سقراط حين اعترف بجهله، وأقرّ بأنه لا يملك علماً يقدّمه للناس بديلاً عن أوهامهم العريقة. أعظم ما قدّمه سقراط للحضارة الإنسانية هو اكتشاف جهله، وانتقاله من مستوى الجهل المركّب إلى الجهل البسيط؛ من وهم المعرفة إلى وعي النقص. وقد أعلن أنه لم يعد مغتبطاً بجهله، بل يسعى للبحث والاستقصاء والتحقق، ليبلغ معرفة ممحّصة لا تُنال إلا في فضاء حر. وقال أيضاً: «لو عرف الجاهل أسباب جهله، لصار حكيماً.» إن أولى عتبات الحكمة هي الوعي بالعجز؛ فالمأساة ليست في نقص المعرفة، بل في توهّم كمالها. حين يدرك الإنسان فجوات عقله، ويفتش عن أسباب تعثّره الفكري، يتحوّل من "سجين المألوف" إلى "باحث عن الحقيقة". فالتواضع المعرفي هو الوقود الحقيقي للارتقاء الحضاري. إن الحرية ليست ترفاً فكرياً، بل هي الشرط الأول لنهضة الإنسان، وتطوّر المجتمع، وقيام دولة حديثة قادرة على إنتاج المعرفة، وإدارة الاختلاف، وصناعة المستقبل. وكل مشروع يعادي الحرية إنما يعادي العقل ذاته، ويقف ضد حركة التاريخ، ويقود مجتمعه إلى الخراب والدمار — كما حدث في تجربة الكيزان التي أُهدرت فيها ثروات السودان، وتحوّلت حياة الشعب إلى جحيم بسبب الجهل المركّب الذي يمارسه الكيزان وتابعيهم الانتهازيون.
الطيب الزين كاتب وباحث في دور القيادة والإصلاح المؤسسي
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة