------ يُحتِّم علينا واقعنا المعقّد، المثقل بالجروح والأسئلة، أن نقف وقفة تأمل أمام مرايا الماضي. لا لنبكي عليه، بل لنستلهم من عِبَره دروساً تُنير دروب المستقبل. فلا سبيل إلى فكّ طلاسم الحاضر إلا بمقاربات جادة، موضوعية، تَمتحن السياقات المختلفة التي أنتجت هذا الواقع السياسي المأزوم. لقد بات الفشل، في غياب عقل نقدي سياسي حقيقي يُراجع نقاط الخلل والقوة في كل مشروع وطني، قدراً محتوماً يلاحقنا كظلّنا. ويعود هذا الفشل، في جذوره الناعمة والصلبة معاً، إلى بدايات خاطئة في تشكيل المشاريع البنيوية، تلك البدايات التي أخلفت وعدها بشأن ماهية التنظيم، وابتعدت عن الرؤية الواضحة والأهداف المحددة، واستعاضت عن تشكيل الهياكل وفق مبدأ العطاء الوطني، برافعات هشة: الشللية،القبيلة، المصالح المشتركة. هذه الرافعات التي تحولت إلى آلة ثقيلة تطحن كل مشروع طموح، وتخلق أزمة وجودية تعيق إنقاذ السودان وشعبه من أزمات متراكمة.
لقد صيغت مشاريع كبرى بأيدٍ أمينة، وغايتها نبيلة: بناء وطن متعدد الألوان، تقوم على المواطنة المتساوية والحرية وكرامة الإنسان، وتحرير البلاد من ظلمات الماضي، وإزالة اختلال ميزان السلطة والثروة. كانت تحلم بالإجابة عن سؤال جوهري: كيف نحكم السودان؟ لا من يحكمه؟ ولكن هذه المشاريع، من "السودان الجديد" إلى (السودان المنشود) مروراً بصحوة الوثبة الجديدة ونداء السودان والرؤى التقدمية الأخرى، لم تبلغ غايتها. أصيبت بعلّة البدايات نفسها: أغلقت الأبواب أمام الأجيال الأكثر وعياً وفهماً وإدراكاً لماهية الرؤية، وهم الشباب والطلاب، ومنعتهم من الصعود إلى هياكل القيادة. كما أن تداخل تأثير الخارج على الداخل حال دون تبني رؤية وطنية خالصة تهدف إلى نماء القدرات الديمقراطية ونشر ثقافتها كسلوك يومي، فسيطر على كل الحقب التاريخية شعار قاتل ! إلغاء الآخر. وحتى ثورة ديسمبر، رغم قوتها وشرعيتها الفائقة، قُتلت في مهدها بالأمراض نفسها: الأنانية، الانكفاء، والسطو عليها من أحزاب لم تغير منهجيتها.
وهنا تبرز تساؤلات محورية، تقف في حلقنا كشوكٍ عالقة: لماذا فشلت الثورات السودانية المتعاقبة في تحقيق أهدافها؟ ولماذا عجزت الأحزاب السياسية، رغم تراكم خبراتها، عن طرح رؤية وطنية خالصة تغرس ثقافة مدنية وقيمًا ديمقراطية داخل بنيتها وفي إطار الدولة؟ لقد أدى هذا الفشل المركب إلى نزاعات وحروب وتمردات متواصلة منذ عام 1955م حتى اليوم. فرغم توقيع اتفاقيات سلام متعددة، لم نحقق سلاماً مستداماً أبداً، بل كلما انتهت حرب انطلقت أخرى بأكثر ضراوة من سابقتها. وحتى الثورات الشعبية التي أطاحت بالأنظمة الشمولية، لم تنجح في تحقيق تحول ديمقراطي حقيقي. يقول المثل الصيني: "ليس عيباً أن نسقط، ولكن العيب أن نبقى حيث سقطنا." ونحن، للأسف، نصرّ على البقاء في دائرة السقوط ذاتها.
إن الخلل العميق لا يكمن في ظروف موضوعية خارجية فقط، بل في بنية تكوين الحركات الثورية نفسها. حركات لم يسبقها وعي مفاهيمي وسياسي راسخ، ولم تطرح رؤية شاملة وأنظمة ضابطة لإيقاعها وآليات للاحتكام إليها. لقد سبقت العصا الجسد، وتم التكوين على حساب الوعي، بالارتكاز على ثوابت علاقات اجتماعية ذات طابع قبلي وشخصاني. ونتيجة لذلك، انضمّ الأكثرية إلى هذه الحركات عبر علاقاتهم الاجتماعية، لا عبر قناعاتهم بالرؤية التي لم يطلعوا عليها غالباً. فظل الولاء للأشخاص قبل الفكرة، وتلك هي الكارثة. لقد خلقت هذه البيئة فجوة فكرية ونقدية هائلة، وغيبت عملية التقييم والمتابعة؛ لأن جلَّ المنضوين تحت الرايات لم يعد يهمهم تحقيق المشروع، بل أهمتهم أهدافهم الذاتية وشهواتهم الشخصية أكثر من نبض الشعب والمجتمع. وحتى هياكلها خلت من التدرج السليم أو الممارسة الديمقراطية الحقيقية في صنع القرار. لذا فشلت، وانتهى مشروعها إما بالانسقاق وإما بسيطرة شلّة على التفكير. وحتى القادة أصحاب الكاريزما الفذة، كالدكتور جون قرنق، لم يستطيعوا وحدهم تغيير هذه البنية المريضة. يقول الفيلسوف كارل بوبر؛ "النقد هو روح الديمقراطية، وبدونه تتحول المؤسسات إلى قبور للأحلام." وكأنه يصف حالنا.
ولم تكن الأحزاب السياسية بأفضل حال، فقد سارت على النهج نفسه الذي سارت عليه الحركات الثورية. أصبح النقد الداخلي فيها جريمة نكراء، وتحولت إلى تابعين لأشخاص لا لأفكار، خلت من الفكر السياسي المستقل والنقد الذاتي الحقيقي. ففقدت قدرتها على لعب دورها التاريخي في بناء دولة القانون والمؤسسات، وأصبحت جزءاً من المشكلة لا من الحل.
واقع الحال اليوم يصرخ في وجوهنا: نحن بحاجة ماسة إلى رؤية ثانية، إلى قطيعة معرفية وتنظيمية مع هذا الماضي الفاشل. رؤية تهدف إلى الانتقال السريع نحو مؤسسات سياسية حقيقية، تتسم بفكر إبداعي يتجاوز التكرار والاجترار، وتمتلك أسساً وقواعد حاكمية تضبط السلوك الفردي والجماعي، وتتبنى تدرجاً عملياً في تحمل المسؤوليات، وتدافع عن أهداف قابلة للتحقيق بدلاً من الدفاع عن الأشخاص، وتمنع بآلياتها الداخلية خلق دكتاتوريات زائفة تلبس ثوب الديمقراطية. يقع هذا العبء الأكبر على عاتق الشباب، الذين ما زالت قلوبهم تنبض بالأمل. عليهم أن يمتلكوا تفكيراً نقدياً موضوعياً، وأن يمارسوا مقاربات جادة للواقع الحزبي والسياسي، وأن يبحثوا بلا كلل في أسباب هذا الفشل الذي يمتد لثمانين عاماً. وعلينا أن نسأل أنفسنا بصدق؛ إلى متى يظل هذا الفشل؟ ومتى نبدأ بناءً سليماً قائماً على الفكر الاجتماعي النابع من منظمات المجتمع المدني، لنغير تلك الحالة البنيوية التي حوّلت الوطن إلى بؤرة صراعات، وأذكت خطاب الكراهية، وفضلت العنصر القبلي على الفكر السياسي؟ يقول( نيلسون مانديلا)لأمر دائمًا يبدو مستحيلاً حتى يُنجز.
إن نظرة سريعة إلى الأمم التي تقدمت تمنحنا الدرس الأبلغ. لقد تقدمت تلك الأمم لأنها عملت على تطوير كوادرها السياسية عبر تدريب مستمر ومنهجي، وجعلت الانتماء قائماً على المشروع السياسي وليس على الأشخاص، وصاغت أهدافها وبرامجها وفقاً لحاجات الشعب الحقيقية، دون إثارة صراعات أيديولوجية عقيمة تلتهم الجهد والوقت. التنافس الحقيقي هناك هو بين برامج هادفة ورؤى مطابقة للواقع، لا بين أشخاص يبحثون عن مكاسب ذاتية تحت شعارات براقة.
في عمق الأزمة السودانية، يكمن خلل بنيوي قديم: هو غياب العقل النقدي المؤسسي، وسيطرة الولاء للأشخاص على الولاء للأفكار. هذا الخلل أنتج مشاريع هشة، وثورات تموت في مهدها، وأحزاباً عاجزة. والطريق إلى الخلاص ليس ثورة جديدة أو حزباً آخر بنفس المنطق، بل هو بناء مؤسسات سياسية ديمقراطية حقيقية، تتبنى التدرج، والتدريب، والمساءلة، وتفتح أبوابها للشباب والعقل النقدي. إنه الطريق الذي سلكته الأمم الناجحة، وهو الطريق الوحيد الذي يمكننا من تحويل هذا الوطن البائس إلى وطن يليق بدماء شهدائه وأحلام أبنائه. وكما قيل.(لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها) وصلاح الأول كان بالفكر والمؤسسة، لا بالعصبية والإقصاء. فهل نحن على موعد مع رؤية ثانية؟ أم سنبقى أسرى دائرة الفشل ذاتها؟ 15مايو
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة