حاولنا في مقالنا المنشور في «سودانيزاونلاين» أن نتناول تجربة البروفيسور التجاني عبد القادر حامد في الفكر الإسلامي بالنقد البناء، وبقدر من الحياد في الطرح. لكن جاء أحد التعليقات مختصراً: «ما فهمنا حاجة!».
حسناً، ربما لا يحتاج الأمر إلى كل ذلك التعقيد. فلنضع النقاط على الحروف، ونتحدث عن تجربة التنظيم الإسلامي في السودان بوضوح، من دون لفّ أو دوران، ومن دون محاولة تغليف الإخفاق السياسي بلغة أكاديمية أو شعارات دينية.
السؤال الأساسي بسيط: ماذا فعل التنظيم الإسلامي بالسودان عندما امتلك السلطة لعقود؟
رفع التنظيم شعارات «دولة الحضارة»، وتحدث عن الإسلام والأخلاق والعدل والنهضة وبناء الإنسان. لكن السؤال الذي لا يمكن تجنبه هو: ماذا كانت الحصيلة عندما تحولت تلك الشعارات إلى سلطة ومؤسسات وسياسات؟
الحصيلة، في نظر قطاعات واسعة من السودانيين، كانت دولة أنهكتها الأزمات، واقتصاداً عانى من اختلالات عميقة، ومؤسسات أضعفتها التدخلات السياسية، وحروباً وانقسامات سياسية واجتماعية، إلى جانب اتهامات واسعة بالفساد والمحسوبية واستغلال النفوذ.
وهنا لا تكفي الإجابة بأن «المشروع كان صحيحاً، ولكن التطبيق أخطأ». فالمشروعات السياسية لا تُقاس فقط بنوايا أصحابها أو بجمال شعاراتها، وإنما بما تنتجه عندما تتحول إلى ممارسة للحكم. وثلاثة عقود من السلطة ليست فترة قصيرة يمكن اختصارها في القول إن التجربة «لم تُمنح الفرصة الكافية».
والسؤال الأكثر حساسية هو أثر التجربة على صورة الإسلام نفسه في المجال السياسي.
فالشاب السوداني الذي سمع لسنوات طويلة عن الأخلاق والعدل ودولة الإسلام، ثم شاهد ممارسات سياسية وصفها خصوم التنظيم بالاستبداد والفساد والمحسوبية، من الطبيعي أن يسأل: أين هي الأخلاق التي كان يُبشَّر بها؟ وكيف يمكن الفصل بين الدين الذي رُفعت شعاراته وبين الممارسة السياسية التي تمت باسمه؟
وهنا تكمن إحدى أكبر مشكلات الإسلام السياسي: عندما يقدّم تنظيم سياسي نفسه بوصفه ممثلاً لمشروع ديني، فإن نجاحه وفشله لا يبقيان شأناً حزبياً خالصاً؛ بل قد ينعكسان على نظرة الناس إلى الدين نفسه.
لكن من الضروري وضع حد فاصل واضح: الإسلام ليس مسؤولاً عن أخطاء تنظيم سياسي، والمسلمون ليسوا مسؤولين جماعياً عن سياسات حزب أو حركة. المسؤولية السياسية تقع على التنظيم الذي حكم، وعلى قياداته وقراراته وسياساته ومؤسساته، وعلى النتائج التي ترتبت عليها.
ولا أحد يطالب الإسلاميين بالتخلي عن الإسلام، ولا يملك أحد حق احتكار الإسلام أو الحديث باسمه. المطلوب هو شيء أبسط وأصعب في الوقت نفسه: مراجعة سياسية وأخلاقية صريحة للتجربة.
كيف تحولت شعارات الإصلاح والعدل والنهضة إلى نظام حكم انتهى إلى هذه الدرجة من الأزمة؟ وأين أخطأت القيادة؟ وأين فشلت المؤسسات؟ وهل كانت المشكلة في الأشخاص فقط، أم في بنية المشروع السياسي نفسه؟
وإذا كانت الاتهامات بالفساد أو نهب المال العام أو استغلال النفوذ مبالغاً فيها، فليكن الرد بالأرقام والوثائق والتحقيقات والقضاء المستقل. أما الاكتفاء بالقول إن «الجميع مذنبون»، أو تحميل الخصوم كل المسؤولية، فلا يجيب عن السؤال الأساسي.
وفي المقابل، فإن الإنصاف يقتضي ألا نختزل تاريخ الحركة الإسلامية السودانية كله في تجربة الحكم وحدها، وألا ننكر مساهمات فكرية أو اجتماعية أو مهنية قدمها أفراد ينتمون إليها. لكن هذه المساهمات لا تلغي السؤال المتعلق بتجربة السلطة، كما أن النقد السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى محاكمة جماعية لكل من حمل فكراً إسلامياً.
الشباب السوداني اليوم يطرح السؤال بطريقة أكثر مباشرة: هل نريد إعادة إنتاج الماضي؟
لا يريد كثير من السودانيين دولة يحكمها تنظيم باسم الدين، ولا دولة يتحول فيها الانتماء السياسي إلى طريق للوظيفة أو النفوذ أو الثروة. المطلوب دولة يكون فيها المواطن مواطناً، والقانون قانوناً، والمال العام مالاً عاماً، والوظيفة العامة للكفاءة لا مكافأة للولاء السياسي.
وهذا المبدأ لا ينبغي أن يطبق على الإسلاميين وحدهم. فالقاعدة نفسها يجب أن تنطبق على كل القوى السياسية والعسكرية والمدنية والقبلية: لا شرعية فوق القانون، ولا تنظيم فوق الدولة، ولا سلاح فوق المؤسسات، ولا حزب فوق المواطن.
السودان يستطيع أن يتجاوز هذا الإرث، لكن ذلك لن يحدث بإنكار الماضي أو بتجميله.
نحتاج إلى الاعتراف بالفشل حيث يثبت الفشل، والمحاسبة حيث تثبت الجريمة، والاعتذار حيث يثبت الضرر، والتعلم من التجربة بدلاً من تبريرها. وفي الوقت نفسه، يجب أن تكون المحاسبة فردية وقانونية، لا انتقاماً جماعياً من تيار سياسي أو فكري بأكمله.
أما البروفيسور التجاني عبد القادر، وغيره من المفكرين الإسلاميين، فإن أهمية النقاش حولهم لا تكمن فقط في أفكارهم النظرية، وإنما في السؤال الأكبر الذي تطرحه التجربة السودانية كلها: ماذا يحدث عندما تنتقل الفكرة من الكتب والمحاضرات إلى مؤسسات الدولة وممارسة السلطة؟
هناك، تحديداً، تُختبر الأفكار.
والدرس الذي ينبغي أن يتعلمه الجميع، إسلاميين وغير إسلاميين، هو أن الدولة لا تُبنى بالشعارات، ولا باسم الدين وحده، ولا باسم الثورة وحدها، ولا باسم القبيلة، ولا باسم الجيش، ولا باسم أي تنظيم سياسي.
الدولة تُبنى بالعدل، والقانون، والمؤسسات، والمساءلة، والكفاءة، واحترام الإنسان.
ومن أراد الدفاع عن تجربة التنظيم الإسلامي فليدافع عنها بما أنجزته فعلاً، لا بما وعدت به.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة