ليست الحرب وحدها ما يفتك بالأوطان، بل الطريقة التي تُدار بها، والعقلية التي تحكمها. فمنذ اندلاع هذه الحرب، اختارت الدولة—بدلًا من أن تواجه عجزها في الميدان—أن تنتقم من مواطنيها، وكأن الشعب هو العدو، وكأن المدنيين هم ساحة التعويض عن الهزائم في الميادين كافة.
جريمة استهداف المستشفى التعليمي في الضعين، في أول أيام العيد، لا يمكن قراءتها كحادثة معزولة. إنها واقعة مكثّفة لمعنى أعمق: أن الدولة، حين تفشل في ميدان القتال، قد تلجأ—عن قصد أو عجز—إلى نقل المعركة إلى أجساد المدنيين. أكثر من مئة ضحية، جلّهم من النساء والأطفال، سقطوا في مكان يفترض أن يكون ملاذًا للنجاة، لا مسرحًا للفناء. هنا لا نتحدث فقط عن خطأ، بل عن نمط.
في الأدبيات القانونية، يُعرّف هذا النمط بوضوح: استهداف المدنيين أو الأعيان المدنية، وعلى رأسها المنشآت الطبية، يُعد انتهاكًا جسيمًا لقواعد القانون الدولي الإنساني، وقد يرقى إلى جريمة حرب. أما حين يتكرر الفعل ضمن سياق منهجي، ويُستخدم كأداة ردع أو عقاب جماعي، فإننا نقترب من توصيف أخطر: جرائم ضد الإنسانية.
لكن المسألة ليست قانونية فحسب؛ إنها، في جوهرها، أخلاقية. يقول المفكّر النهضوي عبد الرحمن الكواكبي في طبائع الاستبداد: “الاستبداد أصل لكل فساد”، وأن المستبد لا يرى في الرعية إلا أدواتٍ لتثبيت سلطانه. وهذه العبارة، رغم قِدمها، تبدو كأنها كُتبت لوصف حاضرنا: حيث يُختزل الوطن في سلطة، وتُختزل السلطة في إرادةٍ لا ترى في الدم إلا وسيلة بقاء.
أما الفيلسوفة الأمريكية اليهودية حنّة أرندت، فقد وصفت كيف يتحول الشر إلى ممارسة “عادية” داخل أجهزة الدولة، حين يُفرغ من معناه الأخلاقي، ويُدار بلغة باردة. وهذا بالضبط ما نواجهه: عنفٌ مؤسسي، يُنفّذ ببرود، ويُبرَّر بخطابٍ رسمي، كأن الضحايا مجرد أرقام.
ورغم هذا الانحدار، ظلّت قوى واسعة داخل المجتمع السوداني متمسكة بقدر من الضبط الأخلاقي، رافضةً الانجرار إلى دائرة الانتقام الأعمى، ومدركةً أن السقوط في منطق العنف المضاد لا يعني إلا إعادة إنتاج المأساة ذاتها. هذا التمسك ليس ضعفًا، بل وعيٌ بأن بقاء المجتمع مرهون ببقاء حدٍّ أدنى من القيم.
غير أن التاريخ القريب يقدم درسًا لا ينبغي تجاهله. فالأنظمة القومية التي حكمت العراق وسوريا لعقود، ورفعت شعارات الخلود والقوة، انتهت إلى مصائر معروفة: تفكك داخلي، عزلة دولية، وسقوط مدوٍّ حين استُنزفت شرعيتها. واليوم، يبدو أن بعض الأنظمة التي تتدثر بالدين تسير في الطريق ذاته، متوهمة أن الغطاء الأيديولوجي—مهما كان—كفيلٌ بحمايتها من قوانين التاريخ.
إن الاستبداد لا يغيّر طبيعته بتغيير شعاراته؛ سواء تزيّا بالقومية أو بالدين، فإن مآله واحد حين يقوم على القهر واستباحة الإنسان.
إن الجرائم، وفق كل المعايير القانونية، لا تسقط بالتقادم. المسؤولية لا تقف عند من ضغط الزناد، بل تمتد إلى كل من خطّط وأمر ووفّر الغطاء السياسي والدبلوماسي. والتاريخ، بخلاف ما يظنه البعض، ليس دفترًا يُطوى، بل سجلٌ مفتوح.
وفي لحظة كهذه، لا يبقى سوى التذكير بحقيقةٍ تتجاوز القانون والسياسة معًا:
ليست هذه نبوءة انتقام، بل تذكير بأن العدالة—مهما تأخرت—تظل جزءًا من نظامٍ أوسع، لا يختل. إن “شرعة الاغتيال” التي تُفرض اليوم كأمر واقع، لن تكون نهاية القصة. فكل نظامٍ يجعل من دماء مواطنيه أداة حكم، إنما يكتب—بيده—بداية نهايته. والرهان، في نهاية المطاف، ليس على قوة السلاح، بل على قدرة الحقيقة على البقاء. March 21, 2026
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة