*شعار "إلا المؤتمر الوطني" لا يخدّم قضية وقف الحرب و وحدة السُودان*
١٠ يونيو ٢٠٢٦
بعد بدء حرب ال ١٥ من أبريل ٢٠٢٣ دخلت بلادنا وإنتقلت إلي واقعاً جديداً ، إختلف فيه "المتحالفون" سابقاً في الجيش والدعم السريع ودخلا في مواجهة تناحرية دموية لأجل الإنفراد بحكم السودان والسُلطة وتوجيه وسرقة الموارد ، وأصبح لكل طرف من يدعمونه من قوي دولية وإقليمية ، إضافة إلي موالون وداعميّن في الداخل ، سواء كانوا قوي سياسِية أو مدنية أو حركات وفصائل مُسلحة أو مواطنون عاديون وقوي إجتماعية ، وأصبحت بذلك هذه الحرب مُهدد حقيقي لتماسُك السُودان و وحدته ، غير إستنزافها الكبير لمُقدراته وحتي للعنصر البشري فيها من السُودانيين ، لأن الذين يموتون فيها ويُبادون جميّعهم سودانيّون وأغلبهم من الشباب ، كانوا يمكن أن يكونوا رصيّداً للمُستقبل وللتعميّر فيه والبناء والحماية بدلاً عن التخريب والتدميّر ، والترهيّب. شارك المؤتمر الوطني والحركة الإسلاميّة بفاعلية وقوة في تأجيج وإستمرار هذه الحرب ولهم أجندتهم الواضحة والمُستترة فيها ، ودعموا الحرب وطرف الجيش ، وبالمقابل ساهمت قوي سياسِية أخري في دعم مليشيا الدعم السريع وكذلك فعلت حركات مُسلحة في دعم الطرفين وتقسمّت بينهم ، فنجد علي سبيل المثال حركتي مني وجبريل ذهبتا مع الجيش إضافة لفصائل أخري وكونت مايُسمي بالقوات المُشتركة إضافة لدعم قوات مالك عقار من الحركة الشعبية في النيل الأزرق للجيش ، و حركتي مني وجبريل هي نفسها جزء من كتلة سياسِية وهي الكتلة الديمُقراطية مع قوي سياسِية أخري ، بينما ذهبت حركتي الهادي إدريس و الطاهر حجر إضافة للحركة الشعبية شمال جناح عبد العزيز الحلو لدعم طرف المليشيا مع وجودهم وقوي سياسية ومدنية ضمن تحالف تأسيس ، مع وجود لبعض من القوي السياسِية التي تقسّمت أيضاً بين الطرفين وكلاً يدعم إما الجيش أو الدعم السريع ، إذاً هذا الواقع الجديد في السُودان وبكل تركيبته هذه و لكل من يريد أن يجد حلولاً تتوقف بها الحرب من الضروري أن يضع له إعتباراً وأن لايتجاوزه بالمُطلق. هنالك من ظلوا يبنوا تصوراتهم في وقف الحرب والتفاوض حولها بمعزل عن هذا الواقع الموجود حالياً علي الأرض ، و يتعاملون معه وفقاً للواقع الموجود ماقبل إنقلاب ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١ أو مابعده وقبل إندلاع الحرب ، فالوضع السياسِي وأطراف الصرّاع في مابعد ١١ أبريل ٢٠١٩ وحتي ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١ يختلف تماماً عنه الآن ، أي مابين فترة توهج الثورة وفترة حكمها ماقبل الإنقضاض عليها من طرفي الحرب الرئيسين أنفسهم من المكون العسكري في الجيش والدعم السريع وحلفائهما من الحركات بمساعدة ودعم قوي الثورة المُضادة الإقليمية ومباركة بعض الحلفاء الخارجيين ، ففي ذلك التوقيت في ٢٠١٩ كان الشعار المطروح بإعتبار الموقف علي الأرض هو إبعاد المؤتمر الوطني وواجهاته عن المشهد بل ومحاكمته ورموزه علي إعتبار أن الثورة قد أطاحت بهم وإنقلبت عليهم ، وكان هذا هو الموقف المُنسجم معه عدم التفاوض أو الشراكة أو إعطاء الشرعيّة لمن إنقلبوا عليها أي الثورة في ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١ ، وكان المطلب الرئيسي حينها هو إستعادة الشرّعية للحكم المدني الكامل وإبعاد المكون العسكري بشقيه وداعميهم من الحركات والكتلة الديمُقراطية بإعتبار أنهم دعموا الإنقلاب علي الثورة ، وظل هذا هو الموقف حتي وقت إعلان ماسُمي بالإتفاق الإطارئ ، والذي لم يكن في كامله إستجابة لمطالب الثورة نفسها وإنما كانت "تسوية" لإعادة الشراكة ولكنها أيضاً لم تستمر لتفجر الصرّاع علي النحو الذي شهدناه جميعاً مابين الجيش والدعم السريع حول بنود الإتفاق غض النظر عمن "نكص" عنه ، ولكن بإعتراف قائدي طرفي الحرب كان الأتفاق الإطارئ هو من فجر الحرب وبدعم معلوم من جزء من المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية وتياراتها وكتائبها ، و إشتعلت الحرب ، وتغير كل شئ علي الأرض علي النحو الذي عاشه ويُعايشه كُل السُودانيين الآن ، وتغيرت موازين القوي وتبدلت التحالفات السياسِية وداعمي الطرفين علي النحو الذي أوضحته في بداية المقال. ولأن وقف الحرب أصبح هو السبيل والمفتاح للمُحافظة علي البلد من خطر تهديد وجودها وإبادة شعبها ، وتشريده ، وأي مستقبل للسودان من المهم والضروري أن يمر عبر بوابة إيقافها. ولذلك يعتبر التعامل مع واقع ما أحدثته الحرب علي الأرض في طريقة حلها يرتبط بدرجة رئيسية في التعامل المباشر مع أطرافها ، والذين يُطلق عليهم أطراف الأزمة ، فلا يمكن أن نُقر أن الجيش والقرار داخله تُسيطر عليه الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني وفي ذات الوقت نقول لن أجلس مع الحركة الأسلامية وقيادة المؤتمر الوطني هذه التي تسيطر علي أحد أطراف الحرب وهو الجيش؟؟ ، إضافة للكتائب المُساندة للجيش في الحرب من تكوينات الإسلاميين وحركتها والمؤتمر الوطني! فالمنطق إذاً يقول بالذهاب المباشر للطرف السياسِي المُسيطر علي قرار الجيش وداعم لإستمرار الحرب منهم والتفاوض المباشر معه والدخول معه في حوار يُساهم في وقف الحرب لصالح البلد وشعبها. هذا بعيداً عن أي عمليّة سياسِية سُودانية ترسم مستقبل البلد وتحدد إجابات لإعادة تأسيسه وتوحيده علي أسس جديدة لايمكن حينها أقصاء أجزاء من كُل السُودانيين ، وأن نظرتنا للعملية السياسِية كما أشرنا مراراً وتكراراً أنها ليست لأجل قسّمة السلطة بمعني المشاركة فيها ، فبالتالي إذا أذعنت الحركة الإسلامية لمبادئ الحوار والقبول بمبدأ التداول السِلمي الديمُقراطي للسُلطة بعيداً عن العنف والحروب ودائرة الإنقلابات العسكرية ومن أجل مستقبل لبلاد موحدة ذات دستور ديمُقراطي يتراضي عليه ويقبله الجميع فما الضيّر عندها من وجودهم داخل الحوار؟؟ ، مع التأكيد أن مشاركتهم هذه ليست لإعفاء أياً من منسوبيهم من التقديم لمحاكمات مستقبلية إذا ما تمت ضده أي أجراءات قانونية لتحقيق العدالة جراء أي جُرم إرتكبوه خلال فترة حكمهم الطويلة. الخلاصة عندي أن الحديث عن رفض الحوار أو التفاوض مع المؤتمر الوطني هو تغافل عن الواقع الحالي إلا إذا أردنا إستمرار الحرب والصرّاع المُسلح والمواجهات الدموية ، و القبول بتقسيّم السُودان وتهديد وحدته وعندها نكون جميعاً قد شاركنا في هذا الجُرم الأكبر مع إطالة مُعاناة الشعب السُوداني ، و مع موته وإبادته وتشريده وضيّاع مُستقبل أجيال فيه وظلاميتها ، ولن يكون مفيداً القول حينها أن السبب هو المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية في كُل ذلك؟؟؟
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة