لم يعد الحديث هنا عن مجرد نقل مؤسسات الدولة إلى بورتسودان لأسباب ظرفية؛ فالحروب تفرض أحياناً قرارات استثنائية. المشكلة الحقيقية أن المدينة تحولت إلى ملجأ للسلطة بينما صار أهل الشرق هم الثمن المدفوع لهذا اللجوء، مواطنون بلا حماية، بلا تعويض، وبلا شراكة حقيقية في مصير مجهول .
لعنة البؤس تطارد انسان شرق السودان منذ 1956 وتلاحقت الآثار على حياة الناس واليوم يعاني آهالي الشرق من تضخم متسارع وإرتفاع أسعار السلع الأساسية، خدمات منهارة تحت وطأة ضغط غير مسبوق، وارتفاع تكاليف المعيشة الذي دفع أسرًا كاملة إلى حافة الفقر. أما خطاب السلطة الرسمي فظل يروّج لصمود الدولة بينما يغيب عنه الحديث عن صمود الإنسان، عن كرامة المواطن التي باتت تنهار يوماً بعد يوم.
المأساة على الأرض تمتد إلى أبسط ضروريات الحياة من ندرة المياه تحوّلت إلى معاناة يومية للإنسان والحيوان على حد سواء. مصادر مائية جفت أو تلوثت، والأسر تبحث عن قطرة ماء كما لو أنها رفاهية.
في المقابل، تمتد أيادي التطلع بالقوة لتغول على مناطق التعدين، بغطاءٍ أمنيٍ وغلبةٍ للسلاح، تاركة السكان المحليين في مواجهة نهب ثرواتهم وتلوث بيئتهم بلا جبر أو إنصاف.
ومع ضعف توفر فرص العمل وغياب أفق اقتصادي بديل، أصبح طريق الاعتماد على المخدرات والجريمة أكثر سهولة وانتشاراً ، ظاهرةٌ تزيد من هشاشة النسيج المجتمعي وتعمّق الخوف وعدم الاستقرار. ما كُتب تحت بند "الأمن" تم في كثير من الأحيان على حساب الحقوق: مطالبات المواطنين بالتضحية وحِمل تبعات الحرب تُروَّج، بينما تتقلّص مسؤولية السلطة تجاه حماية المواطنين وتأمين لقمة عيشهم وكرامتهم.
السلطة التي تفشل في حفظ كرامة أهلها وتخاطر بتحويل هذا المأوى إلى رمز أزمة ثقة ، ليست جديرة أن تبقى . السلطة فشلت في بناء شراكة حقيقية مع المجتمع المحلي، أو تعويض المتضررين طيلة تعاقب الحكومات السودانية، وتأمين خدمات أساسية، من مياه وصحة وتعليم وفرص اقتصادية بديلة. وكرست وقتها لنهب الثروات وإذلال المواطن.
إن غياب الدولة يقود إلى تفاقم المشكلات، ويزيد من احتمال تفجر غضبٍ محقٍ لدى أناس جُرحوا مرتين: مرة بالحرب ومرة بالإهمال.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة