لقد كان تاريخ فبراير من العام 2025م علامة فارقة في نظرتي كمثقف سوداني للصراع الدائر في دولة السودان الأم ، فقبل ذلك التاريخ ؛ كنت في كتاباتي الفكرية و السياسية في صف القوات المسلحة السودانية ، و السبب في ذلك هو : عدم وجود مشروع واضح المعالم ، و متفق عليه للجهات التي كانت تتخدنق في الصف الآخر بزعامة قوات الدعم السريع ، و لكن، حدث أن وقع الدعم السريع على ميثاق تحالف تأسيس في فبراير من العام 2052 ؛ و عندما إطلعت على تفاصيل ذلك الميثاق ، وجدته يستجيب لمعظم أو كل المطالب التي سعى لها و طالب بها الجهات و القطاعات المهمشة في دولة السودان الأم طوال العقود الماضية من الحكومات المركزية ، فوجدت الوثيقة صدى طيب في صدري و قلبي كإبن ينتمي إلى هذه الفئة المقهورة ( من منطقة أبيي) ، فقد نزحنا و نحن صغار من المنطقة تجاه ولاية الخرطوم بعد أن أحرقت مليشيات المراحيل التابعة لقبيلتي المسيرية و الرزيقات و المسنودة من الجيش السوداني كافة قرى منطقة أبيي في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، و كان نطاق عمل و نشاط هذه المليشيات يمتد على طول الشريط الحدودي الممتد من بحر الغزال غربا إلى جبال النوبة شرقا ، و أذاقت كل القبائل التي تقطن في هذا الشريط الحدودي كل صنوف المعاناة ، و كانت السبب المباشر في تمرد هذه القبائل و إنضمامها بكثافة في حركة الدكتور جون قرنق من أجل قضايا المناطق المهمشة في السودان .. و مراجعة التاريخ مهم جداً في عملية صياغة معادلات الحاضر و المستقبل السياسي لأي شعب ، و لم إستغرب أن يرفض الجيش السوداني وثيقة تأسيس ، لأنها تحرمهم من إمتيازاتهم التاريخية التي شيدوها في مجال الحكم و السياسة على مدى سبعة عقود ، تماماً كما ترفض عرقية التقراى في إثيوبيا حاليا النظام الذي أرساه آبي أحمد ، و الذي يقلل من تأثير العرقيات التي إعتادت على الحكم منفردة و لزمن مديد .. فالتغيير يأتي بما لا يشتهيه من تعودوا على الإمتيازات، هذا من جانب ، و من الجانب الآخر ، فإن السعي لإرساء القيم الجديدة المتفق عليها يقاوم من العناصر التي إعتادت على التعايش بفرح مع تغييبها في النظام السابق !!! و هذه هي معضلة حكومة تأسيس مع فئة التجار الذين ينحدرون من عرقية المسيرية في سوق أميت في منطقة أبيي!!! فهم إعتادوا على الإستفادة القصوى من ( اللا نظام أو الفوضى غير الخلاقة ) ... فهم لا يتحملون ( الإستقرار الأمني طويل المدى في السوق ) .. فلا بد ، بعد كل فترة من الهدوء في السوق ، من خلق زعزعة أمنية في السوق، حتى يجد البعض منهم ( الفرص للسلب و النهب و القتل ) .. فالأمر عندهم صار جزء من الغريزة ، و الطبيعة كما قيل جبل ، و الدليل على ما أقول ، أنهم و قبل ثلاثة أيام من أحداث سوق أميت الدامية ، كانوا قد بدأوا مسلسل نهب المواطنين من دينكا نقوك القادمين من سوق أميت إلى مدينة أبيي في الطريق الرابط بين المنطقتين ، وهو مسلسل يتكرر في كل مرة يفكرون فيها في خراب إستقرار السوق .. و من الناحية الإستراتيجية، فإن الضرر الكبير يقع على عاتق حكومة تأسيس؛ لأن السوق يمثل شريان مهم لها ، يدعم المدن الكبرى في كردفان و دارفور ، و بالتالي لا بد من الرد بصورة حازمة على هذه الخروقات ، و أفضل أنواع الرد التنظيمي من حكومة تأسيس هو القيام بالآتي : أولا :- إحلال و إستبدال فئة التجار في السوق من السودانيين بعناصر جديدة من بقية القبائل السودانية للحد من نفوذ تجار المسيرية في سوق أميت ... ثانيا:- تأمين الطريق من سوق أميت إلى بقية المدن السودانية الأخرى لأن رد الفعل من المسيرية من الحد من تأثيرهم في السوق سيكون بإستهداف القوافل التجارية القادمة من سوق أميت و التي ستمر عبر أراضيهم بعد الخروج من Box Lathi والذي يتبع لقبيلة دينكا نقوك ، هذه الإجراءات الإدارية ، و بالتعاون مع السلطات في مناطق دينكا نقوك ، يمكن أن تقضي بصورة جذرية على مسلسل الخراب المتكرر لسوق حساس و مهم للطرفين ، فالإجراءات الإدارية الحكيمة هي المطلوبة حالياً و بشدة للتغلب على الفوضى غير الخلاقة التي يشهرها بعض عناصر قبيلة المسيرية لوأد سيادة القيم الجديدة لحكومة تأسيس في مناطق الهامش. E- Mail : adeng2132@gmail.com
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة