يقف التعليم العالي أيقونة التنمية والنهوض اليوم على جرف هار، وتروي قصته المؤلمة أزمة لم تعد ملامحها تقتصر على "الإهمال" البيروقراطي المعتاد، لكن تجاوزته لتصبح عملية تجفيف ممنهج تشنها ميزانيات الأنيميا المالية التي تعاني منها الجامعات الحكومية. بالطبع هناك الحركات المسلحة تمتص من دم المواطن بحجة اتفاق جوبا المزعوم لا لصالح تنمية مناطق دارفور ولكن لصالح تضخيم ثروات قادتها ومنسوبيها. لقد غدت قاعات العلم أطلالا تعجز عن توفير أدنى مقومات البيئة الجامعية، ناهيك عن رعاية بحث علمي أو تدريب يواكب العصر. والمفارقة الصارخة تكمن في ذلك الانفصام الفكري الذي يحكم أولويات التخصصات؛ فبينما يلهث الخطاب الرسمي وراء برامج العلوم والتكنولوجيا بدافع "الضرورة التنموية" التي تتطلب معامل باهظة وتكاليف فلكية، تُدفع العلوم الاجتماعية والإنسانية إلى زوايا التهميش، رغم كفاءتها الاقتصادية ودورها الجوهري في صياغة الوجدان القومي.
وتكشف الدراسات الدولية الرصينة، كتقارير المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية (NBER)، عن زيف الادعاءات التي تحقر من شأن العلوم الإنسانية بذريعة "الجدوى". فبينما يكلف تخصص الهندسة للطالب الواحد في مرحلة البكالوريوس ما يربو على 80 ألف دولار من ميزانيات الدول، تستقر تكلفة خريج الآداب أو الاقتصاد في حدود نصف هذا المبلغ، لعدم حاجته لمختبرات مكلفة أو تجهيزات معقدة. إن الدولة التي تتذرع بفقر الموارد تضيع فرصة ذهبية لتوسيع قاعدة الوعي الشعبي بتكلفة زهيدة، غارقة في فهم قاصر يرى الإنسانيات "بضاعة غير منتجة"، متناسية أن النهضة الحقيقية هي توازن دقيق بين براعة الآلة ورقيّ الفكر، وبين التقدم التقني والتحصين الاجتماعي.
وفي الوقت الذي ينهار فيه صرح التعليم، تنصرف السلطة – بشقيها المدني والعسكري – إلى معارك جانبية بائسة، مكرسة جهدها لمطاردة أبطال المقاومة الشعبية الذين يتصدون لمليشيا الدعم السريع، بدلا من اجتثاث الخلايا السرطانية والخونة المغروسين في مفاصل الدولة والذين ينخرون في عصب مؤسساتها. وما يثير الحنق هو تسخير أدوات الدولة، من نيابات عامة وأجهزة تنفيذية في هرم سلطة "كامل إدريس"، لتكميم أفواه الصحفيين وترهيبهم، في انحراف كامل عن جادة الصواب وقد ملّ الصحفيون الاستمرار في دعم سلطة فاشلة ميئوس من صلاحها. فبدلا من ان توجّه الموارد نحو الإعمار والخدمات، نجد أن "إعمارهم" المزعوم لم يتجاوز عتبات مكاتب المسؤولين، التي استُحدثت فيها مظاهر البذخ والأثاث الفاخر، في استعراض أجوف للأبهة وسط ركام الوطن.
وسط هذا الركام، تبرز العلوم الإنسانية كضرورة حضارية لا ترفاً فكرياً. وكما جادلت مقالة جامعة "كيمبردج" الشهيرة بمفهوم "لا غنى عن العلوم الاجتماعية"، فإن محاولات إقصاء الآداب والفنون لصالح "سوق العمل" هي دعوات للعمى الأخلاقي. فالإنسانيات هي الحارس الأمين للقيم في تغول الزمن التكنولوجي، وهي المعنية برسم الحدود الأخلاقية للابتكار الذي تكتفي العلوم البحتة بتقديمه دون مساءلة وجودية. إنها "صانعة الهوية" بامتياز، والمختبر الذي نستلهم منه –بتعبير المؤرخ راينهارت كوزيليك أبرز مفكري القرن العشرين ومؤسس "تاريخ المفاهيم" – نصوصاً نفهم بها حاضرنا المتشظي ونستشرف عبرها غداً أفضل. فبدون مهارات التفكير النقدي والقراءة المتأنية التي تصقلها هذه العلوم، لن نحصل إلا على "تكنوقراط" بلا روح، عاجزين عن القيادة في ميادين السياسة والخدمة المدنية.
إن بناء أمة قادرة على الصمود يبدأ من استعادة هيبة العقل وإعادة الاعتبار للعلوم الإنسانية في هرم الأولويات. فالدولة التي تستثمر في "الأثاث المكتبي" وتطارد "الأقلام" بينما تترك جامعاتها تحتضر، هي دولة تفرط في مستقبلها. لقد آن الأوان لانتزاع الموارد من براثن "الأبهة الفارغة" وتوجيهها نحو بناء الإنسان، فهو الثروة الوحيدة التي لا تنضب في وجه العواصف.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة