سلسلة استكمالاً لا مصادمة استكمالاً لا مصادمة حين يتحول السلاح إلى مقعد: قراءة في مقال د. الوليد آدم مادبو عن مناوي وسوق الابتزاز السياسي رداً على مقال: «مناوي وسوق الابتزاز السياسي» للدكتور الوليد آدم مادبو
د. على عبدالله الخليفة طه
أولاً: في صواب التشخيص
يقدّم الدكتور الوليد آدم مادبو في مقاله قراءةً دقيقة لتحول موقع مني أركو مناوي من طرفٍ عسكري صاحب مشروع تمدد إلى فاعلٍ يوظّف بقاياه العسكرية والسياسية كأداة مساومة. وهو تشخيصٌ نتفق معه في جوهره: فحين ينكسر الميزان العسكري ولا يعود الفاعل المسلح قادراً على فرض إرادته بالقوة، فإن الخطاب يتحول من إعلان قدرة إلى محاولة لرفع كلفة تجاوزه سياسياً. هذه هي بالضبط آلية الابتزاز التي وصفها الكاتب: ليست قوة فعلية، بل تضخيم متعمد لصورة الخطر. غير أن قيمة هذا التشخيص لا تكتمل إلا بالإجابة عن السؤال الذي يطرحه الكاتب نفسه في ختام مقاله: كيف تُبنى دولة لا يستطيع فيها أحد أن يحوّل وجوده العسكري إلى حق دائم في السلطة؟ هنا يتوقف المقال عند حدود التشخيص السياسي، بينما تبدأ الحاجة إلى آلية مؤسسية قابلة للتطبيق.
ثانياً: الجدار المؤسسي كإجابة عن سؤال الابتزاز
يشير الكاتب إلى أن مناوي «يريد أن يحتفظ بالاتفاقية حين تمنحه شرعيةً وموقعاً، وأن يتعامل مع الحرب حين تعطل التزاماتها وكأنها عارضٌ مؤقت». هذه الازدواجية ليست سلوكاً فردياً بقدر ما هي نتاج غياب حدٍّ فاصل بين من يحمل السلاح ومن يمارس السلطة السياسية. فحين يكون الموقع العسكري والموقع السياسي وجهين لعملة واحدة، يصبح من الطبيعي أن يُستدعى النص القانوني حين ينفع، وأن يُتجاوز حين يُعطّل. الجدار المؤسسي، بوصفه أحد أركان ميثاق النجاة، يعالج هذه الثغرة بالتحديد: فصلٌ صارم بين الطبقة السياسية والطبقة التنفيذية-المدنية، بحيث لا يمنح الوجود العسكري صاحبه موقعاً تفاوضياً دائماً في هيكل الحكم. من دون هذا الجدار، سيظل كل فاعلٍ مسلح، أياً كان حجمه، يملك حافزاً بنيوياً لتحويل بندقيته إلى مقعد، تماماً كما وصف الكاتب.
ثالثاً: الشرعية الوظيفية الصاعدة وسؤال اتفاقية جوبا
يضع الكاتب إصبعه على مفارقة جوهرية: اتفاقية وُقّعت في سياق سياسي انهار، ثم يجري التمسك الحرفي بنصوصها لتبرير وضعٍ نشأ عنها، مع تجاهل أن الحرب قلبت ذلك السياق رأساً على عقب. وهذا بالضبط ما تعالجه فكرة الشرعية الوظيفية الصاعدة: أن الشرعية لا تُستمد من لحظة التوقيع التاريخية وحدها، بل من الأداء والتمثيل المستمرين. اتفاقٌ نُفّذ منه 5% فقط، بشهادة صاحبه نفسه، لا يمكن أن يظل مصدراً كافياً لشرعية سياسية غير مشروطة بمراجعة دورية. هذا لا يعني إسقاط جوبا أو التنكر لمضامينها العادلة في تمثيل المهمشين، بل إخضاعها، كغيرها من الترتيبات الانتقالية السابقة، لآلية تقييم صاعدة تربط الشرعية بالأداء الفعلي لا بالنص المجمّد.
رابعاً: العدالة الانتقالية الثلاثية وملف الفاشر
حين يشير الكاتب إلى انكسار «شوكة المشتركة في الفاشر» كعامل حاسم في تغيّر ميزان القوة، فإنه يلامس ملفاً لا ينبغي أن يُترك رهينة الحسابات السياسية اللحظية. فالفاشر ليست فقط نقطة تحول عسكري، بل ملف جرائم وانتهاكات يحتاج مساراً قضائياً وتعويضياً مستقلاً عن المساومة السياسية الجارية بين مراكز القوى. نظام العدالة الانتقالية الثلاثي في الميثاق -مجالس المصالحة المحلية، ولجنة الحقيقة والتعويضات، وغرفة الجرائم الكبرى دون عفو- يوفر بالضبط هذا الفصل: يمنع تحويل ملفات كبرى كالفاشر إلى أوراق تفاوض دائمة، ويضمن في الوقت نفسه ألا تتحول العدالة نفسها إلى أداة انتقام سياسي بيد طرفٍ منتصر مؤقتاً.
خامساً: اقتصاد البوابات وسؤال الاستدامة
يصف الكاتب في ختام مقاله كيف «يتحول السلاح إلى وسيلة للحصول على مقعد، والاتفاقية إلى وسيلة لحماية الامتياز». هذا الوصف الدقيق يقودنا مباشرة إلى الثغرة السادسة في بروتوكول التفعيل: اقتصاد البوابات، حيث يصبح الاقتصاد الموازي -بوابات العبور، وموارد المناطق المتنازع عليها، وشبكات التهريب والتمويل غير الرسمي- هو الوقود الفعلي الذي يحوّل الوجود العسكري إلى امتيازٍ قابل للاستمرار بمعزل عن أي تسوية سياسية. من دون تفكيك هذا الاقتصاد الموازي، فإن أي حل سياسي لملف مناوي أو غيره سيبقى معالجة للعرض السياسي دون المرض الاقتصادي الذي يغذيه. والمهرج -كما وصفه الكاتب ببراعة- لا يحتاج إلى جيش قوي ما دام يملك بوابة يتحكم فيها.
خاتمة: من التشخيص إلى الآلية
يصيب الدكتور مادبو حين يقول إن السؤال الصحيح ليس «متى يجتاح مناوي الشمالية» بل «متى تدرك السلطة أن تهديداته لا تستند إلى قوة حقيقية». لكن الإجابة عن هذا السؤال الثاني تحتاج إلى ما هو أبعد من إدراك السلطة اللحظي: تحتاج إلى بنية مؤسسية تجعل هذا النوع من الابتزاز مستحيلاً هيكلياً، لا مجرد مكشوفٍ استراتيجياً في لحظة بعينها. فحين يقوم الجدار المؤسسي، وتُخضع الشرعيات القديمة لتقييمٍ وظيفي صاعد، وتُفصل ملفات العدالة عن المساومة السياسية، ويُفكَّك اقتصاد البوابات الذي يغذي كل هذا -عندها فقط، كما يقول الكاتب في ختام مقاله، يصبح السؤال «من يخرج ومن يبقى؟» سؤالاً إدارياً وقانونياً لا مقدمة لحرب جديدة. وهذا بالضبط هو الأفق الذي يسعى ميثاق النجاة وبناء الدولة إلى ترسيخه.
ميثاق النجاة وبناء الدولة. سلسلة استكمالاً لا مصادمة
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة