سقوط صكوك الوطنية: عن العدالة الناقصة والسلاح المُشهر في وجه السياسة وحل حقيقي للأزمة السودانية كخطوه اولى يحيى أبنعوف يقف السودان اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ لا بسبب وطأة الحرب وشراستها فحسب، بل نتيجة حالةٍ متقدمة من التزييف الفكري والمفاهيمي التي تسعى لشرعنة "قانون الغاب" بدلاً من سيادة دولة المؤسسات. وسط هذا الركام، تتصاعد تساؤلات ملحة تشكك في الشرعية وتضع النقاط على الحروف: ما هي الوطنية؟ من يملك حق العفو؟ وما هي الوظيفة الحقيقية للمؤسسة العسكرية؟ أولاً: الوطنية بين المفهوم الأصيل والتأويل السلطوي الوطنية ليست صكّ ملكية يُوزع بحسب الولاءات، ولا هي شعارٌ يُمنح بقرارات سياسية فوقية. إنها في جوهرها العقد الاجتماعي الأسمى الذي يربط المواطن بأرضه ومجتمعه، وقوامها صون الأرواح، وحماية الممتلكات، وتجسيد الكرامة الإنسانية. حين يتحدث القائد العام للقوات المسلحة عبد الفتاح البرهان عن "الوطنية"، يجب التذكير بأنه لا أحد يملك الحق في إعادة تعريف هذا المفهوم لخدمة تحالفات سياسية أو عسكرية. فالوطني ليس من يحمل السلاح ويخوض الحروب على حساب دماء الشعب، بل من يصون الدولة ومؤسساتها. إن إقحام مصطلح "الوطنيين" لوصف أطراف كانت سبباً مباشراً في إشعال الحرب أو تغذيتها هو تشويه صريح للمفهوم، ومساواة ظالمة بين الجاني والضحية. ثانياً: دولة القانون أم شريعة الغاب؟ تُبنى العدالة في جميع الأعراف القومية والدولية على مبدأ شخصية العقوبة وعمومية القانون: القانون يحاسب من ارتكب الجرم، ولا يمس البريء. وهنا يبرز السؤال الجوهري حول العفو والمساءلة: حق العفو ملك للضحايا: إن العفو عن الجرائم العامة والخاصة ليس حقاً شخصياً لرئيس أو قائد عسكري. فالجرائم التي ارتكبت ضد الشعب السوداني — من قتل، ونهب للممتلكات، وتشريد للملايين — هي جرائم بحق الوطن والمجتمع، لا يسقطها إلا القضاء المستقل والعدالة الانتقالية الشاملة التي يرتضيها الضحايا. ازدواجية المعايير: عندما تُمنح الحصانات ويُصار إلى "عفو عام" يُبرئ من حمل السلاح وسفك الدماء، بينما يُلاحق السياسي والمفكر وصاحب القلم لمجرد التعبير عن الرأي، فنحن لسنا أمام قانون يُقتدى به، بل أمام شريعة الغاب التي تُحدد الجريمة وفق موقف السلطة لا حجم التعدي. ثالثاً: وهم الحوار مع الذات في العلوم السياسية وأبجديات إدارة الصراعات، لا يُجرى الحوار مع الحلفاء والشركاء، بل يُعقد أساساً مع المخالف والمناوئ. إن حصر الدعوة للحوار في القوى المؤيدة والمتحالفة مع قيادة الجيش يعني أن القائد العام يحاور خياراته وسياساته الخاصة، مما يحول العملية إلى مسرحية لتعديل توزيع الأدوار وتسويق الشرعية. الحوار الحقيقي يتطلب الجلوس المباشر مع القوى السياسية والمدنية المناهضة لتدخل القوات المسلحة في الحكم، والاستماع إلى الشروط الوطنية لبناء دولة مدنية حديثة. رابعاً: الوظيفة الدستورية للمؤسسة العسكرية (الثكنات vs السياسة) تُمثل محاولة إدارة الدولة عبر القوة العسكرية خللاً هيكلياً يُعطل مفهوم الدولة الوطنية. فكما لا يجوز لوزارة الصحة أو الزراعة أو الثروة الحيوانية أن تدّعي أحقيتها بإدارة الدولة وتسيير شؤونها السياسية لمجرد أنها جزء من هيكل الدولة، كذلك لا يجوز للمؤسسة العسكرية احتكار السلطة والقرار السياسي. السلاح في الحدود لا في المدن: إن مكان القوات المسلحة وكافة الحركات هو ثغور الوطن ومعسكرات الحدود لحماية السيادة الوطنية، وليس داخل المدن والأحياء السكنية ومراكز القرار السياسي. القانون الموحد: يجب إنهاء حالة التعدد العسكري عبر دمج وتبعية جميع التشكيلات تحت مظلة قانون القوات المسلحة السودانية مع تجريدها كلياً من الممارسة السياسية. خامساً: إنهاء الهيمنة الأيديولوجية وإعادة التأسيس إن إعادة إقحام التيار الإسلامي في مفاصل السلطة ومؤسسات الدولة السابقة تمثل الركيزة الأساسية للانهيار المؤسسي والحرب الحالية. إن استقرار السودان وتأسيس دولة العدالة يتطلب تفكيك تمكين التيارات الأيديولوجية، وإبعاد الإسلاميين كلياً عن القوات المسلحة ومؤسسات الخدمة المدنية، لضمان وقوف الدولة على مسافة واحدة من جميع أبنائها. إن البحث عن حل حقيقي للأزمة السودانية كخطوه اولى لا يبدأ بتبادل الحصانات ولا بالحوارات الصورية. الحل يبدأ من إعادة الاعتبار للعدالة وسيادة القانون. يجب أن يفهم الجميع أن "الوطنية" ليست ملجأً يختبئ فيه من أشعلوا الحرب، وأن القوات المسلحة هي حارس الحدود وليست صانعة السياسة. إن بناء السودان المعافى يمر حتماً عبر: جيش مهني واحد يخرج من السياسة والمدن، وحكومة مدنية تمثل إرادة الشعب، وعدالة لا تسقط بالتقادم.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة