استمعت إلى تسجيل صوتي لعبد الرحمن عمسيب، حاول فيه تقسيم القبائل العربية في غرب السودان وتصنيفها وفق رؤية عنصرية وجهوية ضيقة لا علاقة لها بـ إدراك الواقع المعيش للسودان اليوم. ومثل هذه الخطابات البائسة لم تعد تجد مكاناً في وجدان جماهير الشعب السوداني، بعد أن تشكَّل وعي ثوري جديد تجاوز الانقسامات القبلية والإثنية، وأعاد تعريف الصراع في السودان باعتباره صراعاً بين قوى الحرية والتغيير من جهة، وقوى الاستبداد والفساد والتبعية من جهة أخرى. لقد آن الأوان أن ندرك أن من يحاول تقسيم السودانيين على أساس العرق أو الجهة، إنما يخدم أعداء التغيير، ويديم سيطرة القلة الفاسدة على حساب مصلحة الوطن بأسره. فالفرقة ليست مرضاً أصابنا، بل هي سلاح يُستخدم ضدنا، والوعي الثوري هو سياجنا المنيع في وجهه. إن الانقلابات العسكرية والحروب لا تخدم المصلحة الوطنية العليا، بل هي أداة لخدمة العملاء والمرتهنين، وتُستخدم لتغييب إرادة الشعب ونهب موارده تحت شعارات زائفة. ولنذكّر جميعاً: لقد جاء انقلاب مجرم الحرب برهان، وكانت دوافعه الحقيقية هي نفس هذه السموم والأحقاد التي تصر على السير في الطريق الخاطئ المناقض لإرادة الشعب. إن ما يلفت الانتباه في خطاب عبد الرحمن عمسيب ليس ما تضمنه من أحقاد وسموم، وإنما ما يكشفه من جهل وعجز عن فهم التحولات العميقة التي شهدها السودان خلال العقود الأخيرة. فهو ما يزال ينظر إلى المجتمع السوداني بعين الماضي، ويحاول قراءة الواقع بأدوات تجاوزها الزمن. ولذلك لم يجد أمامه سوى الخطاب العنصري والجهوي وسيلة للتعامل مع وعي جديد أخذ يتشكل بين أبناء وبنات السودان. وهذا في حد ذاته يكشف أزمة فكرية لدى دعاة الفرقة، أكثر مما يكشف حقيقة عن المجتمعات التي يحاولون التحريض ضدها. أما الهدف الحقيقي من هذه الخطابات فليس الدفاع عن قضية وطنية أو تقديم قراءة موضوعية للأحداث، وإنما محاولة تفكيك بنية الوعي الثوري الجديد الذي تشكَّل وسط جماهير الهامش والمركز على السواء. إنه وعي يقوم على إدراك أن الأزمة السودانية ليست أزمة قبائل أو أعراق، بل أزمة دولة احتكرت السلطة والثروة القلة الفاسدة، وأدارت البلاد بعقلية الإقصاء والتهميش لعقود طويلة. ولذلك يسعى دعاة العنصرية إلى إعادة الناس إلى مربعات الصراع القبلي والجهوي، لأنهم يدركون أن وحدة السودانيين تمثل أكبر تهديد للمشاريع التي تعيش على الانقسام والفتنة.
ألعب غيرها يا عبد الرحمن عمسيب. فقد انتهى الزمن الذي كانت تنجح فيه مثل هذه الخطابات في تشتيت جماهير الشعب السوداني وإثارة العداوات بين مكوناته. واليوم لم تعد القبائل العربية في غرب السودان تنظر إلى نفسها من خلال التصنيفات التي يحاول البعض فرضها عليها، وإنما أصبحت جزءاً من حركة سياسية واجتماعية أوسع تناضل مع بقية السودانيين من أجل الحرية والكرامة والعدالة. لقد أثبتت القبائل العربية في دارفور وكردفان عبر تاريخها الطويل أنها ليست جزءاً من معسكر الخضوع والاستكانة. ففي القرن التاسع عشر شاركت إلى جانب غيرها من مكونات الشعب السوداني في حركات التحرر ومقاومة الهيمنة الخارجية. وكانت حاضرة في كل مراحل النضال الوطني التي سعت إلى الدفاع عن الكرامة والاستقلال وحق السودانيين في تقرير مصيرهم. واليوم تتواصل هذه الروح الثورية بصورة جديدة. فقطاعات واسعة من القبائل العربية في غرب السودان تقف إلى جانب بقية الثائرين والثائرات من أبناء وبنات السودان في مواجهة الظلم والاستبداد والفساد والتهميش. وهي تدرك أن الأزمة السودانية لا يمكن حلها بالعودة إلى العصبيات القديمة، وإنما ببناء مشروع وطني جديد يقوم على الحرية والمساواة والمواطنة. إن الذين يروجون للعنصرية والجهوية يكشفون عن جهلهم بطبيعة التحولات الجارية في السودان. فهم ما زالوا أسرى لمفاهيم قديمة تجاوزها إدراك الواقع وتجاوزته وعي جماهير الشعب السوداني. ولم يدركوا بعد أن أبناء الهامش من عرب وغير عرب أصبحوا أكثر وعياً بوحدة مصالحهم، وأكثر إدراكاً لحقيقة الصراع السياسي والاجتماعي في البلاد. لقد انتهى عهد الانقسام والشتات. وتشكَّل اليوم وعي ثوري جديد أساسه الوحدة وهدفه التحرر؛ وعي يجمع عرب السودان وغير العرب، والرعاة والمزارعين، وأبناء الريف والمدن، حول قضية مشتركة تتمثل في بناء وطن يتسع للجميع دون تمييز أو إقصاء. هذا الوعي الجديد يدرك أن السودان لن يتحول من دولة مأزومة وفاشلة إلى دولة معافاة وناجحة بالأمنيات والشعارات وحدها، وإنما بالنضال الثوري الواعي المبني على فهم جذور الأزمة الوطنية ومعالجة أسبابها السياسية والاقتصادية والاجتماعية. كما يدرك أن معركة التغيير ليست معركة قبائل أو جهات، وإنما معركة شعب يسعى إلى بناء دولة حديثة تقوم على أسس جديدة. إن الهدف الذي تتوحد حوله القوى الثورية اليوم هو بناء دولة مدنية ديمقراطية فيدرالية علمانية، تقوم على المواطنة المتساوية وسيادة القانون واحترام التنوع والتداول السلمي للسلطة والتوزيع العادل للثروة بين أقاليم السودان المختلفة. دولة تنهي عهود التهميش والاستبداد وتفتح الطريق أمام التنمية والاستقرار والنهضة الوطنية. ولذلك فإن كل محاولات بث سموم العنصرية والكراهية لن توقف حركة التاريخ، ولن تنجح في تفكيك الوعي الثوري المتشكل بين جماهير الشعب السوداني. فالوحدة التي نشأت من رحم المعاناة المشتركة أصبحت أقوى من دعاة الفرقة، والوعي الذي تأسس على إدراك الواقع أصبح أعمق من كل الخطابات التي تحاول إعادتنا إلى صراعات الماضي. إن المعركة الحقيقية اليوم ليست بين القبائل ولا بين الأعراق، وإنما بين مشروعين متناقضين: مشروع القلة الفاسدة الذي يريد الإبقاء على السودان أسيراً للأزمات والانقسامات والتبعية، ومشروع الشعب الذي يسعى إلى بناء دولة الحرية والعدالة والديمقراطية والتنمية المتوازنة. وهذا هو المشروع الذي يلتف حوله اليوم الأحرار والشرفاء من مختلف مكونات الشعب السوداني. ولهذا نقول لعبد الرحمن عمسيب ولكل من يردد خطابات العنصرية والجهوية: ألعبوا غيرها. فالسودان الجديد الذي يتشكل اليوم أكبر من أوهامكم، وأوسع من تصنيفاتكم الضيقة، وأقوى من كل محاولاتكم لإعادة إنتاج الفرقة والانقسام. لقد تشكَّل وعي جديد أساسه الوحدة وهدفه التحرر، وسوف يمضي حتى يحقق تطلعات جماهير الشعب السوداني في الحرية والعدالة والسلام والديمقراطية.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة