عندما تتبرج الحروف، وتنحرف الكلمة، وتتعرى اللغة، ينكشف ما وراءها من خداع وزيف. خطاب "البلبوس الأعظم"، عبد الفتاح البرهان الأخير الذي كشف فيه الدور الاستخباراتي لبعض الأطباء من مشافي منطقة جنوب الخرطوم، تلك التصريحات التي تخلط بين دور الطبيب ومهام الاستخبارات لا تُعد زلة لسان عابرة، بل تعبيراً خطيراً عن اختلال عميق في فهم الحدود الفاصلة بين الأخلاقي والوظيفي، بين ما هو إنساني وما هو أداتي.
وإذا كان التاريخ قد سجّل في عهد أدولف هتلر كيف انزلق بعض الأطباء، تحت ضغط الأيديولوجيا والسلطة، إلى أدوار تناقض جوهر مهنتهم كما حدث في برنامج أكتيون تي4 وما تلاه من ممارسات غير أخلاقية أدانتها محاكمات نورمبرغ، فإن خطورة التصريحات المشار إليها لا تكمن في تشابه الوقائع، بل في تشابه المنطق الذي يُمهّد للانحراف ذاته وهنا تكمن الكارثة.
فحين يُطلب من الطبيب أن يكون “عيناً” وناقلاً للمعلومات العسكرية، يُسحب منه حياده تدريجياً، وتُزرع في المهنة بذرة الاشتباه والشك والريبة. هذا المنطق، مهما بدا محدوداً أو مبرراً بسياق الحرب، يفتح الباب أمام تآكل الثقة وتحويل المستشفى من مساحة حماية إلى خنادق حرب وصراع. وبين ذلك المثال التاريخي المتطرف وهذه الدعوات المعاصرة، يظل الدرس واحداً: كلما اقترب الطبيب من وظيفة لا علاقة لها بمجاله، ابتعد عن إنسانيته، وكلما تسيّس الطب، تراجع الأمان الذي يفترض أن يمنحه للإنسان في أضعف حالاته.
الطبيب، في جوهر رسالته، ليس مجرد صاحب مهنة، بل حامل عهد أخلاقي قديم، يتجاوز الانتماءات الضيقة والاصطفافات المتغيرة. منذ قسم أبقراط الذي يردده، يلتزم بأن تكون حياة الإنسان غايته العليا، وأن يُقدَّم العلاج بلا تمييز، في السلم كما في الحرب، للعدو قبل الصديق، وللغريب قبل القريب. هذه ليست مثالية حالمة، بل قاعدة راسخة في الضمير الطبي العالمي، وركيزة من ركائز القانون الإنساني.
في الحروب، حين تتداعى القيم وتضيق مساحات الرحمة، يظل الطبيب أحد آخر الحصون التي تقاوم الانهيار الكامل للرحمة والإنسانية. وجوده في المستشفى، تحت القصف أو بين الجرحى، ليس امتداداً لجبهة القتال، بل نقيض لها. إنه إعلان صامت بأن الإنسانية لا تُهزم بالكامل، حتى في أكثر اللحظات قسوة وظلمة. ولذلك، فإن تحويل الطبيب إلى “عين” أو “مصدر معلومات” لا يسيء إلى فرد بعينه، بل ينسف فكرة الحياد الطبي من أساسها، ويحوّل المستشفى من ملاذ آمن إلى ساحة مشبوهة ومزرعة موت خصبة تنتج توابيتاً ومقابراً بدلاً من صنع الحياة والمحافظة عليها.
الأخطر من ذلك، أن هذا الطرح يزرع الشك في قلوب المرضى والمصابين: كيف يمكن لمصاب أن يبوح بألمه أو يثق بمن يعالجه، إذا كان يخشى أن يتحول سرّه الطبي إلى معلومة عسكرية؟ وكيف يمكن للطبيب أن يؤدي عمله بضمير حر، إذا طُلب منه أن يقسم ولاءه بين حياة مريض وهدف عسكري؟ هنا لا يعود الحديث عن خطأ فردي، بل عن تهديد مباشر لعلاقة الثقة التي يقوم عليها الطب كله.
إن تسييس المهنة الطبية بهذا الشكل لا يضر فقط بمن يُستهدفون بالمعلومات، بل يضع الأطباء أنفسهم في دائرة الخطر، ويجعلهم أهدافاً مشروعة في نظر الطرف الآخر. وعندها، لا نخسر فقط حياد الطبيب، بل نخسر أيضاً الحماية التي يفترض أن يتمتع بها، ونفتح الباب أمام فوضى أخلاقية لا يمكن احتواؤها بسهولة.
اللغة السياسية الحادة مطلوبة هنا، لا من باب المبالغة، بل من باب الوضوح: لا يمكن القبول بأي خطاب يُشرعن تحويل الطبيب إلى أداة في الصراع. فإما أن يبقى الطبيب طبيباً، منحازاً للحياة فقط، أو نفقد أحد أهم المعاني التي تميز الإنسان في لحظات ضعفه.
ليست القضية في توصيف التصريح، أكان غفلة ذهنية عابرة أم انزلاقاً لغوياً فجاً، بل في خطورته وما يعكسه من تصور. فحين يُختزل الطبيب إلى “مخبر”، تُختزل الإنسانية نفسها إلى وظيفة. وحينها، لا يعود السؤال: ماذا قال؟ بل: إلى أين يمكن أن يقودنا هذا المنطق إن تُرك بلا مواجهة؟ Sent from Outlook for iOS
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة