خطبة من عقر الوهم: عندما يُحيي البرهان أمجاد الموت ..!!؟؟ د. عثمان الوجيه جلستُ أتابع عبر الشاشة ذلك الفصل الجديد من المسرحية الهزلية التي تُعرض فصولها الدامية على أشلاء السودان منذ ذلك التاريخ المشؤوم في الخامس عشر من أبريل 2023، ها هو الفريق عبد الفتاح البرهان يعتلي منبر المسجد العتيق في مدينة المناقل بولاية الجزيرة، متردياً ثوب الخطابة الحماسية، ليتحول فجأة إلى فيلسوف في المقاومة وصانع للمعجزات الوهمية، وكالعادة، أبدع سيادته في لعب لعبة العصا والجزرة بمهارة بهلوان لا يتقن سوى السير على حبل متهالك، مستعيراً بحذافيرها لغة نظام "الإنقاذ" البائد؛ تلك الأسطوانة المشروخة التي تقتات على الشعارات الخاوية لتغذية رغبة الفلول المحترقة في استمرار رحلة الخراب والدمار عسى أن يعودوا إلى كراسي الحكم ولو على جماجم السودانيين، استهل الرجل خطبته المعهودة بتحذيرنا من عقوبات قادمة لا محالة، وكأننا لم نعد نتجرع مرارة العزلة والفقر والجوع كل ثانية! قال بكل برود وثقة إن "معركة أعداء السودان مستمرة ولن تنتهي"، وكأنه يعلن صراحةً أن استمرار الحرب هو بوليصة التأمين الوحيدة لبقائه في المشهد، لم ينس بالطبع أن يُطرب أسماع حاشيته بنغمة التمرد التي لا تنتهي إلا بنهايته المزعومة، وكأن الشعب الذي شردته آلة الحرب ومزقته المدافع وجد في خطاباته رغيف خبز أو مأوى آمناً من زحف الموت، يتحفنا البرهان بمثل هذه المعلقات وهو يعلم تماماً أن البلاد تقف على حافة الهاوية، وأن ما تبقى من أخضرها ويابسها قد التهمته نيران طيشهم العسكري والسياسي، ثم انبرى يوزع صكوك البطولات من المناقل، مشيداً بالأهالي الذين ذاقوا الأمرين تحت نيران الميليشيات، وكأن الصمود يُصنع بالخطب الارتجالية لا بتوفير الأمن وحماية الأرواح، ولم تكتمل فصول هذه الكوميديا السوداء إلا بمشهد تبريكات مشايخ الطرق الصوفية، أولئك الذين أصروا على تقديم صك طاعة عمياء للدولة المتهالكة، ليباركوا "عودة المؤسسات إلى الخرطوم" كدليل واهي على عودة الحياة، بينما العاصمة نفسها تقبع في سرادق الأطلال والخراب، يمنّون أنفسهم بسلام مطعون في ظهرة، وهم الذين يرفضون أي تسوية حقيقية تنهي كابوس الموت المجاني، مكتفين بترديد معزوفة الكرامة المزعومة لإرضاء الحرس القديم من بقايا النظام السابق، يراوغون يميناً ويساراً، يناورون فوق حبال الوهم، بينما السودان يحترق حتى أسفله، وهم لا يرف لهم جفن طالما أن بقاءهم مرتبط ببقاء الدخان المنتشر في سماء الوطن.. هنا تحضرني طرفة فليسمح لي القارئ الحصيف بأن أوجزها في هذه المساحة وبهذه العجالة وهي:- كنت أطالع هاتفي بالأمس، أتنقل بين منصات التواصل الاجتماعي لأهرب قليلاً من واقع الحرب الساحق، فإذا بي أفرك عينيّ غير مصدق! أهذا وجهٌ غريبٌ عليّ؟ كلا والله، إنه "نافع علي نافع" بعظمته وسلطانه السالف، يطل علينا من جديد! القيادي البارز في نظام الإنقاذ البائد يخرج ليتحفنا بتصريحٍ أقل ما يُقال عنه إنه نكتة الموسم، إذ يقول بملء فيه: "إن أي حوار سلام بدون وجود جميع الأطياف السياسية في البلاد يعتبر فاشلاً!"، تأملت الحديث ملياً، وضحكت حتى بكت عيناي ساخرةً من هذا الزمن العجيب، أيتحدث عن "جميع الأطياف السياسية" وهو الذي جاء ونظامه إلى السلطة على ظهر دبابة في الثلاثين من يونيو 1989؟ أيتشدق بالحوار والشمول من أذاق الشعب الثلاثين شعباناً من القمع والتمكين والإقصاء؟ يبدو أن الرجل نسي أن الشعب السوداني البطل لفظه ولفظ أركان نظامه في ثورة شعبية عارمة وثقها أحرار العالم أجمع بأحرف من نور، عادت بي الذاكرة إلى الحادي عشر من أبريل 2019؛ ذلك اليوم المشهود الذي تداعت فيه أركان عرشهم، أتذكر كيف فاض الكيل بالناس بعد ثلاثة عقود من الحكم الفردي المطلق، والسياسات الاقتصادية المتردية التي أحرقت الأخضر واليابس، اندلعت شرارة الاحتجاجات في ديسمبر 2018 متأثرة بتفاقم الغلاء وارتفاع أسعار الخبز والوقود وانعدام السيولة، حتى بلغت الذروة باعتصام حاشد وأسطوري أمام مقر القيادة العامة للجيش في الخرطوم في السادس من أبريل 2019، هناك، وتحت إصرار الجماهير، لم يجد الجيش بديمة إلا الإطاحة برأس النظام عمر البشير، ليعلن وزير الدفاع آنذاك عوض بن عوف العزل والتحفظ عليه، قبل أن يتنحى هو الآخر سريعاً ويخلفه عبد الفتاح البرهان، ودارت الأيام ليجد البشير نفسه قابضاً على جمر المحاكمة في سجن كوبر، يواجه تهم الانقلاب على الدستور والفساد وقتل المتظاهرين السلميين، والآن، ونحن نكتوي بنار حرب ضروس اندلعت في الخامس عشر من أبريل 2023 بين الجيش السوداني ومليشيا الدعم السريع المتمردة -حربٌ قضت على الأخضر واليابس، وقتلت الآلاف، وشردت الملايين داخل البلاد وخارجها- يطل علينا فلول ذلك النظام البائد بوقاحة لا مثيل لها، رغم كل الدعوات الإقليمية والدولية لإجراء مفاوضات تُنهي هذه المأساة وتنقذ ما تبقى من أرواحنا وممتلكاتنا، يصر قادة نظام الإنقاذ —الذين ما زالوا يفرضون هيمنتهم ونفوذهم على قيادة الجيش— على استمرار هذه المحرقة، يريدون للقتال أن يستمر، وللدماء أن تسيل، لعلهم يجدون في ركام الوطن وثناياه فرصة للعودة إلى المقاعد التي طُردوا منها بدموع الشهداء ونضال الشرفاء، يطلون علينا اليوم بثوب الحريصين على الشمول والسلام، وكأن الذاكرة السودانية أُصيبت بالعمى، أو كأننا نسينا من أورد البلاد هذه الموارد! They appear before us today in the guise of those eager for inclusivity and peace, as if Sudanese memory has been struck blind, or as if we have forgotten who brought the country to this state وعلى قول جدتي:- "دقي يا مزيكا!!". خروج:- "أمواج مالقة والعدو الخفي: حين يستيقظ الذعر الجرثومي ..!!؟؟" لم تكن العاصفة الهوجاء التي أفرغت حمولتها المطرية بغزارة على السواحل الجنوبية لإسبانيا مجرد شتاء عابر يمر على مقاطعة مالقة الأندلسية، بل كانت الشرارة التي فجّرت كابوساً بيئياً وصحياً يُعيد للأذهان ذعراً عالمياً لم تندمل جراحه بعد، فبينما يجهد العالم لتجاوز ظلال جائحة كوفيد-19، ويبذل قصارى جهده لنسيان أيام الحجر والعزل والخشية من الهواء المتنفس، عادت الأشباح المجهرية لتلقي بظلالها الثقيلة على القارة العجوز؛ حيث أعلنت السلطات رفع الراية الحمراء وحظرت السباحة في ستة من أبهى شواطئ المدينة السياحية، لا لشدة الموج واضطرابه، بل لتسلل كائن مجهريٍّ لا يُرى بالعين المجردة: بكتيريا "إي كولاي" الشرسة، في ذروة موسم الصيف، حيث كانت الشواطئ تعج بالزوار الباحثين عن الطمأنينة، جاءت التحاليل المخبرية لشركة المياه البلدية "إيماسا" كالصاعقة؛ قفزة حادة في التلوث البكتيري تجاوزت المعايير الأوروبية الصارمة، تلك البكتيريا التي تسكن في أصلها مسالمةً أمعاء الكائنات حية، تحوّرت سلالاتها لـ "الشيغا" القاتلة، لتبدأ معركة جديدة مع جهاز الإنسان الهضمي، وبسبب غزارة السيول، اختلطت مياه الأمطار بالمياه العادمة وتدفقت نحو شواطئ "غوادالمار" و"لا ميسيريكورديا" و"سان أندريس" و"إل بالو"، لتحيل مياه البحر النقية إلى مصيدة جرثومية تترصد بكل من يبتلع قطرة منها، أو يتناول غذاءً لوّثته المياه، أو يصافح كفاً لم تمسسها طهارة الغسل، تنوعت المظاهر السريرية كمرآة مخيفة لألم جسدي يعانيه المصابون؛ نزلات معوية حادة تبدأ بتقلصات تمزق الأحشاء، وإسهال مائي يسرق الحياة من الجسد قبل أن يتحول إلى نزيف دموي حاد، وصولاً إلى التهابات المسالك البولية، أو الكابوس الأكبر المتمثل في "متلازمة انحلال الدم اليوريمي" التي تهدد الأطفال وكبار السن بالفشل الكلي المفاجئ، وما يعمق هذا الرعب في النفوس، هو ذاكرة البشرية المثقلة بأهوال الجائحة السابقة؛ فقد أدرك العالم أن الميكروبات لا تعترف بالحدود السياسية ولا بالخرائط، إن الخوف الممتد من سواحل مالقة اليوم ليس مجرد قلق محلي، بل هو ذعر عالمي من تسلل البكتيريا عبر المسافرين والحوامل الصامتين للمرض، أو عبر الشحنات الغذائية والتجارة الدولية، ناهيك عن التيارات البحرية التي تدفع بالتلوث إلى سواحل مجاورة، لقد وقفت البنية التحتية أمام اختبار المناخ القاسي، ويبقى الالتزام بالتحذيرات وإغلاق الشواطئ خط الدفاع الأول في وجه عدو خفي يستنهض في ذاكرة العالم آلاماً لم تُنسَ بعد. #أوقفوا_الحرب ولن أزيد،، والسلام ختام.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة