إن المأساة السودانية الراهنة ليست نتاج صدفة عسكرية، ولا لحظة انفلات أمني عابر، بل هي خلاصة تفاعل طويل بين **غرور السلطة وضعف البصيرة الوطنية**، وبين نزعة الانفراد بالقرار وانعدام الوعي بمفهوم الدولة الحديثة التي تقوم على المؤسسات لا على الأشخاص. تجربة الفريق أول عبد الفتاح البرهان تمثل إحدى أكثر صور هذا الفشل جلاءً، فهي تكشف كيف يتحول الطموح الشخصي حين يغيب الضابط الأخلاقي والسياسي، إلى مشروعٍ مدمرٍ يلتهم الوطن نفسه، بل ويشرعن الخراب باسم “الإنقاذ الوطني” و“حماية السيادة”.
لقد جسّد البرهان النموذج الأوضح لما يمكن تسميته بـ“عبادة الكرسي”، حيث تتوارى المبادئ، وتُختزل الدولة في مشاعر الزعيم وأوهامه. إن خطأ البرهان لم يكن في قراءة المشهد العسكري فحسب، بل في **انعدام وعيه السياسي بالتحولات الجذرية** التي مرّ بها السودان بعد ثورة ديسمبر، إذ تصرّف كقائد انقلاب تقليدي في زمنٍ فقد فيه الاستبداد مبرراته، وتعامل مع المدنيين لا كشركاء في بناء الوطن، بل كمنافسين على مقعد لم يكن له منذ البداية. هذا الإصرار على التملك المطلق للسلطة هو الذي فتح الباب واسعاً أمام تمدد الميليشيا، ليس بقوة سلاحها فقط، بل بشرعيةٍ منحها إياها قائد الجيش نفسه.
ففي حين كانت الجماهير السودانية تناضل من أجل تأسيس جمهورية مدنية تضع حداً لعقود من عسكرة الدولة، كان البرهان يعيد، بعنادٍ مدهش، إنتاج نفس المعادلة القديمة التي سقط بسببها نظام البشير: تحالف بين الجنرال والميليشيا مقابل البقاء في الحكم. وهكذا، وللمرة الثانية خلال أقل من عقد، جرى **تسليم القرار الوطني إلى منطق السلاح** بدل منطق الدولة. الفرق فقط أن البرهان لم يتعلم من سلفه، بل تجاوزه في سقف المخاطرة، إلى الحد الذي جعل حدود السودان نفسها رهينة لولاءات قبلية واقتصاد موازٍ قائم على الذهب والسلاح.
اليوم، حين يتحدث البرهان عن “نصرٍ عسكري” بعد أن استعادت القوات النظامية بعض المدن، فإنه يتجاهل أن **النصر لا يُقاس بما يُستعاد من جغرافيا، بل بما يُستعاد من قيم الدولة**. وما دامت دارفور وغرب كردفان، بل أجزاء من نسيج المجتمع السوداني، لا تزال تحت وطأة الصراع والانقسام، فإن الحديث عن النصر ليس سوى تكرارٍ مأساوي لخطاب الإنقاذ القديم: انتصارات وهمية لتغطية إخفاقات استراتيجية عميقة.
ومع ذلك، لا يمكن فهم البرهان بمعزل عن النظام السياسي الذي أنجبه. فالجنرال لم ينبثق من فراغ، بل من تربةٍ ظلت تُقدّس العسكر وتمنحهم صك الوصاية على الشعب. لعقود، كانت الدولة السودانية تُدار بعقلية “الحارس” لا بعقلية “المؤسسة”، فصار كل انقلاب يبرر نفسه بذريعة إنقاذ الوطن من الآخرين، حتى أدمن الوطن هذا التبرير واستحال الخروج من دائرته الجهنمية.
إن النقد الحقيقي لتجربة البرهان لا يقف عند حدود إدانته، بل يتطلب الاعتراف بأن **المؤسسة العسكرية نفسها بحاجة إلى إعادة بناء جذري** على أسس مهنية، وإلى تطهير من ثقافة التسييس والولاءات. فليست المشكلة في شخصٍ واحد، بل في منظومةٍ متخمة بالجمود والشك بالمدنيين، ومهووسة بفكرة أن السلطة العسكرية هي ضمانة الاستقرار. لقد أثبتت الأحداث أن العكس هو الصحيح، وأن كل تدخل للجيش في السياسة لا يجلب إلا الفوضى، ويعمّق الفجوة بين المواطن والدولة.
على المستوى الأخلاقي، يمثل البرهان مثالاً صارخاً لانفصال السلطة عن المسؤولية. فحين يبرر قائد جيشٍ مجازر ميليشيا ساهم هو في تسليحها، ثم ينفي معرفته بخطرها، فهو لا يخدع الناس، بل يخدع نفسه. وحين يرفع شعار الكرامة الوطنية فيما تهدر الكرامة الإنسانية تحت أنقاض الخرطوم وقرى دارفور، يصبح الحديث عن “المنقذ” نكتة سوداء في سجل التاريخ.
لذلك، فإن مستقبل السودان لن يُبنى على شعارات النصر ولا على توازنات البندقية، بل على **محاسبة جريئة تعيد تعريف المسؤولية العامة**. الشعب الذي دفع ثمن الحرب لن يقبل بعد الآن أن يُدار بوهم “الرجل القوي” أو “المنقذ”، فالتاريخ علّمه أن كل منقذٍ مدّعٍ يخلف وراءه مقبرة جديدة. الطريق إلى المستقبل يبدأ حين يُقال بوضوح إن من قاد البلاد إلى الهاوية لا يمكن أن يكون من يقودها إلى النور.
إن السودان لا يحتاج إلى جنرالاتٍ جدد بالزي ذاته وشعارات مختلفة، بل إلى وعيٍ وطني جامع يقطع مع عبادة الأفراد، ويعيد السيادة للمؤسسات المدنية المنتخبة. فالمستقبل ليس ملك العسكر ولا الميليشيات، بل ملك الأطفال الذين كبروا على أصوات الانفجارات ويحلمون بدولةٍ تحميهم لا دولةٍ تحرقهم باسم حمايتهم. وتلك، وحدها، ستكون الهزيمة الحقيقية للبرهان ومنظومته: أن ينهض السودان ذات صباحٍ بلا قيصرٍ، ولا أوهام.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة