حين يختلف د. إبراهيم البدوي ود. الواثق كمير ويتفق الواقع ضدهما بين الكتلة المدنية المتخيلة والواقع

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 04-26-2026, 05:55 PM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
04-26-2026, 12:17 PM

خالد كودي
<aخالد كودي
تاريخ التسجيل: 01-01-2022
مجموع المشاركات: 252

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين

مكتبة الفساد

من اقوالهم
(مكتبة مفتوحة للتحديث)
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
حين يختلف د. إبراهيم البدوي ود. الواثق كمير ويتفق الواقع ضدهما بين الكتلة المدنية المتخيلة والواقع

    12:17 PM April, 26 2026

    سودانيز اون لاين
    خالد كودي-USA
    مكتبتى
    رابط مختصر



    حين يختلف د. إبراهيم البدوي ود. الواثق كمير ويتفق الواقع ضدهما
    بين الكتلة المدنية المتخيلة والواقع التأسيسي المتحقق

    قراءة في مقالي د. إبراهيم البدوي ود. الواثق كمير على ضوء مشروع السودان الجديد

    يمرّ السودان منذ اندلاع حرب 15 أبريل 2023 بلحظة تحول تاريخي لا يمكن اختزالها في كونها حربًا بين قوتين عسكريتين، أو أزمة انتقال سياسي تعثّر، أو صراعًا على السلطة بين مراكز متنافسة. فما يجري أعمق من ذلك: إنه تفكك بنية الدولة السودانية القديمة كما تشكلت منذ الاستقلال عام 1956، وانكشاف حدود النموذج المركزي الذي حكم البلاد عبر الجيش، والبيروقراطية، والامتيازات الاجتماعية، والهيمنة الثقافية، وتهميش الأقاليم.
    في مثل هذه التقاطعات، كثيرًا ما تتأخر اللغة السياسية عن الواقع. فبينما تتغير موازين القوة على الأرض، وتظهر مؤسسات وتحالفات جديدة، وتتحول الأطراف المهمشة إلى فاعلين أساسيين في صياغة المستقبل، تظل بعض النخب تستخدم مفردات قديمة: "القوى المدنية"، "المشروع الوطني"، "التوافق"، "الكتلة الوطنية"، و"العقد الاجتماعي"، من دون أن تعيد فحص السؤال الجوهري: أي سودان نتحدث عنه؟ سودان ما قبل الحرب، أم سودان ما بعدها؟ سودان المركز القديم، أم سودان جديد يتشكل من خارج خرائطه التقليدية؟

    في هذا السياق يمكن قراءة مقال د. إبراهيم البدوي عن "الكتلة المدنية الحرجة" والمشروع الوطني الديمقراطي النهضوي، وتعقيب د. الواثق كمير عليه. ف د. البدوي ينطلق من أن المخرج من الأزمة يكمن في بناء كتلة مدنية حرجة تتجاوز التشظي، ثم تتطور إلى كتلة وطنية قادرة على إنتاج ميثاق وطني وعقد اجتماعي جديد. أما د. كمير، فيتعامل مع هذا الطرح نقديًا من زاوية إجرائية، مطالبًا بتحديد المفاهيم: ما المقصود بالكتلة المدنية؟ وما الذي يجعلها حرجة؟ وكيف تنتقل إلى كتلة وطنية؟ ومن يدخل فيها ومن يُستبعد؟ كما يلفت إلى أن أي مشروع وطني لا يستطيع القفز فوق الخلافات الجوهرية حول الجيش، الدعم السريع، الإسلاميين، والدورين الإقليمي والدولي.
    ورغم أهمية هذا النقاش، فإن محدوديته الأساسية تكمن في أنه ما يزال يتحرك داخل أفق الدولة القديمة، وبخيال الدولة القديمة. فالمقالان، على اختلافهما، يتعاملان مع الأزمة كما لو أنها أزمة تنسيق بين النخب المدنية والسياسية، لا أزمة انهيار تاريخي في بنية الدولة السودانية نفسها. وهنا تكمن المشكلة: فالسودان لم يعد كما يعرفانه. لم تعد الخرطوم وحدها مركز السياسة، ولم تعد النخبة الوسطية وحدها قادرة على تعريف الوطنية، ولم تعد الأطراف مجرد موضوع للتنمية أو المصالحة، بل أصبحت جزءًا من معادلة التأسيس نفسها!

    أولًا: حجة د. إبراهيم البدوي وحدودها
    تنطلق حجة د. إبراهيم البدوي من افتراض يبدو عقلانيًا في ظاهره، وهو أن أحد أسباب استمرار الفوضى السياسية والعسكرية في السودان يتمثل في غياب مركز مدني منظم قادر على جمع القوى الديمقراطية داخل كتلة حرجة تقود مشروعًا وطنيًا جديدًا. وينتمي هذا التصور إلى تقليد ليبرالي إصلاحي يرى أن أزمات الدولة يمكن تجاوزها عبر توحيد القوى المدنية، وصياغة برنامج سياسي متفق عليه، ثم تحويله إلى عقد اجتماعي جديد يؤسس للاستقرار والتحول الديمقراطي.
    غير أن هذه الحجة، رغم جاذبيتها النظرية، تصطدم بسؤال جوهري يتعلق بطبيعة ما يُسمّى القوى المدنية السودانية نفسها. فهذه القوى ليست كتلة متجانسة، ولا تقف جميعها على أرضية ديمقراطية واحدة، كما أنها ليست بريئة تاريخيًا من علاقات القوة التي أنتجت الأزمة السودانية. فقد نشأ جزء معتبر من المجال المدني الحديث داخل المدن الكبرى، وارتبط اجتماعيًا وثقافيًا بشرائح استفادت بدرجات متفاوتة من الدولة المركزية، أو تكيفت مع امتيازاتها الرمزية والإدارية والاقتصادية.
    لذلك فإن المشكلة ليست فقط في غياب “كتلة مدنية”، بل في مضمون هذه الكتلة: إلى أي مدى تتبنى فعلًا رؤية لسودان جديد ديمقراطي، علماني، لا مركزي، قائم على المواطنة المتساوية؟ وإلى أي مدى تقبل بإعادة توزيع السلطة والثروة خارج المركز التاريخي؟ وهل هي مستعدة للاعتراف بمطالب العدالة التاريخية تجاه دارفور، وجبال النوبة، والنيل الأزرق، وشرق السودان، والمناطق التي حُمّلت لعقود كلفة بناء الدولة دون أن تشارك في حكمها؟
    لقد أظهرت التجارب منذ انتفاضة 1985، ثم مرحلة ما بعد ثورة ديسمبر 2018، أن قطاعات من القوى المدنية رفعت شعارات الحرية والديمقراطية، لكنها كثيرًا ما ترددت أمام الأسئلة التأسيسية الكبرى: العلمانية، إعادة هيكلة الجيش، الفيدرالية الحقيقية، تفكيك المركز، الاعتراف بالتعدد القومي والثقافي، ومحاسبة البنى التي صنعت الحرب. ففي اللحظة التي يقترب فيها النقاش من الامتيازات التاريخية، ينكمش كثير من الخطاب المدني إلى إصلاح إداري محدود، أو ديمقراطية إجرائية لا تمس جوهر الدولة القديمة.
    ومن هنا، يصبح السؤال أكثر عمقًا من مجرد تجميع المدنيين في منصة سياسية. فهل يمكن بناء كتلة ديمقراطية حقيقية من دون مراجعة موقع هذه القوى من قضايا الهامش؟ وهل يمكن الحديث عن مشروع وطني جامع بينما يظل مفهوم “الوطن” نفسه محكومًا بخيال المركز القديم؟ وهل يمكن تأسيس سلام دائم إذا بقيت المؤسسة العسكرية على بنيتها التقليدية، وبقي الجيش فوق المجتمع لا تابعًا للدستور والرقابة المدنية؟
    إن الحرب كشفت أن الأزمة السودانية ليست فقط أزمة انقسام سياسي، بل أزمة دولة تأسست على مركزية القوة والهوية والثروة. ولذلك فإن أي دعوة إلى “كتلة مدنية حرجة” لن تكون ذات معنى تاريخي ما لم تتحول أولًا إلى كتلة نقدية تراجع امتيازاتها، وتتبنى بوضوح مشروع السودان الجديد: دولة مدنية ديمقراطية علمانية، لا مركزية، عادلة اجتماعيًا، تعترف بالتنوع، وتعيد بناء الجيش كمؤسسة وطنية مهنية لا كأداة لهيمنة المركز. دون ذلك، قد تصبح الكتلة المدنية مجرد إعادة تنظيم ناعم للنظام القديم بلغة جديدة.

    ثانيًا: حجة د. الواثق كمير وحدودها
    أما د. كمير، فيقدم تعقيبًا أكثر دقة من حيث المنهج. فهو لا يرفض فكرة الكتلة المدنية أو الوطنية، بل يسأل عن تعريفها ومسارها وشروط تشكلها. وهذا نقد مهم، لأنه ينقل النقاش من مستوى الشعار إلى مستوى الآلية السياسية. فالمفاهيم، في العمل السياسي، لا تكفي أن تكون جذابة؛ يجب أن تكون قابلة للترجمة إلى قوى، ومؤسسات، وتحالفات، وبرامج.
    لكن د. كمير، رغم دقته الإجرائية، يبقى أيضًا داخل ذات الأفق التقليدي والإصلاحي. فهو يطالب بتوضيح الطريق من "المدني" إلى "الوطني"، لكنه لا يذهب بعيدًا بما يكفي ليسأل: هل ما نحتاجه فعلًا هو الانتقال من كتلة مدنية إلى كتلة وطنية، أم من دولة مركزية منهارة إلى مشروع تأسيسي جديد؟ بمعنى آخر، هو يحسن تشخيص غموض المفاهيم، لكنه كالكثير من الأكاديميين السودانيين والتخب، لا يقطع مع الإطار الذي أنتج هذا الغموض!
    إن السؤال الأعمق في هذا الوقت لم يعد: كيف نعرّف الكتلة المدنية؟ بل: من يملك حق تعريف السودان برمته بعد انهيار مركزه القديم؟

    ثالثًا: السودان الجديد كواقع لا كشعار
    لسنوات طويلة، جرى التعامل مع مشروع السودان الجديد بوصفه خطابًا سياسيًا هامشيًا مرتبطًا بالحركة الشعبية تحديدا، أو تصورًا أخلاقيًا للمساواة، أو مشروعًا نظريًا يفتقر إلى القوة السياسية والاجتماعية القادرة على تحويله إلى واقع. غير أن الحرب الراهنة، وما كشفته من تصدع المركز التاريخي وصعود فاعلين جدد من الأقاليم والمناطق المهمشة، أعادت هذا المشروع إلى قلب المعادلة السودانية، لا كشعار دعائي، بل كإطار يفسر التحولات الجارية ويقترح أساسًا جديدًا للدولة.
    جوهر هذا المشروع أن أزمة السودان ليست مجرد أزمة حكومات متعاقبة أو نخب فشلت في الإدارة، بل أزمة دولة تأسست منذ الاستقلال على اختلال بنيوي في توزيع السلطة والثروة والاعتراف الرمزي. فمنذ تمرد الجنوب عام 1955، مرورًا بحرب أنانيا، ثم صعود الحركة الشعبية منذ 1983، ثم حروب دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق، ظل السؤال المركزي يتكرر بصيغ مختلفة: هل السودان دولة لجميع شعوبه، أم دولة مركزية تُدار باسم هوية واحدة، وثقافة واحدة، وتحالف اجتماعي ضيق؟
    التحول الأهم اليوم لا يكمن في طرح هذا السؤال فقط، بل في طبيعة الإجابات التي بدأت تتشكل على الأرض. فواحدة من أعمق نتائج الحرب الراهنة هي التقارب بين قوى الهامش التي استُخدمت تاريخيًا ضد بعضها البعض خدمةً للمركز. لعقود طويلة، اعتمدت الدولة المركزية على سياسة "فرّق تسد": تجنيد مجموعات ضد أخرى، وتحويل المظالم المحلية إلى صراعات جانبية، وإبقاء الأقاليم في حالة تنافس دائم يمنع تشكل جبهة مشتركة للمطالبة بالعدالة وإعادة توزيع السلطة.
    لقد استُخدمت إثنيات وقبائل، ومليشيات محلية، وتكوينات مسلحة متباينة، في حروب متعاقبة كان المستفيد النهائي منها هو استمرار المركز وهيمنته. لكن ما يجري اليوم يشير إلى بداية انتقال تاريخي: من التوظيف المتبادل إلى إمكان التحالف المتبادل، ومن الاحتراب الأهلي إلى الوعي بالمصلحة المشتركة!
    في هذا السياق، يكتسب أي تقارب بين قوى دارفور، وجبال النوبة، والنيل الأزرق، وشرق السودان، وأجزاء من الوسط المتضرر، أهمية استراتيجية تتجاوز التحالف العسكري أو السياسي الظرفي. فهو يفتح الباب أمام مصالحة مجتمعية أوسع، ويضعف منطق التخندق الإثني، ويعيد تعريف الصراع باعتباره صراعًا حول بنية الدولة لا بين المجتمعات نفسها، وهنا العبقرية!
    كما أن بعض التكوينات المسلحة، ومنها الدعم السريع، شهدت بدورها تحولات في الوعي السياسي والخطاب والموقع الاجتماعي. فبغض النظر عن الجدل المشروع حول ممارساتها ومسؤولياتها، فإن مجرد انتقال بعض هذه القوى من موقع الأداة الطرفية في خدمة المركز إلى موقع السعي للمشاركة في إعادة تعريف الدولة، يمثل مؤشرًا على تغير عميق في قواعد اللعبة السودانية. فالفاعلون الذين كانوا يُستدعون لحروب المركز ثم يُستبعدون من السياسة، باتوا اليوم جزءًا من معادلة التأسيس، وهو تحول لا يمكن تجاهله في أي قراءة جادة للمستقبل.
    من هذه الزاوية، فإن تحالف تأسيس لا يمثل مجرد اصطفاف سياسي عابر، بل يعكس انتقالًا نوعيًا من مرحلة المطالبة بالإصلاح داخل الدولة القديمة، إلى مرحلة السعي لبناء شرعية جديدة تتجاوزها. فالدستور الانتقالي، والمبادئ فوق الدستورية، وفكرة الدولة المدنية العلمانية اللامركزية، كلها مؤشرات على مشروع يحاول تحويل التلاقي بين المهمشين من ظرف عسكري مؤقت إلى عقد سياسي استراتيجي جديد!
    وهذا هو جوهر اللحظة الراهنة: لم تعد قوى الهامش مجرد أطراف متنازعة تديرها السلطة المركزية من بعيد، بل بدأت—رغم التعقيدات والتناقضات—في اكتشاف قدرتها على صياغة مستقبل مشترك. وإذا ترسخ هذا المسار، فإنه سيصبح أحد أهم المتغيرات الحاسمة في حاضر السودان ومستقبله، وأي حسابات للتغيير السياسي تتجاهله ستكون قراءة متأخرة لواقع تجاوزها بالفعل.

    رابعًا: ما الذي يتجاهله المقالان؟
    يتجاهل المقالان، أو يمران سريعًا على، أربع تحولات كبرى:
    الأول هو انهيار احتكار المركز للشرعية. لم تعد الشرعية تأتي من الخرطوم وحدها، ولا من النخب التي ورثت الدولة بعد الاستقلال. لقد فقد المركز قدرته الأخلاقية والسياسية على تمثيل السودان كله.
    الثاني هو صعود الأقاليم بوصفها فاعلًا لا تابعًا. فدارفور، جبال النوبة، النيل الأزرق، شرق السودان، والجزيرة لم تعد فضاءات هامشية تنتظر الحلول من العاصمة، بل ساحات إنتاج سياسي واجتماعي جديد.
    الثالث هو تحوّل معنى السيادة. في الدولة القديمة، كانت السيادة تعني سيطرة المركز على السلاح والحدود والقرار. أما في منطق السودان الجديد، فالسيادة لا معنى لها من دون العدالة، والمواطنة، والاعتراف بالتنوع، وإخضاع القوة المسلحة لمشروع وطني جديد.
    الرابع هو تغيّر الوعي الشعبي. قطاعات واسعة من السودانيين لم تعد تطالب بإيقاف الحرب فقط، وربما العودة إلى ما قبلها، بل بإعادة بناء الدولة نفسها. وهذا وعي تأسيسي لا يمكن احتواؤه بمفردات التوافق النخبوي.
    خامسًا: من "الكتلة المدنية" إلى "الكتلة التاريخية"
    لو جرى توسيع أدوات التحليل، لكان من الأجدى الانتقال من مفهوم "الكتلة المدنية الحرجة" إلى مفهوم "الكتلة التاريخية" بالمعنى الغرامشي. فالكتلة التاريخية ليست مجرد تجمع سياسي أو مدني، بل تحالف اجتماعي وثقافي وأخلاقي يعيد تعريف السلطة والمجتمع والدولة.
    بهذا المعنى، فإن مشروع السودان الجديد أقرب إلى بناء كتلة تاريخية من كونه مجرد مشروع حزبي أو تحالف سياسي. فهو لا يسعى إلى استبدال حكومة بأخرى، بل إلى إعادة تعريف مفاهيم الوطن، الجيش، المواطنة، الدين، الهوية، العدالة، والثروة. وهذا هو الفارق الجوهري بين الإصلاح والتأسيس.
    فالكتلة المدنية التي يتحدث عنها د. البدوي قد تصلح كآلية ضغط أو منصة تفاوض، لكنها لا تكفي وحدها لإعادة بناء دولة خرجت من سبعة عقود من الحروب والتهميش. أما الكتلة التاريخية، فهي التي تربط بين القوى الاجتماعية المتضررة، والرؤية الفكرية، والمؤسسات الجديدة، والخيال السياسي البديل.
    سادسًا: "عاملين رايحين" من الواقع الجديد!
    العبارة السودانية "عاملين رايحين" دقيقة هنا، لأنها لا تعني الجهل بالواقع، بل التظاهر بعدم رؤيته. فالمقالان لا يجهلان أن الواقع تغيّر، لكنهما لا يمنحان هذا التغير وزنه التحليلي الكافي. يتحدثان عن الكتل والمفاهيم والمسارات، لكنهما لا يواجهان بوضوح أن هناك واقعًا تأسيسيًا جديدًا بدأ يتشكل، وأن مؤسسات تأسيس لم تعد مجرد احتمال سياسي، بل صارت جزءًا من معادلة السلطة والشرعية والصراع... ولا شنو؟
    إن تجاهل هذا الواقع لا يلغيه. والتعامل معه كأنه تفصيل هامشي لن يعيد السودان إلى ما كان عليه. فالتاريخ لا ينتظر من يعترف به حتى يتحرك!

    في الختام: السودان الذي عرفه د. إبراهيم البدوي ود. الواثق كمير يتغير جذريًا- لم يعد موجودا!
    لا ينتقص هذا النقد من القيمة الفكرية لد. إبراهيم البدوي أو د. الواثق كمير، فهما من الأصوات الجادة التي سعت، كلٌ بطريقته، إلى التفكير في مستقبل السودان، وأسئلة التنظيم السياسي، وإمكان بناء مشروع وطني جامع. ولهما التقدير على الإسهام في نقاش عام يحتاج إلى العقلانية والمعرفة. غير أن قيمة أي اجتهاد سياسي لا تُقاس فقط بسلامة منطقه الداخلي، بل أيضًا بمدى قدرته على قراءة اللحظة التاريخية التي يخاطبها.
    والمشكلة اليوم ليست في نقص المبادرات النظرية، بل في أن كثيرًا من الأسئلة المتداولة ما تزال صيغت على مقاس سودان قديم يتراجع بسرعة. فالسودان الذي تأسس بعد استقلال 1956 على مركزية السلطة، وهيمنة المؤسسة العسكرية، وعدم التوازن بين الأقاليم، لم يعد يعمل بالمنطق نفسه. لقد تراكمت أزماته عبر الحرب الأهلية في الجنوب، ثم دارفور، ثم جبال النوبة والنيل الأزرق، إلى أن بلغت ذروة انفجارها في حرب 15 أبريل 2023، وهي حرب لم تكن حدثًا منفصلًا، بل نتيجة بنيوية لمسار طويل من الفشل في بناء دولة عادلة ومتوازنة.
    من هنا، فإن الافتراض القائل بإمكان ترميم الدولة القديمة عبر الأدوات ذاتها—تحالفات نخب مدنية، أو تسويات فوقية، أو إعادة تدوير المركز بصياغات جديدة—يبدو افتراضًا محدود الأفق. فالتحولات الجارية على الأرض تشير إلى أن السودان دخل طورًا جديدًا: تراجع احتكار المركز للقرار، صعود قوى الأقاليم والهامش، تآكل شرعية البنية العسكرية التقليدية، وازدياد الطلب الاجتماعي على عقد سياسي مختلف في جوهره لا في شكله فقط.
    لهذا، فإن أي حديث جاد عن "كتلة مدنية" أو "كتلة وطنية" لا يكتسب معنى حقيقيًا إلا إذا انطلق من الاعتراف بأن الأزمة لم تعد أزمة حكومة أو تحالف، بل أزمة تأسيس دولة. كما أن "السودان الجديد" لم يعد مجرد تعبير رمزي أو شعار تعبوي، بل أصبح أحد الاحتمالات التاريخية الواقعية التي تفرض نفسها من خلال موازين القوة الجديدة، ومن خلال الوعي المتنامي لدى قطاعات واسعة بأن العودة إلى ما قبل الحرب لم تعد ممكنة.
    وعليه، فإن السؤال الحاسم في السنوات المقبلة لن يكون: كيف نجمع القوى المدنية في منصة سياسية مؤقتة؟ بل: كيف تُبنى كتلة تاريخية تأسيسية قادرة على إنتاج دولة جديدة؟
    فالكتلة التاريخية، كما نظّر لها أنطونيو غرامشي، ليست مجرد تحالف انتخابي أو اصطفاف مرحلي بين قوى متفرقة، بل هي وحدة عضوية بين قوى اجتماعية متعددة، ورؤية فكرية وأخلاقية مشتركة، ومؤسسات سياسية قادرة على تحويل هذه الرؤية إلى نظام جديد للهيمنة المشروعة والتنظيم الاجتماعي. إنها اللحظة التي تلتقي فيها المصالح المادية مع المشروع الثقافي والسياسي، بحيث ينشأ ترتيب تاريخي جديد يتجاوز القديم لا بإسقاطه فقط، بل باستبداله بمنظومة أكثر قدرة على القيادة والاستقرار.
    وفي السياق السوداني، يعني ذلك بناء كتلة تاريخية تضم القوى المتضررة من الدولة القديمة، والقطاعات المؤمنة بالتغيير الديمقراطي، وحركات الأقاليم، والنخب الفكرية الجديدة، والفاعلين الاجتماعيين القادرين على تأسيس عقد وطني مختلف. كتلة تحمل مشروع دولة تقوم على المواطنة المتساوية، والعلمانية الدستورية الضامنة للتعدد، والديمقراطية المستدامة، والعدالة التاريخية، واللامركزية الفعلية، وإعادة بناء مؤسسة عسكرية جديدة على أسس مهنية ووطنية، والمساواة الكاملة بين جميع الشعوب السودانية.
    ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى تحالف تأسيس بوصفه أقرب المحاولات السياسية الراهنة لتجسيد ملامح هذه الكتلة التاريخية في السودان؛ إذ يسعى إلى جمع قوى الهامش التاريخي، والتيارات الديمقراطية، والمطالب الاجتماعية المؤجلة، داخل مشروع يتجاوز منطق الدولة المركزية القديمة، وينقل الصراع من مجرد التنافس على السلطة إلى سؤال إعادة تأسيس الدولة نفسها. وتكمن أهميته في أنه لا يطرح تسوية فوقية عابرة، بل يطرح—بصرف النظر عن التحديات والتناقضات—إطارًا جديدًا لإعادة توزيع الشرعية والسلطة والثروة على أسس عادلة.
    إن هذا التحول في صياغة السؤال ليس تفصيلًا نظريًا، بل هو مفتاح المستقبل السياسي نفسه. لأن الأزمات الكبرى لا تُحل بتجميع النخب حول بيانات توافقية، بل ببناء كتلة تاريخية تمتلك الشرعية الاجتماعية، والخيال السياسي، والقدرة المؤسسية على تأسيس عصر جديد. ومن يقرأ السودان القادم بعين الماضي، أو يظن أن أدوات التسوية القديمة تكفي لإدارة التحول الراهن، سيجد نفسه خارج حركة التاريخ، مهما بلغت مكانته الفكرية أو السياسية.

    النضال مستمر والنصر اكيد.

    (أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)


























                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث المقالات بسودانيزاونلاين اليوم
فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to bakriabubakr@cox.net

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de