ليس الفن ترفًا على هامش الحياة، ولا زينة تُعلّق في أوقات الرخاء. الفن ذاكرة الشعوب، ومرآتها، وأحيانًا لسانها حين يُكمّم الخوف أفواهه . قصيدة واحدة قد تفعل ما لا تفعله خطبة طويلة، وأغنية قد تعبر الحدود والحواجز، ونكتة عابرة قد تختصر تاريخًا كاملًا من القهر. ولهذا لم يكن الفن يومًا بعيدًا عن السياسة، ولم يكن المستبد غافلًا عن قوته وتاثيره. المستبد يريد أن يحكم الأرض، ثم يحاول أن يحكم الخيال. يريد أن يقرر ماذا يرى الناس، وماذا يسمعون، ومن يصفقون له، ومن يكرهونه. فيصنع فنًا يلمّع صورته، ويمنح فشله أناشيد، ويحوّل القائد إلى أسطورة، والخوف إلى بطولة، والصمت إلى فضيلة. وحين لا يكفي التمجيد، يبدأ الاستخدام الأكثر قبحًا للفن: صناعة الكراهية. فئة تُسخر منها، وأخرى تُخوّف منها، وثالثة تُتهم بأنها سبب الخراب. وهكذا ينشغل الناس بتمزيق بعضهم، بينما يبقى المستبد واقفًا في المنتصف، يتفرج على الحريق الذي أشعله ثم يقدّم نفسه (رجل الإطفاء) إنها حيلة قديمة، لكنها لا تزال فعّالة: اجعل الناس يخافون من بعضهم، كي لا يتجرأوا على السؤال عمن يخافون منه. لكن للفن وجهًا آخر، هو الوجه الذي لا يستطيع القصر ترويضه. الفنان الحر لا يحتاج إلى أن يهتف ضد الحاكم. يكفي أن يضحك من صورته. لا يحتاج إلى كتابة بيان سياسي؛ قد تكفيه قصيدة عن أم فقدت ابنها، أو أغنية عن وطن أرهقه الفقر، أو مسرحية تجعل الجمهور يرى الحقيقة من خلف الستار. وهنا تحديدًا يبدأ قلق المستبد. فالسلطة تستطيع إغلاق صحيفة، ومصادرة كتاب، ومنع مسرحية، وإسكات مغنٍ أو شاعر، لكنها تواجه مشكلة أكبر مع شيء لا تستطيع اعتقاله: المعنى. قد يختفي الفنان خلف القضبان، لكن كلمته تخرج من القضبان. وقد يُمنع اللحن، فيغنيه الناس همسًا. وقد تُحذف النكتة من صحيفة، فتنتشر في الشوارع أسرع من الخبر الرسمي. والتاريخ شاهد على أن الأنظمة التي بالغت في صناعة صورتها، انتهت أحيانًا إلى السقوط أمام صورة رسمها فنان، أو أغنية حفظها الناس، أو نكتة كسرت حاجز الخوف. فالمستبد لا يخشى الضحكة لأنها مضحكة؛ يخشاها لأنها تسحب من سلطته رهبةً بناها بالقوة. حين يضحك الناس على الطاغية، لا يعود الطاغية كما كان. وحين يكتشف المواطن أن بإمكانه أن يقول «لا» ولو في قصيدة، أو أن يسخر ولو في نكتة، تبدأ أولى شقوق جدار الخوف. لهذا سيظل الفن معركة مفتوحة بين من يريد للإنسان أن يكون تابعًا، ومن يصر على أن يكون حرًا. وقد ينجح المستبد لبعض الوقت في إسكات الفنان… لكنه لا يستطيع أن يمنع الشعب من تذكّر ما قاله الفنان. فالسلطة قد تفرض الصمت، لكنها لا تملك ذاكرة الناس. وفي اللحظة التي يضحك فيها الناس من المستبد بدل أن يخافوا منه، يكون قد خسر أغلى ما يملك: ( هيبته)
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة