لو كانت هنالك خيبة أمل في مسار الحراك المدني، فهي فشل تحالف "تقدم" وانقسامه لصمود وتأسيس، ذلك التجمع المدني الشامل الذي حوى الطيف السياسي السوداني، الذي أقصاه انقلاب العسكر على الحكومة الانتقالية، اليوم مع انعقاد مؤتمر برلين المزمع في منتصف ابريل – ذكرى اندلاع الحرب، بدأت أجراس الخطر ترن في أذن كل طامح لتحول مدني ديمقراطي حقيقي، وبعد التسريبات التي وشت بان المدعوين حصراً ينقسمون بين رموز "صمود" وشخصيات مشبوهة، تنتمي للتحالف الذي تآمر مع العسكر وانقلب على حكومة الانتقال، والمعروف بـــ " تحالف الموز"، تكون "تأسيس" في وضع لا تحسد عليه، وهي الطارحة لأسس مشروع وطني كبير وطموح يستهدف إعادة تأسيس الدولة، فإذا لم تُضم لمؤتمر برلين تكون خسارتها السياسية والدبلوماسية مدوية، وقد نصح وأشار الحادبون على نجاح المشروع إلى نقاط الضعف التي اكتنفت الكادر التأسيسي منذ الانطلاقة الأولى، وكيف أنه أهمل تشبيك العلاقات الدولية والإقليمية، الأمر الذي حقق فيه اختراقاً عظيماً غريمهم "صمود"، فهل يصمد التأسيسيون فيلحقوا بركب السباق العالمي الذي هو بذات أهمية الماراثون العسكري؟، أم أن الكادر التأسيسي سيمارس هواية الهروب إلى الأمام التي أفقدته الكثير من المحطات الدولية والإقليمية؟، هذه الأسئلة واجب على المجلسين الرئاسي والوزراء أن يعقدا بخصوصها الاجتماعات العاصفة. وهل يؤسس الصامدون لشبكة علاقات دولية وإقليمية بعيداً عن التأسيسيين؟، على الرغم من انهم لا يستندون إلى أرضية ميدانية يستطيعون عبرها التحرك العملي، أم أن هنالك تواصل سري بينهم وبين الإسلاميين الممسكين بمفاتيح ميدان الجزء الآخر من السودان؟، هذه الأسئلة يطرحها إيقاع بنود الوساطة الرباعية التي لم تقر طرح حل الدولتين، ما يعني أن الدمج المدني والعسكري قادم لا محالة، وهذا بالضرورة يعني وجود صيغة وتوليفة تهندس عملية وإجراءات الوصول لنموذج وحدوي، يولد في ظروف عسكرية وسياسية غاية في التعقيد، إنّ التحدي الأكبر يواجه تحالف "صمود" الذي يحمل رمزية الثورة التي أطاحت برأس النظام، والتف حولها الشباب والطلاب الممثلين لروح الثورة، وفي نفس الوقت يتحمل التحالف أي انزلاق تكتيكي يجلسه حول طاولة واحدة مع بعض رموز النظام القديم، حتى ولو كانوا من الملتحقين للعسكر من فائض ممثلي اتفاق جوبا، الذين انقسموا الى فريقين، الأول رأى مستقبله مع "تأسيس"، والآخر وجد ضالته في العسكر الانقلابيين، فرياح التحدي التي تواجه الصامدين أعتى من تلك الغاشية لتأسيس، لأن الفرصة لا تأتي مرتين، وإلّا سيكفر بك الشعب وإلى الأبد، لا سيما وأن بعض من هذا الشعب يرى في رئيس الوزراء السابق ورفاقه رجال ناعمين، لم يكونوا على قدر أمانة جنين الثورة الوليد، لكل هذا على "صمود" تكبير العدسة. المانحون والمسهلون والوسطاء ينظرون إلى السودان من ثقب باب أشقاءه وجيرانه – مصر، المملكة العربية السعودية، الإمارات، وهذه الدول الثلاث هي الأكثر عمقاً سياسياً واجتماعياً وثقافياً واقتصادياً في السودان، وهي مدركة لطبيعة الاختلالات الطفيفة بين التحالفين – صمود وتأسيس، ويمكنها لعب دور إيجابي لو اتفقت على صيغة الحد الأدنى في تصورها لحل المشكلة السودانية، بخلاف ذلك لن يكون للمؤتمرات المنعقدة ببلاد العم سام أي أثر على واقع الأحداث، لأن المحور الإقليمي وبعد الحرب الإسرائيلية الإيرانية، ربط وقف الحرب في السودان بما سوف تؤول إليه إرهاصات الحرب الكبرى، وهذا بحد ذاته جدد الأمل في نفوس السودانيين بقرب نهاية المأساة، بصرف النظر عن ماهيتها، فالناس قد بلغت روحهم الحلقوم، وأدركوا المعنى الحرفي للحرب التي كانت تتناقلها كاميرات البرنامج (الجهادي) من جنوب السودان، الذي كانوا ينظرون إليه كرقعة جغرافية بعيدة مرمية هناك في كوكب المريخ، فضيق الشعب بشظايا معارك الحرب وفتك سلاحها الكيميائي، زد على ذلك جرائم الإرهاب والقتل خارج نطاق القانون، جميعها تقلل من الوقود البشري الذي يزود الميدان بالمقاتلين، وهنا يأتي دور الفاعلين الإقليمين في إحداث دوزنة أوتار المعزوفة التي فشل أصحابها في كتابة نوتتها الموسيقية، فهل ينبه جرس مؤتمر برلين السودانيين لما ينتظرهم من واجب وطني؟.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة