حوار البرهان: حين يمنح الأكاديميون الحكم العسكري شرعية مدنية كتبه خالد كودي

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 08-31-2026, 07:57 PM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
08-27-2026, 02:08 PM

خالد كودي
<aخالد كودي
تاريخ التسجيل: 01-01-2022
مجموع المشاركات: 317

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين

مكتبة الفساد

من اقوالهم
(مكتبة مفتوحة للتحديث)
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
حوار البرهان: حين يمنح الأكاديميون الحكم العسكري شرعية مدنية كتبه خالد كودي

    02:08 PM August, 27 2026

    سودانيز اون لاين
    خالد كودي-USA
    مكتبتى
    رابط مختصر






    26/8/2026 بوسطن

    اطلعت في الوسائط على خبر اجتماعات اللجنة التحضيرية لما يسمى بـ"الحوار السوداني ـ السوداني" الذي دعا إليه عبد الفتاح البرهان، برئاسة الدكتور قاسم بدري، في مجمع التصنيع الحربي. ووفق ما تداولته المصادر، تضم اللجنة شخصيات أكاديمية وقانونية وثقافية وإعلامية معروفة، من بينها المحامي نبيل أديب، والدكتور محمد جلال هاشم، والبروفيسور الواثق كمير (يقال انه اعتذر)، والصحفي عثمان ميرغني، والدكتورة نعمات علي الزبير، وسليمان الأمين، والدكتور محمد المنير، والكاتب عبد الله آدم خاطر، والروائي عبد العزيز بركة ساكن، والبروفيسور منزول عسل، ونصر الدين شلقامي، والمحبوب عبد السلام، إلى جانب شخصيات أخرى. وبصرف النظر عن المواقف الفردية لهذه الأسماء، وعن درجة مشاركتها الفعلية أو قبولها النهائي بالمبادرة، فإن وجود نخبة من الأكاديميين والمثقفين في عملية سياسية يدعو إليها ويمسك بإطارها قائد عسكري ديكتاتوري يحكم خارج التفويض الديمقراطي يفتح سؤالاً مشروعاً لا يتعلق بالنوايا الشخصية بقدر ما يتعلق بوظيفة المعرفة والمكانة الاجتماعية في لحظات الاستبداد: هل يستخدم المثقف معرفته ومكانته لتغيير شروط السلطة، أم تستطيع السلطة أن تستخدم اسمه وسمعته واستقلاله الظاهر لإنتاج شرعية لها؟
    فالأنظمة الفاشية والاستبدادية لا تعيش بالقوة المسلحة وحدها. تستطيع الدبابة احتلال القصر، وتستطيع أجهزة الأمن اعتقال المعارضين، ويمكن للمحاكم إصدار الأحكام استناداً إلى قوانين تضعها السلطة أو توظفها لمصلحتها، لكن أدوات الإكراه وحدها لا تكفي لتحويل الاستيلاء على الدولة إلى نظام يبدو مستقراً أو مشروعاً. يحتاج الاستبداد أيضاً إلى بنية من الأفكار والمعاني والتبريرات، وإلى فلاسفة وقانونيين وأساتذة جامعات وعلماء واقتصاديين وصحفيين وكتاب وشعراء وفنانين ورجال دين ومثقفين يستطيع بعضهم، بقصد ووعي أو من دونهما، أن يمنح السلطة اللغة التي تقدم بها نفسها باعتبارها الدولة، وتقدم قمعها باعتباره قانوناً، وحروبها باعتبارها دفاعاً عن الوطن، واستمرارها باعتباره ضرورة تاريخية.

    ولهذا فإن تاريخ الفاشية الأوروبية ليس تاريخ موسوليني وهتلر وأجهزة الحزب والشرطة والجيش وحدهم، بل هو أيضاً تاريخ علاقة السلطة بالمثقفين والأكاديميين والعلماء والقانونيين والفنانين والمؤسسات الثقافية. وتظهر في هذا التاريخ أسماء مثل جيوفاني جنتيلي، ومارتن هايدغر، وكارل شميت، وهانس فرانك، وألفرد روزنبرغ، وأويغن فيشر، وإرنست رودين، وفريتز لينتس، وغيرهم. لم تكن أدوار هؤلاء واحدة، ولا درجات مسؤوليتهم متساوية، ولا يجوز وضعهم جميعاً في مرتبة أخلاقية أو جنائية واحدة، لكن تجاربهم تكشف كيف يمكن للفلسفة والقانون والعلم والتعليم والثقافة أن تدخل في بنية السلطة، فتمنحها مفاهيم وتبريرات ومؤسسات تساعدها على تطبيع وجودها داخل المجتمع.
    وهذا الدرس مهم لفهم السودان اليوم. فإذا نظرنا إلى سلطة البرهان باعتبارها استمراراً، لبنية الدولة الإسلامية، الفاشية، العسكرية والأمنية التي ترسخت بصورة عميقة في عهد البشير ولم تُفكك بعد سقوطه، فإن تحليل النظام لا ينبغي أن يتوقف عند العسكريين والإسلاميين والأجهزة الأمنية وشبكات المصالح الاقتصادية المرتبطة بهم. ينبغي أن يشمل أيضاً العلاقة بين هذه السلطة والنخب المدنية والأكاديمية والقانونية والثقافية التي تمتلك رأسمالاً معرفياً وأخلاقياً ورمزياً يمكن أن تحتاج إليه السلطة لكي تعيد تقديم نفسها في صورة سياسية جديدة.
    المشكلة، في حد ذاتها، ليست أن يتحدث الأكاديمي أو المثقف مع السلطة. ففي ظروف الحرب والانقسام قد يصبح التفاوض مع أصحاب القوة ضرورة لإنقاذ الأرواح أو فتح المجال أمام انتقال سياسي. لكن الخط الفاصل يبدأ عندما ينتقل المثقف من محاولة تغيير شروط السلطة إلى قبولها، ثم يصبح وجوده واسمه ومكانته جزءاً من الصورة التي تقدم هذه الشروط باعتبارها حواراً متكافئاً وعملية وطنية مستقلة. هنا لا يعود السؤال متعلقاً بما يقوله المثقف داخل الاجتماع فقط، بل بما يفعله وجوده السياسي والرمزي للاجتماع نفسه.
    ويقدم القرن العشرون في هذا المجال دروساً لا تزال شديدة الأهمية.
    كان جيوفاني جنتيلي واحداً من أبرز فلاسفة إيطاليا في عصره. لم يكن ضابط شرطة ولا قائداً عسكرياً، لكنه أصبح من أهم المثقفين الذين منحوا فاشية موسوليني لغة فلسفية وثقافية. شغل منصب وزير التعليم، وأسهم في إصلاح النظام التعليمي وفق رؤية الدولة الفاشية، وكان صاحب "بيان المثقفين الفاشيين" سنة 1925. وتكمن أهمية تجربته في أنه ساعد على تقديم الفاشية لا باعتبارها مجرد استيلاء بالقوة على الدولة أو مصادرة للديمقراطية، بل بوصفها مشروعاً أخلاقياً وثقافياً وقومياً له تصور للدولة والإنسان والمجتمع.
    ويكشف نموذج جنتيلي وظيفة لا يستطيع الجنرال القيام بها وحده: تحويل القوة الباطشة إلى سلطة تبدو معقولة، والاستبداد إلى خطاب سياسي قابل للتبرير، والسيطرة إلى مشروع يُقدَّم باعتباره ضرورة تاريخية أو مصلحة وطنية. يستطيع موسوليني او أي دكتاتور أن يأمر الشرطة وأن يستخدم أجهزة الدولة في القمع، لكنه يحتاج إلى المثقف لكي يمنح هذا القمع معنى، ولكي يشرح للمجتمع لماذا ينبغي أن تبدو الدولة الدكتاتورية وكأنها التعبير الأعلى عن الأمة، ولماذا يمكن تقديم خضوع الفرد للسلطة بوصفه فضيلة وطنية لا مصادرة لحريته وحقوقه.
    ومن ألمانيا يقدم مارتن هايدغر نموذجاً أكثر تعقيداً. كان هايدغر واحداً من أهم فلاسفة القرن العشرين، وانضم إلى الحزب النازي سنة 1933 وتولى في العام نفسه رئاسة جامعة فرايبورغ، وربط في خطاب توليه الرئاسة بين الجامعة الألمانية والتحول السياسي الذي كانت تشهده البلاد. ولا تكمن أهمية تجربته في اختزال فلسفته كلها في علاقته بالنازية، وإنما في الدرس الأخلاقي الأوسع الذي تطرحه: الذكاء والمعرفة والمكانة الأكاديمية لا تحصن صاحبها بالضرورة من الانخراط في مشروع سلطوي. بل إن مكانة المفكر الكبير قد تجعل اقترابه من السلطة أكثر أهمية بالنسبة إليها، لأنه يمنحها نوعاً من الاعتراف الرمزي لا يستطيع موظف الدعاية العادي إنتاجه..
    ويظهر الوجه القانوني لهذه العلاقة عند كارل شميت، أحد أبرز فقهاء القانون والسياسة في ألمانيا حينها، والذي انضم إلى الحزب النازي سنة 1933 وأصبح لفترة من أبرز القانونيين المرتبطين بالنظام. كان شميت قد صاغ قبل صعود النازية أطروحته الشهيرة حول السيادة ومفادها أن "صاحب السيادة هو من يقرر في حالة الاستثناء". ولم تكن النظرية في أصلها مجرد وصف بسيط للنازية، لكن أهميتها بالنسبة إلى تحليل الأنظمة الدكتاتورية والسلطوية تكمن في السؤال الذي تفتحه: ماذا يحدث عندما تصبح سلطة إعلان الاستثناء نفسها بلا حدود؟
    فكلما استطاعت السلطة تعريف نفسها بأنها تواجه خطراً وجودياً، استطاعت المطالبة بتوسيع صلاحياتها وتعليق الحقوق وتأجيل العودة إلى الحياة الدستورية العادية. الحرب، التمرد، والمؤامرة، والخطر الخارجي، وتهديد الوحدة الوطنية، والأمن القومي، وحماية الدولة، وضرورة حماية الجيش، يمكن جميعها أن تتحول من أوصاف لأزمات حقيقية إلى لغة دائمة للحكم.
    وهنا تصبح المقاربة مع السودان مباشرة. فقد استخدمت السلطات العسكرية والأمنية السودانية ولاتزال لغة الخطر على الوطن وحماية الدولة والوحدة الوطنية والأمن القومي لتوسيع مجال الاستثناء وتقليص مجال الحقوق. استخدم نظام عبود بعض هذه اللغة، ثم أعاد نظام نميري إنتاجها في ظروف مختلفة، بينما بنى نظام البشير والإسلاميون منظومة أكثر اتساعاً دمجت الحرب والأمن والأيديولوجيا الدينية والدولة، ويعيد نظام البرهان اليوم إنتاج عناصر أساسية من منطق الاستثناء نفسه: الحرب تجعل الحكم المدني مؤجلاً، والخطر على الدولة يجعل مساءلة الجيش أمراً ثانوياً، وضرورة الانتصار تجعل الحقوق قابلة للتأجيل، بينما يصبح استمرار المؤسسة العسكرية في مركز القرار أمراً يقدم باعتباره ضرورة لا اختياراً سياسياً.
    وعندما تستمر "الضرورة" سنوات طويلة، لا يعود السؤال: متى تنتهي حالة الطوارئ؟ بل يصبح السؤال الأكثر عمقاً: هل تحولت حالة الطوارئ نفسها إلى طريقة للحكم؟
    ولا تعني هذه المقارنة أن السودان هو ألمانيا النازية، أو أن كل مثقف يشارك في حوار ترعاه سلطته يعادل مثقفاً تعاون مع النازية. مثل هذه المساواة ستكون سطحية وغير دقيقة تاريخياً وأخلاقياً. المقارنة المفيدة تتعلق بآليات إنتاج الشرعية السلطوية: كيف تتحول السيطرة العسكرية إلى واقع سياسي طبيعي، وكيف يتحول الاستثناء إلى قاعدة، وكيف تحتاج القوة إلى المعرفة والقانون والثقافة لكي تقدم استمرارها للمجتمع باعتباره عقلانياً وضرورياً.

    من شرعية القوة إلى شرعية الحوار: لماذا يحتاج نظام البرهان إلى المثقف والقانوني والاكاديمي والاعلامي؟
    لم تتحول الفاشية الأوروبية إلى نظام شامل بواسطة الجيش والحزب والأجهزة الأمنية وحدها. فقد احتاجت إلى مؤسسات تنتج المعنى والشرعية: الجامعات، والقانون، والعلوم، والفلسفة، والأدب، والفنون، والصحافة، والتعليم. لم تكن أدوار العلماء والمثقفين واحدة، ولم تتساو مسؤولياتهم، لكن بعضهم أسهم في تحويل أفكار سلطوية وعنصرية من مجرد إرادة سياسية إلى منظومة تبدو لبعض المجتمع وكأنها علم وقانون وفلسفة ومصلحة وطنية. وهنا تكمن أهمية المقارنة مع السودان: فالسلطة التي تستطيع فرض نفسها بالسلاح لا تحتاج إلى المثقف لكي تحكم فقط؛ تحتاج إليه عندما تريد أن تجعل حكمها يبدو معقولاً ومقبولاً، شرعيا وقابلاً للاستمرار.
    في ألمانيا النازية، أسهم أويغن فيشر وإرنست رودين وفريتز لينتس، كل من موقعه، في البيئة العلمية التي منحت أفكار التراتب العرقي و"الصحة الوراثية" مظهراً علمياً. وفي الفلسفة والقانون والثقافة قدم جيوفاني جنتيلي للفاشية الإيطالية لغة فلسفية وأخلاقية، وارتبط مارتن هايدغر سياسياً بالنظام النازي في مرحلة صعوده، بينما وفر كارل شميت مفاهيم قوية حول السيادة والاستثناء والسلطة أمكن توظيفها داخل النظام السلطوي. كما شاركت الثقافة والإعلام والفنون في صناعة خيال سياسي يمجد الدولة والقوة والانضباط، ويحول الخصوم إلى أخطار على الأمة.
    المقارنة مع السودان لا تعني تطابق نظام البرهان بالنازية، ولا مساواة الأكاديميين المشاركين في حواره بمثقفي الفاشية. المقارنة تتعلق بآلية سياسية متكررة في تاريخ الاستبداد: انتقال السلطة من الاعتماد على القوة العارية إلى البحث عن شرعية يصنعها آخرون لها.
    وهذا هو موضع السؤال في "الحوار السوداني ـ السوداني" الذي دعا إليه الدكتاتور عبد الفتاح البرهان. فنحن لا نتعامل مع سلطة مدنية منتخبة دعت المجتمع إلى مناقشة سياسات عامة، بل مع قائد عسكري ديكتاتوري متخلف وصل إلى مركز السلطة عبر ترتيبات ما بعد سقوط البشير ثم قاد انقلاب 25 أكتوبر 2021، ويقود اليوم أحد طرفي حرب مدمرة، بينما ظلت المؤسسة العسكرية التي يقودها في قلب الصراع على مستقبل الدولة. ومن ثم فإن الجيش نفسه، وعلاقته بالسياسة والاقتصاد والدستور، يفترض أن يكون موضوعاً للحوار، لا الجهة التي تحدد شروط الحوار.
    وهنا تكمن المفارقة: كيف تصبح المؤسسة التي ينبغي مساءلة موقعها في الدولة هي نفسها صاحبة الدعوة إلى الحوار حول مستقبل الدولة؟
    وهذه المسألة تصبح أكثر خطورة إذا كان الحوار لا يبدأ بالسؤال عن تفكيك أسباب الحرب وبنية الدولة التي أنتجتها، وإنما من التسليم المسبق ببقاء المؤسسات الأساسية للسودان القديم ثم التفاوض على إعادة ترتيب المجال السياسي حولها. فإذا بقي الجيش محتفظاً بموقعه فوق السياسة، وبقيت الأجهزة الأمنية خارج الرقابة الديمقراطية، واستمرت المصالح الاقتصادية العسكرية، وعادت شبكات النظام السابق والحركة الإسلامية إلى المجال السياسي من خلال مؤسسات الدولة أو القوى المتحالفة معها، فما الذي تغير في بنية السلطة؟ قد تتغير الحكومة والأسماء والتحالفات، لكن الدولة التي أنتجت الانقلابات والحروب تستطيع أن تعيد إنتاج نفسها.
    ومن هنا لا يمكن فصل حوار البرهان عن السؤال الأكبر حول الحرب نفسها. فالحوار الجاد لا يمكن أن يصبح مجرد مسار سياسي موازٍ للحرب، بحيث تستمر البنادق في تقرير موازين القوة على الأرض بينما يجلس بعض المدنيون لمناقشة شكل السلطة. إذا كانت السلطة جادة في الحوار، فإن أحد أكثر الأسئلة بداهة هو: هل تقبل أن يكون إنهاء الحرب نفسها، ووقف القتال، وحماية المدنيين، ووضع المؤسسة العسكرية تحت سلطة دستورية مدنية، وإعادة بناء جيش وأجهزة أمنية جديدة من القضايا التأسيسية التي لا يملك العسكري حق استبعادها؟
    فالمشكلة ليست أن الجيش مؤسسة ينبغي إلغاؤها، بل العكس: السودان يحتاج إلى جيش قومي مهني. لكن هناك فرقاً جوهرياً بين الدفاع عن وجود جيش وبين الدفاع عن البنية التاريخية للمؤسسة العسكرية كما تشكلت داخل السودان القديم. الأول ضرورة للدولة الحديثة؛ والثاني موقف سياسي يحافظ على علاقات القوة والامتياز التي ساهمت في إنتاج الانقلابات والحروب.

    وهنا تبرز مسألة الإسلاميين وشبكات النظام السابق. فإذا كان الحوار سيفتح الطريق أمام عودة القوى التي حكمت السودان ثلاثة عقود، فمن حق السودانيين أن يسألوا: هل نحن أمام عملية لتأسيس دولة جديدة، أم إعادة تدوير للنظام القديم تحت مظلة سياسية جديدة؟
    المسألة ليست إقصاء المواطنين بسبب أفكارهم؛ فالديمقراطية لا تقوم على الإقصاء الأيديولوجي. لكنها لا تعني أيضاً تبييض تجربة الإنقاذ أو إعفاء الحركة الإسلامية وشبكاتها السياسية والأمنية والاقتصادية من مسؤوليتها عن الاستبداد والحروب والقمع وتقويض الديمقراطية. فالحق الفردي في العمل السياسي شيء، وإعادة تمكين منظومة سلطة سابقة شيء آخر. وقد أتاحت سلطة البرهان، بدلاً من تفكيك هذا الإرث، عودة شبكات من النظام السابق إلى مؤسسات الدولة والمجال العام
    لذلك فالمصالحة الديمقراطية لا تعني النسيان، والتعددية لا تعني إعادة تمكين من قوضوا الديمقراطية. وإعادة النظام القديم من دون عدالة ومحاسبة وتفكيك بنيته الأمنية والاقتصادية والمؤسسية ليست مصالحة وطنية، بل إعادة إنتاج للاستبداد، ويتحمل نظام البرهان مسؤولية سياسية عن فتح الطريق أمام هذا الارتداد.
    وهنا تصبح مسؤولية المثقف والأكاديمي أكثر حساسية. فالسلطة لا تحتاج دائماً إلى مؤيد معلن؛ قد يكون الأكاديمي المستقل والمحترم أكثر فائدة لها، لأن مشاركته تمنح العملية ما تفتقر إليه السلطة العسكرية: المصداقية المدنية. وهذا ما يفسره بيير بورديو بمفهوم رأس المال الرمزي؛ فالمثقف لا يملك السلاح، لكنه يملك السمعة والاعتراف والقدرة على إنتاج المعنى. وقد يعتقد أنه يستخدم مساحة النظام لتغييره، بينما يستخدم النظام مكانته لإضفاء الشرعية على نفسه.
    لذلك يصبح الاختبار واضحاً: إذا شارك المثقف في حوار البرهان، فهل يستطيع القول إن الجيش لا يملك حق الوصاية على السياسة؟ وهل يستطيع المطالبة بإعادة تكوين الجيش والأمن من جديد، وهل يستطيع رفض استمرار الحرب وسيلةً لإعادة تشكيل الدولة، ورفض عودة شبكات النظام السابق من دون مساءلة، والتأكيد أن انقلاب 25 أكتوبر لا يؤسس شرعية دستورية، وأن السلطة التأسيسية ملك للشعب لا لمن يملك السلاح؟
    إذا كانت هذه القضايا خارج حدود الحوار، فالمشكلة ليست في إدارته، بل في طبيعته وغاياته. فالحوار الذي يناقش الحكومة ولا يناقش موقع الجيش وطبيعة الدولة لا يعيد تأسيس السلطة، بل يعيد ترتيبها؛ والذي يعيد شبكات النظام السابق بلا مساءلة لا يصنع انتقالاً، بل يرمم النظام القديم؛ والذي يجري بينما تظل الحرب والسلاح مصدر القوة السياسية يجعل السياسة امتداداً لموازين القوة العسكرية.
    فالحوار الذي يناقش تشكيل الحكومة من دون أن يناقش موقع الجيش في السلطة وطبيعة الدولة نفسها لا يؤسس نظاماً جديداً، بل يعيد توزيع المواقع داخل النظام القائم. والحوار الذي يسمح بعودة شبكات النظام السابق من دون مساءلة لا يصنع انتقالاً ديمقراطياً، بل يعيد تأهيل النظام القديم. أما الحوار الذي يجري بينما تظل الحرب والسلاح مصدر القوة والنفوذ، فإنه لا ينقل السياسة إلى المجال المدني، بل يجعلها خاضعة لموازين القوة العسكرية.
    وهنا تكمن خطورة الثقافة حين تفقد استقلالها النقدي: يستطيع القانوني أن يمنح الاستثناء شرعية قانونية، والفيلسوف أن يمنح الاستبداد لغة الضرورة، والكاتب أن يصوغ سردية السلطة، والصحفي أن يحولها إلى "رأي عام"، والفنان أن يحول الحرب إلى بطولة منفصلة عن ضحاياها، بينما تمنح الجامعة هذه العملية كلها هيبة المعرفة واحترامها.

    ولهذا فإن السؤال في السودان لا ينبغي أن يقتصر على: من يحمل السلاح؟ بل يجب أن يمتد إلى سؤال آخر: من ينتج اللغة التي تجعل استمرار بنية السودان القديم يبدو طبيعياً؟
    هناك من يصنع الحرب، ومن يسميها حرب الكرامة. هناك من يحتفظ بالسلطة، ومن يسمي ذلك حماية للدولة. وهناك من يرفض إخضاع الجيش للسلطة المدنية، ومن يقدم ذلك باعتباره دفاعاً عن المؤسسة الوطنية. وهناك من يعيد شبكات النظام السابق إلى المجال العام، ومن يسمي ذلك توسيعاً للمشاركة. ثم قد يأتي المثقف ليجمع هذه الوقائع داخل لغة "الواقعية السياسية" و"الحوار السوداني ـ السوداني".
    وعندها تحدث أخطر عملية في السياسة: إعادة تسمية القديم بحيث يبدو جديداً.
    ومن هنا تأتي المسؤولية الخاصة للأكاديميين والمثقفين المشاركين في حوار البرهان. ليس المطلوب اتهامهم بالفاشية، ولا مساواة من يجلس في لجنة حوار بمن يرتكب القتل أو الاعتقال. المطلوب سؤال أكثر دقة وعدلاً: ما الوظيفة الموضوعية التي يؤديها وجودكم داخل هذه العملية؟
    هل تستخدمون مكانتكم لتغيير شروط السلطة، أم تستخدم السلطة مكانتكم لتغيير صورتها؟
    هل الحوار مدخل لإنهاء الحرب وتفكيك أسبابها، أم وسيلة لإنتاج ترتيب سياسي يسمح باستمرار البنية العسكرية والأمنية القديمة؟
    هل ستصبح المؤسسة العسكرية موضوعاً للمساءلة وإعادة البناء، أم ستبقى فوق الحوار بوصفها حقيقة لا يجوز المساس بها؟
    هل ستؤسس العملية لدولة المواطنة والديمقراطية والعلمانية واللامركزية والعدالة التاريخية، أم ستعيد ترتيب النخب حول مؤسسات السودان القديم؟
    وهل تستطيعون الانسحاب عندما تكتشفون أن أسماءكم أصبحت أهم بالنسبة إلى السلطة من الأفكار التي تحملونها؟
    هنا تكمن إحدى أهم حقائق تاريخ الاستبداد: القوة لا تبحث دائماً عمن يصفق لها؛ ففي مرحلة معينة يصبح المصفق قليل القيمة. ما تحتاج إليه حقاً هو الشخص المعروف باستقلاله واحترامه لكي يجلس إلى جوارها.
    فالدبابة تستطيع أن تفرض السلطة، لكنها لا تستطيع أن تمنحها الشرعية.
    وهنا، تحديداً، يصبح المثقف مهماً .

    خيانة المثقفين
    قبل أن تبلغ الفاشية الأوروبية ذروتها، نشر جوليان بندا عام 1927 كتابه الشهير "خيانة المثقفين" محذراً من اللحظة التي يتخلى فيها المثقف عن وظيفته النقدية ويضع المعرفة في خدمة القومية المتعصبة والسلطة والمصلحة السياسية. كانت فكرته الأساسية أن خطورة المثقف لا تكمن في امتلاكه القوة المباشرة، بل في قدرته على جعل القوة تبدو معقولة ومشروعة وضرورية.
    وهذا المدخل شديد الأهمية لفهم دور النخب الأكاديمية في الأنظمة الدكتاتورية والسلطوية. فالجنرال يقول إنه يحمي الدولة، ثم يأتي أستاذ العلوم السياسية ليقول إن "المرحلة الانتقالية تتطلب الواقعية" و"التوافق". ويقول العسكري إن الظروف لا تسمح بالحكم المدني الآن، فيأتي القانوني ليتحدث عن "الفراغ الدستوري". ويحدد الحاكم العسكري شروط الحوار، فيقال إن المهم هو "جلوس السودانيين جميعاً حول طاولة واحدة". وعند نهاية هذه السلسلة يختفي السؤال الأصلي: من أعطى العسكري أصلاً الحق في تحديد قواعد العملية السياسية ومستقبل الدولة؟
    وهذا هو السؤال الذي يطرح نفسه اليوم مع "الحوار السوداني ـ السوداني" الذي دعا إليه عبد الفتاح البرهان. فقد تحدثت تقارير عن مشاركة أو ترشيح أكاديميين وقانونيين ومثقفين وشخصيات عامة معروفة، بينهم قاسم بدري، ونبيل أديب، والواثق كمير، ومحمد جلال هاشم، ونور الدين ساتي، ومضوي إبراهيم، وعثمان ميرغني، وغيرهم. ولا يجوز اعتبار مجرد ورود اسم أي شخص في القوائم دليلاً على تأييده للبرهان أو قبوله النهائي بالمشاركة حتي، كما لا يجوز مساواة هؤلاء بجنتيلي أو هايدغر أو شميت. المقارنة هنا ليست اتهاماً أخلاقياً جاهزاً، بل سؤالاً عن الوظيفة السياسية للمكانة الأكاديمية داخل عملية يطلقها ويسيطر على إطارها صاحب السلطة العسكرية نفسها.
    فالبرهان لا يدعو إلى الحوار بوصفه مواطناً عادياً أو وسيطاً محايداً. هو القائد العام للجيش، ورأس السلطة العسكرية القائمة، وقائد انقلاب 25 أكتوبر 2021 الذي أطاح بالترتيبات الانتقالية المدنية ـ العسكرية. ولذلك فإن أي حوار يرعاه يطرح منذ البداية مسألة اختلال القوة: هل يشارك الأكاديميون والمثقفون في عملية تستطيع فعلاً مساءلة موقع الجيش في الحكم، أم يدخلون عملية يحدد العسكري مجالها وحدودها ثم تستفيد سلطته من وجودهم لتقديمها بوصفها عملية وطنية مستقلة؟
    وتظهر المفارقة بوضوح حين تعلن السلطة نفسها توفير ضمانات قانونية أو أمنية للمشاركين. فإذا كان الحوار حراً، فلماذا يحتاج المواطن إلى حصانة يمنحها له الحاكم حتى يتحدث؟ الدولة الديمقراطية لا تقول للمواطن: تعال انتقدني وسأتعهد بعدم اعتقالك. بل تقوم على مبدأ أعمق: ليس من حق السلطة أصلاً أن تعاقبك لمجرد رأيك السياسي. والفرق بين الأمرين هو الفرق بين الحق والمنحة؛ فالحق سابق على الحاكم، أما المنحة فيمنحها الحاكم ويمكنه سحبها.
    وهنا يبدأ الامتحان الأخلاقي الحقيقي للمثقف. فالسؤال الموجه إلى الأكاديميين ليس: هل أنتم مع البرهان أم ضده؟ قد لا يكون كثير منهم مؤيداً له أصلاً. السؤال الأصعب هو: هل تستطيعون منع السلطة من استخدام أسماءكم وسمعتكم واستقلالكم لتقديم عملية سياسية خاضعة لها باعتبارها عملية مستقلة؟
    قد يدخل الأكاديمي الحوار معتقداً أنه يستخدم قربه من السلطة لتوسيع المجال السياسي، لكن الاحتمال المعاكس يظل قائماً: أن تستخدم السلطة قربه منها لتوسيع مجال شرعيتها. وهنا يصبح مفهوم بيير بورديو عن رأس المال الرمزي بالغ الأهمية. فالأكاديمي لا يملك دبابة ولا جهاز أمن، لكنه يملك السمعة، والمصداقية، والاعتراف الاجتماعي، والسلطة المعرفية. وعندما تدخل هذه الموارد إلى عملية ترعاها سلطة مطعون في شرعيتها، فقد تنتقل إليها بعض شرعية أصحابها، حتى من دون قصدهم او وعيهم.
    ومن زاوية أخرى، يساعد أنطونيو غرامشي على فهم المسألة. فالسلطة لا تعتمد على القهر وحده، بل تحتاج إلى الهيمنة: أي جعل رؤيتها للعالم تبدو طبيعية ومقبولة وكأنها المصلحة العامة. وهنا يصبح دور المثقف أساسياً. ليس ضرورياً أن يكون موظفاً في الحكومة أو مؤيداً معلناً لها؛ قد يشارك ببساطة في إنتاج اللغة التي تجعل استمرار الجيش في السياسة يبدو "واقعاً لا يمكن تجاوزه"، أو تجعل تأجيل إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية "ضرورة بسبب الحرب"، أو تجعل بقاء الدولة المركزية القديمة "حماية للوحدة والاستقرار". عندها تختبئ المصالح القديمة داخل كلمات كبيرة مثل الدولة والسيادة والوحدة والواقعية
    وتضيف حنة أرندت بعداً آخر من خلال مفهوم تفاهة الشر. فهي لم تقل إن الشر تافه، بل بينت كيف يمكن للجرائم والهياكل القمعية أن تستمر من خلال أفعال يومية يقوم بها أشخاص يظنون أنهم لا يفعلون سوى أداء أدوارهم المهنية. قد يقول الأكاديمي: أنا فقط أكتب الورقة، أو أدير الجلسة، أو أرتب جدول الأعمال، أو أبحث عن مساحة مشتركة، أو أحاول وقف الحرب. لكن السؤال الأرندتي يظل قائماً: إلى ماذا يسهم مجموع هذه الأفعال في النهاية؟ هل يفتح الطريق أمام تفكيك السلطة غير الديمقراطية، أم يساعد هذه السلطة على إعادة تعريف نفسها بصورة أكثر قبولاً؟

    ويصبح هذا السؤال أكثر أهمية إذا استحضرنا تيودور أدورنو، الذي انشغل بعد الحرب العالمية الثانية بكيفية منع عودة الفاشية. فالفاشية، في درسه الأعمق، لا تحتاج إلى العودة بالاسم نفسه أو بالزي نفسه. قد يسقط الحزب، وقد يرحل الديكتاتور، وقد تتغير الشعارات، لكن إذا بقيت المؤسسات والثقافات السياسية والعلاقات الاجتماعية التي صنعت الاستبداد، فإن إمكانية عودته تظل قائمة.
    السؤال الحقيقي في السودان بعد سقوط عمر البشير ليس ما إذا كان الرجل قد ذهب، بل ما إذا كانت الدولة التي جعلت البشير ممكناً قد تغيرت. فإذا بقيت وصاية الجيش على السياسة، واستقلال الأجهزة الأمنية عن الرقابة الديمقراطية، والاقتصاد العسكري، وتقييد حرية التعبير، وعجز المواطن عن تغيير الحاكم بوسائل دستورية، فإن سقوط رأس النظام لا يعني سقوط بنيته أو منطقه.
    وهنا يظهر أحد أخطر أدوار المثقف في الأنظمة السلطوية: إعادة تسمية الواقع بما يجعله مقبولاً. فيصبح الانقلاب "تصحيحاً للمسار" والحكم العسكري "مرحلة انتقالية"، وتدخل الجيش في السياسة "حماية للدولة"، والحوار الذي يحدده العسكري حواراً وطنياً"، والإفراج الانتقائي عن المعارضين "تهيئة للمناخ". عندها قد يصبح المثقف أكثر فائدة للسلطة من ضابط الأمن؛ فالأخير يصنع الخوف، بينما يستطيع الأول أن يصنع القبول والتطبيع.
    لكن التاريخ يقدم نموذجاً آخر؛ فقد رفض كثير من المثقفين والأكاديميين والفنانين التكيف مع الفاشية والنازية والديكتاتوريات، وانتقل بعضهم من النقد إلى المقاومة ودفع ثمناً باهظاً. وتؤكد تجاربهم أن المعرفة ليست بالضرورة أداة للتواطؤ؛ فالجامعة والثقافة قد تمنحان الاستبداد شرعية، وقد تصبحان أيضاً فضاءً لمقاومته وكشفه.

    النوايا الحسنة لا تكفي
    لا تكفي النوايا الحسنة لتحديد القيمة السياسية للمشاركة. فقد يدخل الأكاديمي حوار البرهان بهدف مشروع هو وقف الحرب، لكنه قد يكتشف أن السلطة تستخدم اسمه ومكانته لمنح العملية شرعية مدنية تفتقر إليها. لذلك لا يكفي أن يسأل المثقف: ما نيتي من المشاركة؟ بل عليه أن يسأل أيضاً: ماذا تفعل مشاركتي سياسياً، وكيف يمكن للسلطة أن تستخدم وجودي؟
    ومن منظور مشروع السودان الجديد في تقديرنا، لا يبدأ الحوار الحقيقي بجمع أسماء مرموقة حول طاولة، بل بالاتفاق على المبادئ المؤسسة لدولة مختلفة: المواطنة المتساوية، والدولة العلمانية الديمقراطية، واللامركزية، والمحاسبة والعدالة التاريخية، وحق تقرير المصير، والتوزيع العادل للسلطة والثروة، والاعتراف بالتعدد السوداني، وإعادة بناء الجيش والأمن على أسس قومية ومهنية جديدة وخضوعهما الكامل للسلطة المدنية الدستورية. فالحوار الذي يترك البنية التي أنتجت الحرب والاستبداد خارج النقاش لا يؤسس انتقالاً، بل يعيد ترتيب السودان القديم.
    ومن هنا يكون الاختبار الحقيقي لجدية البرهان في الحوار هو استعداده لقبول نتائج تنهي سلطته السياسية نفسها: هل يقبل وقف الحرب؟ هل يقبل أن يصبح دور الجيش السياسي وامتيازاته الاقتصادية موضوعاً للنقاش؟ وهل يقبل، من حيث المبدأ، أن تنتهي العملية بخروج المؤسسة العسكرية من الحكم وخضوعها للسلطة المدنية؟ وإذا كان الصحفي لا يستطيع انتقاد البرهان بحرية، والمعارض يحتاج إلى عفو أو ضمان منه، والمواطن يمكن أن يُلاحق بسبب موقفه من الحرب، فإن المشكلة لا تعالج بمنح المشاركين "حصانة" مؤقتة ومشروطة؛ لأن الحرية في الدولة الديمقراطية حق وليست منحة من الحاكم.
    ولهذا فإن السؤال الموجه إلى من يشارك أو يفكر في المشاركة لا يتعلق بنياته، بل بالوظيفة السياسية لمشاركته: هل يستخدم مكانته لتوسيع قدرة المجتمع على مساءلة السلطة، أم تستخدم السلطة اسمه لتعزيز شرعيتها؟ وهل يجعل الجيش نفسه موضوعاً للمساءلة، أم يسهم وجوده في تحويل السلطة العسكرية من طرف ينبغي مساءلته إلى راعٍ للعملية السياسية؟
    وهنا يصبح سؤال إدوارد سعيد عن مسؤولية المثقف في قول الحقيقة للسلطة شديد الصلة بالسودان. فالمثقف لا ينبغي أن يسأل فقط: كيف أصل إلى طاولة الحوار؟ بل: من صنع الطاولة؟ من حدد المشاركين؟ من استُبعد؟ ومن يملك السلاح والأجهزة والمحاكم التي تستطيع معاقبة من يرفض قواعد اللعبة أو نتائجها؟ هذه الأسئلة هي التي تفصل الحوار الديمقراطي عن المسرح السياسي.

    اخيرا: حين يصبح رفض الحوار دفاعاً عن الديمقراطية
    السودان يحتاج إلى حوار حقيقي، لكن ليس كل ما يسمى حواراً يقود إلى الديمقراطية. فالسؤال الحاسم ليس من يجلس حول الطاولة، بل من يملك شروطها، ومن يحدد حدود النقاش، وما الذي يُسمح بمساءلته وما الذي يبقى محصناً منه. ولا يستقيم أن تكون سلطة عسكرية هي طرف في الحرب، وموضوعاً أصيلاً للمساءلة السياسية والتاريخية، هي نفسها الراعي للعملية التي يفترض أن تقرر مستقبل الدولة وموقع الجيش فيها.
    ومن هنا فإن رفض الحوار الذي يدعو إليه البرهان هو رفضٌ لاستخدام الحوار أداةً لإعادة شرعنة الحكم العسكري الديكتاتوري. فالمشكلة ليست في الأسماء المشاركة ولا في كفاءتها، وإنما في طبيعة السلطة التي تصنع إطار العملية وتحتاج إلى حضور شخصيات مدنية وأكاديمية ذات وزن في المجتمع لمنحها مصداقية لا تستمدها من تفويض شعبي.
    وهنا تقع المسؤولية التاريخية للمثقفين والأكاديميين. فالتاريخ لن يسأل فقط عما قالوه داخل الاجتماعات، بل ماذا منح وجودهم لهذه الاجتماعات: هل جعلوا السلطة العسكرية موضوعاً للمساءلة، أم أسهم حضورهم في تحويلها من طرف ينبغي مساءلته إلى راعٍ شرعي لمستقبل السودان؟
    فقد يسقط البشير وتبقى الدولة التي جعلته ممكناً، وقد يختفي المؤتمر الوطني وتعود شبكاته، وقد تتغير الشعارات بينما تستمر وصاية الجيش والمركزية والاقتصاد العسكري والأجهزة الأمنية. فالسودان القديم، حين يعجز عن العودة باسمه القديم، يستطيع أن يعود بأسماء جديدة، ولغة جديدة، ووجوه مدنية تمنحه شرعية جديدة.
    وهنا يُمتحن المثقف: ليس فيما يقوله للسلطة فقط، بل في قدرته على رفض أن تستخدم السلطة اسمه ومكانته لتقول عن نفسها ما لا تستطيع إثباته بأفعالها: أن الاستبداد أصبح حواراً، وأن الوصاية العسكرية أصبحت انتقالاً، وأن إعادة إنتاج السودان القديم أصبحت طريقاً إلى الديمقراطية.

    النضال مستمر والنصر اكيد.

    (أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)
























                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث المقالات بسودانيزاونلاين اليوم
فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to bakriabubakr@cox.net

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de