ثمّةَ شيءٌ مُضحِكٌ ــ ومُبكٍ في الوقت نفسه ــ في السياسة السودانيّة: كلّما أراد نظامٌ عسكريٌّ أن يفتح نافذةً للحوار، اكتشف أنّه يحتاج أوّلًا إلى اختراعِ غرفةٍ يجلس فيها المتحاورون! في عام 2015، دخل المخلوع إلى ما عُرف بالحوار اللاوطني وفي جيبه دفترٌ أكثر امتلاءً بالأسماء. أمّا عبد الفتّاح البرهان، فيدخل إلى حوار 2026 وكأنّه يبحث في الخرطوم عن «قائمة احتياط» لم تكتمل بعد. الفارق بين الرجلين ليس في فكرة الحوار وحدها؛ فالمخلوع كان يملك ما يمكن تسميته، بسخريةٍ سياسيّة، «أحزاب الفَكّة»: أحزابٌ صغيرة، وانشقاقاتٌ حزبيّة، وواجهاتٌ سياسيّة متحالفة مع المؤتمر الوطني، وأجسامٌ كانت قادرةً على ملء القاعة وإعطاء المشهد مظهرًا من التنوّع. وتشير الدراسات عن حوار البشير إلى أنّ أحزابًا عديدة كانت أصلًا مشاركةً مع المؤتمر الوطني في الحكومة، وأنّ بعضها قبل الحوار سريعًا ومن دون شروط تُذكر. بل إنّ صيغة «7+7» نفسها قامت على سبعة ممثلين للحكومة الانقلابية وحلفائها وسبعة ممثلين لقوى المعارضة المشاركة، في محاولة لصناعة توازنٍ سياسيٍّ يسمح للحوار بأن يبدأ، ولو على الورق. وكان المخلوع، لذلك، أكثر حظًّا من خلفه: إذا احتاج إلى معارضةٍ داخل الحوار، وجد لها عنوانًا؛ وإذا احتاج إلى حزبٍ جديد، وجد انشقاقًا قديمًا؛ وإذا احتاج إلى واجهةٍ مدنيّة، فالمؤتمر اللاوطني نفسه كان مصنعًا لا ينضب للواجهات. أمّا البرهان فمشكلته أكثر تعقيدًا. إنّه يريد حوارًا، لكنّه لا يريد أن يرث بالضرورة كلّ حلفاء المؤتمر اللاوطني؛ يريد الاستفادة من البنية السياسية التي كانت سندًا للسلطة القديمة، من دون أن يدفع ثمن الاقتران الكامل بها. يريد التخلّص من حاضنة المؤتمر اللاوطني ومن بعض مكوّنات الكتلة الديمقراطية سياسيًّا، مع الاحتفاظ بما يستطيع أن يقدّمه هؤلاء من وزنٍ في ميزان الشرعية. وهنا تبدأ المتاهة. فالبرهان لا يستطيع أن يقول: «نريد حوارًا مع الفلول»، لأنّ ذلك يضع الحوار منذ لحظته الأولى داخل صندوقٍ سياسيٍّ مغلق. وفي الوقت نفسه لا يستطيع أن يقول: «لا نريد الفلول»، ثم يكتشف أنّ جزءًا معتبرًا من ماكينة الحشد السياسي الموجودة في معسكره تدور، بصورةٍ مباشرةٍ أو غير مباشرة، حول القوى التي صنعتها سنوات اللاإنقاذ. فتصبح المعادلة العبثيّة: نريد الحاضنة، ولكن من دون اسم الحاضنة؛ نريد الكتلة، ولكن من دون بعض مكوّناتها؛ نريد المدنيين، ولكن بشرط ألا يكونوا مدنيين أكثر من اللازم! وهكذا يتحوّل الحوار من البحث عن شركاء سياسيين حقيقيين إلى البحث عن أسماء تصلح للجلوس أمام الكاميرات. وهذه هي نقطة الاختلاف الأساسية مع البشير. المخلوع كان يمتلك فائضًا من الأجسام السياسية الصغيرة يستطيع أن يضعها حول الطاولة، حتى وإن كانت أحجامها الجماهيرية محدودة. وقد افتُتح حواره الوطني في أكتوبر 2015 بمشاركة قوى سياسية، في مقابل مقاطعة قوى أخرى أساسية مثل حزب الأمة القومي والحزب الشيوعي وعدد من الحركات المسلحة. أما البرهان، فيواجه مشكلة الندرة. ليست ندرةً في الأشخاص؛ فالأشخاص كثيرون. إنّها ندرةٌ في الحواضن السياسية. يمكنك أن تجد عشرات الشخصيات المستعدة للحديث، ومئات الراغبين في الظهور، وربما آلافًا من أصحاب المواقف السياسية المرنة. لكن السؤال الأصعب هو: كم واحدًا منهم يستطيع أن يأتي إلى الطاولة ومعه حزبٌ حقيقي، وقاعدةٌ اجتماعية، وامتدادٌ جماهيري، وشرعيةٌ سياسية تتجاوز صورته الشخصية؟ وهنا يصبح الفرق بين «الحوار» و«تعبئة المقاعد» واضحًا جدًّا. المخلوع كان يستطيع أن يملأ القاعة بالأحزاب الصغيرة والواجهات والانشقاقات؛ أمّا البرهان فقد يجد نفسه مضطرًّا إلى ملء القاعة بالأفراد. والفرد، مهما كان محترمًا، ليس حزبًا. والشخصية العامة، مهما كانت معروفة، ليست حاضنةً سياسية. والصورة الجماعية في قاعة المؤتمر لا تتحول تلقائيًّا إلى شرعيةٍ جماهيرية بمجرد أن تُلتقط لها صورةٌ من زاويةٍ واسعة! وهنا تحديدًا تكمن مفارقة البرهان الكبرى. إنّه يريد أن يتجاوز تجربة المخلوع، لكنه يجد نفسه مضطرًّا إلى إعادة إنتاج بعض أدواتها. يريد حوارًا جديدًا، لكن شروط الواقع تدفعه إلى الاستعانة بأجزاء من المطبخ الانتهازى القديم. يريد التخلص من إرث المؤتمر اللاوطني، لكنه يحتاج إلى القوى التي نشأت أو تمددت في فضائه. يريد بناء شرعية جديدة، لكنّه لا يملك حتى الآن ماكينةً حزبيةً جديدة تستطيع إنتاج هذه الشرعية. وقد ظهرت بالفعل إشارات إلى هذه المعضلة في المشاورات التي جرت خلال 2026؛ فقد تحدثت تقارير عن اتصالات مع قوى وكتل سياسية ومدنية ورموز اجتماعية، وعن إعداد لجنة تحضيرية لحوار سوداني، في وقتٍ ظلّت فيه أطراف سياسية أخرى خارج هذا المسار أو متحفظة عليه. والأكثر دلالةً أنّ البرهان التقى بالكتلة الديمقراطية، وطرح معها فكرة الحوار السوداني الشامل، بينما ظلت العلاقة مع مكوّنات أخرى من المشهد السياسي موضع شدٍّ وجذب. أي أنّ الرجل يريد أن يفكّ الارتباط بالحاضنة القديمة، من دون أن يفقد قدرتها على إنتاج المشهد السياسي الذي يحتاجه. وهذه ليست معادلةً سهلة. فالمخلوع نفسه دفع ثمن هذه اللعبة في النهاية. لم يكن سقوط نظامه سببه الحوار اللاوطني وحده بالطبع؛ فالسقوط كان نتيجة تراكمات اقتصادية وسياسية واجتماعية وحربٍ وأزمة شرعية واحتجاجاتٍ شعبية واسعة. لكنّ تجربة الحوار لم تنتج التسوية السياسية التي كان يُفترض أن تمنح النظام عمرًا جديدًا. وبقي الحوار، في نظر قطاعات واسعة من المعارضة، جزءًا من إدارة الأزمة أكثر من كونه مدخلًا إلى تغيير قواعد السلطة. وكانت الدراسة اللاحقة لمخرجات الحوار تشير إلى ضخامة التوصيات، لكن ذلك لم يتحول إلى معالجةٍ حقيقية لأزمة النظام السياسي. وهنا تكمن المفارقة التاريخية التي ينبغي أن تقلق البرهان: إذا استنسختَ أداة المخلوع، فلا تتوقع أن تحصل على نتيجةٍ مختلفة لمجرد أنّ صاحب الأداة تغيّر. فالمشكلة ليست في عدد المقاعد. وليست في عدد الأحزاب التي ستُكتب أسماؤها في البيان الختامي. وليست في عدد الشخصيات التي ستتصدر صور المؤتمر. المشكلة في السؤال الأكبر: هل الحوار طريقٌ لإعادة تأسيس الدولة، أم طريقةٌ لإعادة ترتيب السلطة داخل المعسكر المنتصر؟ إذا كان الحوار هو الثاني، فسيكون البرهان قد دخل متاهة المخلوع من الباب نفسه، وإن غيّر لافتة المحل. ثمّ يظهر حميدتي من الجهة الأخرى! وكأنّ المسرح السوداني لا يحتمل بطلًا واحدًا في متاهة الحوار، بدأت ملامح مسارٍ آخر في الظهور حول محمد حمدان دقلو «حميدتي» وتحركاته الإقليمية والسياسية. ففي فبراير 2026 ظهر حميدتي في جولةٍ أفريقية، والتقى الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني، وتحدث عن جهود للسلام وعن مبادرات إقليمية، في سياقٍ سياسي يتجاوز مجرد الحركة العسكرية. ومن هنا يمكن قراءة تحركات جوبا والاتصالات واللقاءات المتزايدة باعتبارها جزءًا من سباقٍ على صناعة مسار سياسي موازٍ؛ أي أنّ حميدتي لا ينتظر أن ينتهي البرهان من ترتيب طاولة حواره حتى يبحث هو عن طاولة أخرى. وهذا أخطر ما في المشهد. فالبرهان يقول، عمليًّا: أنا أرتّب الحوار داخل مناطق نفوذي. وحميدتي يقول، عمليًّا: وأنا أرتّب مساري السياسي والإقليمي خارجها. وبين الطاولتين يقف السودان، لا يعرف أيُّهما سيصبح طاولة الحوار وأيُّهما سيصبح طاولة تقسيم النفوذ. لذلك فإنّ «حوار البرهان 2026» قد لا تكون مشكلته الأساسية أنّ المعارضة ترفضه، ولا أنّ المؤيدين له قليلون؛ مشكلته الأعمق أنّ المعادلة السياسية التي ورثها لم تعد تسمح له بأن يفعل ما كان المخلوع يفعله بسهولة نسبيّة. المخلوع كان يملك ماكينةً شمولية ضخمة تنتج حلفاء وواجهات وانشقاقات. البرهان يملك مؤسسةً عسكريةً، وشبكةً من الحلفاء، وشخصياتٍ سياسيةً متفرقة؛ لكنه لا يملك حتى الآن آلةً سياسيةً متماسكة تستطيع تحويل هذه العناصر إلى مشروع حكم قابل للحياة الى السقوط والنزول فى الاصلاحية. ولهذا تبدو قائمته السياسية كأنّها قائمة مطعمٍ في آخر الليل: الوجبات قليلة، والزبائن كثيرون، والطاهي مصرٌّ على أنّ الحفل سيبدأ بعد قليل! والمفارقة أنّ محاولة البرهان التخلص من المؤتمر اللاوطني والكتلة الديمقراطية قد تعيده إليهما من النافذة، لأنّ البديل السياسي المنظم ليس جاهزًا بعد. فإذا رفض «الفكة»، ولم يجد «الأصل»، فماذا يبقى؟ الأفراد. والأفراد لا يصنعون حوارًا وطنيًّا مهما بلغ عددهم. قد يصنعون مؤتمرًا. قد يصنعون بيانًا. قد يصنعون صورةً جماعيةً ممتازة. لكنّهم لا يستطيعون وحدهم صناعة شرعيةٍ سياسيةٍ جديدة. وهنا تحديدًا يقف البرهان أمام مفارقته الكبرى: هو يريد أن يتخلص من تجربة المخلوع، لكنه لا يزال يبحث عن طريقةٍ ليستخدم أدواتها؛ ويريد أن يهرب من حاضنة الماضي، لكنه لم يجد بعد حاضنةً للمستقبل. أما حميدتي، فيرتب طاولته في جهةٍ أخرى. والقوى الانتهازية تحاول أن تجد مكانًا بين الطاولتين. والسودانيون، كعادتهم، مطالبون بأن يصدقوا أنّ هذه المرة لن تكون مختلفة. ولعلّ العبارة الوحيدة التي تصلح خاتمةً لهذا المشهد هي: في السودان، كلُّ حوارٍ يبدأ بسؤال: «من سيجلس؟»، بينما السؤال الذي لا يريد أحدٌ الإجابة عنه هو: «ومن يملك حقّ الكلام باسم السودانيين؟» وهنا تبدأ المتاهة. وهنا أيضًا، غالبًا، يبدأ سقوط الذين يظنون أنّ ترتيب الكراسي هو ترتيبٌ للوطن.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة