مقهى وحلواني جروبي في وسط القاهرة، أحد أعرق وأشهر المقاهي المصرية، أسسه السويسري جياكومو جروبي في أواخر القرن التاسع عشر، وظل لعقود ملتقى للمثقفين والكتاب والأدباء وأصحاب الفكر. وكان لمدينة الأبيض أيضًا مقهى وحلواني يحمل الاسم نفسه، وكان من معالمها القديمة التي يقصدها زوار المدينة. وتحكي الطرفة أن أحد زوار الأبيض قرأ اللافتة «جرو ـ بي»، ففهمها كما تُقرأ، فتحولت إلى نكتة يتداولها أهل المدينة. ومن هنا تأتي تسمية هذا المقال: «حوار جرو ـ بي». فربما بدأ الحوار الذي يقوده الدكتور الواثق كمير Elwathig Kameir ورفاقه في مقهى جروبي بوسط القاهرة، قبل أن ينتقل إلى فندق السلام روتانا في الخرطوم التي دمرتها الحرب! في مقال له، علّق الدكتور الواثق كمير على حديث مني أركو مناوي مني اركو مناوي Mini Arko Minawi حاكم اقليم دارفور Governor of Darfur Region لصحيفة الأفق الجديد، والذي قال فيه إن الحوار بشكله الحالي ولجنته الحالية يكرّسان للانفصال. وقد دافع الدكتور الواثق عن الحوار ولجنته، ورفض ما ذهب إليه مناوي. لكن، في تقديري، فإن الاختلاف بين مناوي والواثق ليس اختلافًا جذريًا في جوهر الأزمة، وإنما اختلاف في الطريقة التي يُراد بها التعامل مع واقع أنتجته الحرب. فمناوي يريد، بصورة أو بأخرى، الإبقاء على الوضع القائم كما هو، بينما يريد الدكتور الواثق ولجنته إضفاء صبغة سياسية وشرعية على هذا الواقع، والقفز فوق حقيقة الحرب ونتائجها الكارثية. وهنا تكمن المشكلة الحقيقية. فالحرب في السودان ليست مجرد خلاف بين نخب سياسية يمكن أن تجلس حول طاولة، وتتبادل الرؤى، ثم تخرج بتسوية تحفظ مواقعها ونفوذها. وراء هذه الحرب ملايين النازحين واللاجئين، وعشرات الآلاف من القتلى، ومدن مدمرة، وبيوت منهوبة، وممتلكات ضائعة، وأسر مفجوعة، وأعراض انتهكت، وأجيال كاملة دفعت ثمن صراع لم تكن طرفًا فيه. لا يجوز أن يتحول كل ذلك إلى مجرد خلفية لمفاوضات بين النخب، ثم تُختزل المأساة السودانية في صفقة سياسية تتقاسم فيها النخب المركزية السلطة والنفوذ. إن أي حوار جاد لإنقاذ السودان يجب أن يبدأ من أصل المأساة، لا من نتائجها السياسية. والترتيب الصحيح، في تقديري، واضح: أولًا: وقف الحرب، بصورة حقيقية ومستدامة، وجعل حماية المدنيين وعودة النازحين واللاجئين إلى ديارهم أولوية لا تقبل المساومة. ثانيًا: حوار عسكري ـ عسكري يعالج أصل مشكلة تعدد الجيوش والمليشيات، وينهي ظاهرة الجيوش الموازية، ويعيد حصر السلاح والقوة العسكرية في يد الدولة ومؤسساتها النظامية. ثالثًا: حوار سياسي شامل، لا يقوم على تقاسم السلطة بين النخب، وإنما على الاتفاق على مبادئ الحكم، وبناء الدولة، وشكلها، وعلاقتها بمواطنيها، وضمان العدالة والمواطنة المتساوية. أما أن نقفز فوق كل هذه المراحل، ونتعامل مع واقع الحرب وكأنه أمر طبيعي، ثم نمنحه عبر الحوار غطاءً سياسيًا أو شرعية جديدة، فذلك ليس طريقًا إلى السلام، وإنما تكريس للأزمة وإعادة إنتاج لها. السودان لا يحتاج إلى حوار بين النخب فقط، بل يحتاج إلى مشروع لإنقاذ الدولة وإنصاف الضحايا وإعادة بناء الوطن. فالحوار الذي يبدأ من كراسي السياسيين ويتجاوز ملايين الضحايا، قد ينتهي باتفاق بين المتحاورين، لكنه لن يصنع سلامًا للسودانيين. والفرق كبير بين أن تتحاور النخب لإنهاء الحرب، وأن تتحاور لتقاسم ما تبقى من السودان بعد الحرب. وهنا يصبح السؤال الحقيقي: هل نحن أمام حوار لإنقاذ السودان، أم «حوار جرو ـ بي» بين النخب
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة