يوم أحتفظت بكاسات قهوة د . منصور بدولاب مكتبي ليس فقط لانها من "جلبرت " أشهر محل بشارع الجمهورية بل لاستيعابي الدرس حينما أرجع الساعي دون ان يرتشفها لان أظافره لم تكن مشذبة ..
ذات الدولاب وبسرعة صاروخية خبأت بداخله كمية من المستندات السرية أذكر منها اتفاقية المصالحة التي وقعت بمدينة بورتسودان بين الرئيس جعفر نميري وزعيم حزب الامة الصادق المهدي والنشرة السرية للقصر الجمهوري وأحدى المجلات نشرت تقرير أبرزت به صورة للسيدة الاولي بإحدى محلات بيع الملابس بباريس وتعليق " زوجة أفقر دولة أفريقية تتسوق بأغلى محلات بيع الثياب الحريرية بباريس " فضل الله رئيس تحرير الصحافة والذي سمى كرئيس لمجلس الادارة والتحرير واظب كسيرة الاولين بان يسمح لي بقراءة الاسرار وحفظها بالدرج الأيسر بمكتبه .
ذات يوم وبدايات انتفاضة ١٩٨٥م تعالت أصوات في محيط جامعة القاهرة فرع الخرطوم المجاورة لدار الصحافة .. موكب هادر يتقدمهم شخصية قانونية معروفة بتوجّهها اليساري أتحفظ عن ذكر أسمه لأني في أحد الاجازات وبعد أكثر من ثلاثون عاما تصادف وجوده ضيفا لصديقة مشتركة فذكرت له الحادثة .. فأرتبك قليلا وصور نفسه بانه كان منقذ لذلك الفضل الله .
هب عمال المطابع وبعض الصحفيين وسائقين للتصدي لذلك الموكب الهادر وهم يحملون ما وقع تحت اياديهم وقطعا كان بينها ادوات حادة من " مفكات وبقايا حديد " كانوا كالأسود الشرسة أغلقوا مكتبنا وأحاطوا به وآخرين بالبوابة الرئيسية للدار وتعالت الاصوات في الأثناء دلفت سريعا لمكتب فضل الله محمد وحملت كل المستندات السرية و التي كان يضعها بأدراج مكتبه الأيسر وخبأتها بذات دولاب الفناجين .. أخرجوه معكوف الايادي ومحاطا بالعمال في جسارة وثقة ..
موقف كان مربك ولله الحمد انه لم يتطور لأكثر من هتاف وهتاف مضاد وتلويح بأقصان شجر النيم التي اقتطعوها من محيط الجامعة وشيء من " مفكات ومنفلات " يحملها عمال المطبعة الملطخة " أبرولاتهم " بالأحبار التي تغذي أوردة كوكبة الأدباء والمثقفين وكل من لديه نهم لتقليب صحف الصباح مع رشفة شاي او قهوة . كان استفتاء علي الطبيعة ودون أي رتوش لاي مدى ممكن ان يضحي عامل بسيط ربما بحياته ليحمي رجل قامة وهو ليس رئيسهم المباشر فالمطابع لها ادارتها المستقلة كما للتحرير .
وصلت الاخبار أنه اقتيد لسجن كوبر وفي اليوم التالي دلف لمكتبي مدير المطابع المهندس يوسف طه والذي تربطه صداقة قوية بفضل الله وكان قد وصل خلفه لسجن كوبر .. وبهمس او فلنقل بلغة الإشارة جاء ليطمئن ان تلك المستندات لم تصل لتلك الايادي وحينما أخبرته بفعلتي تصبب عرقا وكاد يغمى عليه وأنا أعلم انه مصاب بالسكري فسقط علي الكرسي فرحا فبادرته بكاسة ماء ربما لم تعادل قطرات العرق بجببنه حقيقي خانه التعبير وأعتبر ان ما قمت به يفوق حمل أقصان الشجر وادوات " الفتك والمتك " بلغة اليوم .. ورغم ان فضل الله محمد واحد من الذين حملت سيرته رحلة نضال منذ مقاعد الدرس ب " الجميلة ومستحيلة " وشغل عضوية المجلس الأربعيني لاتحاد الطلاب .. وأعتقل اول ايام ثورة اكتوبر ١٩٦٤م وخرج عقب تنحي الرئيس ابراهيم عبود ووقتها كتب النشيد الثوري الخالد حتى يومنا " أكتوبر واحد وعشرين .. يا صحو الشعب الجبار " وتغني بها المبدع محمد الامين .. كما تغني له " قالوا متألم شوية " فنان السودان الكبير عبدالعزيز محمد داوود .. وحينما غادر الوظيفة الرسمية التحق بصديقه الباقر محمد عبدالله ورأس صحيفة الخرطوم التي صدرت من القاهرة .. وفي أحد زيارات مؤسس جريدة الخرطوم الباقر طلب مني الكتابة بها وكان مولد عمودي " ترانيم للوطن " .
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة