تحالف التغيير الجذري- حول إنهاء الحرب في السودان، طوباوية الخطاب السياسي وغياب الواقعية كتبه خالد ك

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 04-03-2026, 10:34 PM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
02-09-2026, 02:12 AM

خالد كودي
<aخالد كودي
تاريخ التسجيل: 01-01-2022
مجموع المشاركات: 239

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين

مكتبة الفساد

من اقوالهم
(مكتبة مفتوحة للتحديث)
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
تحالف التغيير الجذري- حول إنهاء الحرب في السودان، طوباوية الخطاب السياسي وغياب الواقعية كتبه خالد ك

    01:12 AM February, 08 2026

    سودانيز اون لاين
    خالد كودي-USA
    مكتبتى
    رابط مختصر



    تحالف التغيير الجذري- حول إنهاء الحرب في السودان، طوباوية الخطاب السياسي وغياب الواقعية

    8/2/2026 خالد كودي، بوسطن

    قراءة في بيان تحالف التغيير الجذري حول إنهاء الحرب في السودان:
    يتناول هذا المقال بيان "تحالف التغيير الجذري" الصادر مؤخرا في سياق الحرب السودانية "بدون تاريخ"، والذي يطرح تصورًا لإنهاء الصراع وبناء سلطة انتقالية مدنية. سنبدأ المقال بتلخيص أبرز مطالب بيان الجزريين، ثم نفكك بنيته الخطابية والتنظيمية في ضوء نظرية "تصنيع القبول" عند نعوم تشوميسكي، بوصفها إطارًا لفهم كيف تتحوّل اللغة السياسية إلى جهاز لإنتاج "شرعية رمزية" لا تستند إلى أدوات تنفيذ أو تمثيل مؤسسي. نجادل في المقال بأن البيان يعكس نمطًا من الطوباوية السياسية وغياب التحليل البنيوي، والانفصال عن موازين القوى الواقعية، فضلًا عن محاولة إعادة إنتاج مركزية نخبويّة تتجاهل تحولات الفعل السياسي نحو أقاليم الهامش وثورتها خارج الحدود الجغرافية التقليدية للنخب. وسنثبت أن تجاوز الأزمة السودانية يتطلب الانتقال من الخطاب المعياري إلى التخطيط المؤسسي، ومن الشعارات إلى برامج قابلة للتنفيذ، ومن استدعاء الجماهير كرمز تضليلي إلى الاعتراف بها كفاعل متعدد ومتباين المصالح والرؤى.

    أولًا: تلخيص مضمون بيان "تحالف التغيير الجذري"
    يقدّم بيان "تحالف التغيير الجذري" حزمة مطالب تبدو—في ظاهرها—بديهية لأي انتقال سياسي سليم، ويمكن تلخيصها في النقاط الآتية:
    ١/ وقف فوري وشامل لإطلاق النار تحت رقابة "مدنية وشعبية" لضمان حماية المدنيين
    ٢/ تشكيل سلطة مدنية انتقالية من "قوى الثورة ولجان المقاومة"، بعيدًا عن هيمنة العسكر
    ٣/ إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية على أسس قومية ومهنية تخضع للسلطة المدنية، مع حل وتسريح المليشيات
    ٤/ تحقيق العدالة والمحاسبة لكل من تورط في جرائم الحرب والانتهاكات
    ٥/ توجيه الموارد للإغاثة والإعمار وتحسين معاش الناس، تمهيدًا لانتقال ديمقراطي
    ٦/ فتح ممرات إنسانية وتأمين المدن والقرى من المظاهر المسلحة
    ٧/ إصلاح اقتصادي عاجل وتحسين المعيشة وتهيئة الطريق لانتخابات حرة
    من حيث المبدأ، لا خلاف على أن هذه المطالب تمثل "أهدافًا عامة" لأي مسار خروج من الحرب. غير أن المشكلة ليست في "جمال الأمنيات"، بل في كيفية تحويلها إلى سياسة. فالمعضلة تبدأ حين تُقدَّم هذه البنود بوصفها بدائل جاهزة، وكأن الحرب تُدار ببيانات، وكأن وقف إطلاق النار يتأثر بقوة البلاغة أكثر من قوة السلاح.

    ثانيًا: البيان بوصفه خطابًا معياريًا لا برنامجًا سياسيًا
    :(Normative Framework) يُصاغ البيان داخل ما يمكن تسميته الإطار المعياري
    خطاب يصف ما ينبغي أن يكون (العدالة، المدنية، الديمقراطية) لكنه لا يقدّم تصورًا عمليًا لكيفية الانتقال من المبدأ إلى الإجراء. فبيان تحالف التغيير الجزري لا يحدّد:
    - من هي الجهات المسؤولة عن التنفيذ؟
    - ما طبيعة الضمانات القانونية والسياسية؟
    - ما أطر التفاوض والوساطة؟
    - ما مصادر القوة التي ستفرض الالتزام؟
    - كيف تُدار الترتيبات الأمنية؟
    - ما موقع هذه المقترحات في ميزان الصراع القائم؟
    وبذلك يتحول النص إلى ما يشبه "دستور النوايا الحسنة"، وهو نوع من الكتابة السياسية ينجح في استثارة الرضا الأخلاقي لدى المتلقي، لكنه يعجز عن تقديم سياسة عامة قابلة للاختبار. وبشيء من السخرية العلمية: يبدو البيان وكأنه يتخيّل أن الحرب ستخجل من نفسها، ثم تعتذر، ثم تلتزم بالهدنة تحت رقابة "الشعب"؛ وكأن "الشعب" يمتلك أقمارًا صناعية، وقوات فصل، وسلاسل إمداد، ووسائل إلزام قانوني!

    ثالثًا: إشكالية الفاعل السياسي والتمثيل… ومن يملك حق الكلام باسم "الثورة"؟
    من المداخل الأساسية في تحليل أي خطاب سياسي مساءلة الفاعل الذي يصدر عنه: هويته التنظيمية، وقاعدته الاجتماعية، وآليات تفويضه، وقدرته على التحول إلى مؤسسة. وفي هذا المجال، يبرز قصور واضح في خطاب "تحالف التغيير الجذري"
    - لا تعريف دقيق للبنية القيادية.
    - لا توضيح لآليات اتخاذ القرار أو المحاسبة الداخلية.
    - لا بيان لمصادر الشرعية التنظيمية أو لحدود التمثيل.
    ويتفاقم هذا القصور في الطريقة التي تُستدعى بها "لجان المقاومة" بوصفها كيانًا سياسيًا موحدًا قادرًا على تشكيل سلطة انتقالية. والحال أن لجان المقاومة—وفق المعطيات الاجتماعية والسياسية—تمثل شبكات محلية متعددة تشكلت في سياقات متفاوتة، وتختلف في الخبرة والتنظيم والرؤى، ولا تُختزل في جهاز مركزي واحد. استدعاؤها هنا يتم بوصفها "كلمة شرعية"، لا بوصفها مؤسسة محددة.
    وهذا التبسيط لا يعني مجرد خطأ في التوصيف؛ بل هو نمط من إنتاج الوهم السياسي عبر تحويل ظاهرة مركبة إلى رمز أخلاقي يُستعمل عند الحاجة لتغطية فراغ البرنامج التنفيذي والقدرة.

    رابعًا: تشوميسكي و"تصنيع القبول"… عندما تصبح السياسة إدارة للانطباع لا إدارة للسلطة
    (Manufacturing Consent) يمكن فهم هذا النسق الخطابي في ضوء نظرية نعوم تشوميسكي عن "تصنيع القبول"
    التي تشرح كيف تُعاد صياغة وعي الجمهور عبر آليات لغوية وإعلامية تُنتج وهم الإجماع، بحيث يبدو الخطاب وكأنه تعبير طبيعي عن الإرادة العامة، بينما هو في الواقع نتاج انتقاء وتوجيه وإزاحة للأسئلة المحرجة.
    وفق هذا المنظور، يتم التحكم في المجال العام لا عبر القمع المباشر فقط، بل عبر:
    ١/ تبسيط القضايا المعقدة وتحويلها إلى ثنائيات أخلاقية (مدني/عسكري، ثورة/حرب، خير/شر
    ٢/ إنتاج رموز جامعة تُختزل فيها التعددية الاجتماعية (الشعب، الثورة، لجان المقاومة) دون تفكيكها
    ٣/ إخفاء مراكز القرار الحقيقية خلف شعارات عامة، بحيث يغيب سؤال: من يملك السلاح؟ من يملك الأرض؟ من يملك الموارد؟
    ٤/ إعادة تعريف "الشعب" بطريقة تخدم مصالح الخطاب المهيمن، عبر جعل الجماهير كتلة صامتة تُستدعى شرعيتها دون مشاركة فعلية- ماذا عن الشعب في نيالا وكاودا وغيرهما، وهل توجد "لجان مقاومة" هناك؟...وهكذا!
    في هذا السياق، يصبح البيان أداة لإنتاج شرعية رمزية: لا يُقدّم خطة، لكنه ينتج شعورًا بأن "هناك خطة"، ولا يحدد أدوات التنفيذ، لكنه ينتج انطباعًا بأن التنفيذ ممكن بمجرد إعلان المبادئ والامنيات. هذا هو جوهر "تصنيع القبول": تحويل السياسة إلى صناعة رضا، لا إلى إدارة صراع على السلطة بموضوعية.

    خامسًا: إنهاء الحروب بين المثال والواقع… وما الذي يغيب عمدًا؟
    تُظهر الدراسات المقارنة في تسوية النزاعات أن إنهاء الحروب الأهلية يتم عبر منظومات مؤسسية معقدة تشمل عادة:
    - مفاوضات مباشرة بين الأطراف المسلحة،
    - ضمانات إقليمية ودولية محددة،
    - ترتيبات أمنية مرحلية قابلة للقياس،
    - برامج دمج وتسريح وإعادة إدماج بجداول زمنية وموارد.
    أطر دستورية انتقالية،
    - مؤسسات رقابة مستقلة تمتلك صلاحيات وقدرات
    ولا تسجل التجارب الحديثة حربًا توقفت بعبارة "وقف إطلاق النار تحت رقابة شعبية". فالحرب تُدار عبر بنى مادية: قيادة، إمداد، قرار، مصالح، رعاة، حلفاء، مصادر تمويل، ومسارات تفاوض. أما الخطاب الأخلاقي—مهما كان نبيلًا—فهو ليس بديلاً عن سياسة الأمن.
    واللافت أن البيان يتجنب تحديد "من سيجلس مع من"، ومن سيضمن، ومن سيُراقب، ومن سيعاقب عند الخرق. وفي السياسة، الفراغ ليس حيادًا؛ الفراغ موقف، والموقف هنا الاحتيال للحفاظ على بنية الدولة المعطوبة وجيشها العنصري.

    سادسًا: اختزال الصراع في بعده الأخلاقي وتجاهل الجذور البنيوية
    يميل البيان إلى تفسير الحرب بوصفها انحرافًا أخلاقيًا للنخب العسكرية، بدل تحليلها كبنية تاريخية متجذرة في تكوين الدولة السودانية. والحال أن الصراع يرتبط تاريخيًا بـ:
    - مركزية الدولة واحتكار السلطة منذ الاستقلال،
    - التهميش الإقليمي وإقصاء الأقاليم عن القرار والثروة،
    - عسكرة السياسة وتضخم الدولة الأمنية،
    - اقتصاد الريع والمحسوبية،
    - غياب العدالة التاريخية وتراكم الإفلات من العقاب،
    - هشاشة المؤسسات المدنية والتمثيل السياسي.
    تجاهل هذه الجذور يحوّل المعالجة إلى وصفة سطحية: نوقف الحرب، ثم نُصلح الاقتصاد، ثم نذهب للانتخابات. وكأن الانتخابات ستنتج دولة جديدة من داخل الدولة القديمة دون تفكيكها!

    سابعًا: إعادة إنتاج المركزية النخبوية… وتجاهل ثورة الهامش خارج الجغرافيا التقليدية
    رغم اللغة الثورية، يعيد البيان إنتاج فرضية قديمة: أن الانتقال يُدار من المركز، وأن القوى المدنية في "الخرطوم" هي الفاعل الطبيعي لقيادة المرحلة. في المقابل، يتجاهل البيان تحولات جوهرية في السودان اليوم:
    - انتقال مركز الفعل السياسي والعسكري إلى الأقاليم.
    - تشكّل مشاريع تأسيسية مدنية في الهامش تتجاوز دور "الملحق" للمركز.
    - انبثاق فضاءات سياسية في مناطق اللجوء والشتات، حيث تتكون شبكات دعم وتمويل وروايات بديلة.
    إن ثورة الهامش لم تعد محصورة في جغرافيتها التاريخية؛ لقد تمددت اجتماعيًا ورمزيًا خارج الحدود التقليدية للنخب، وصارت تُنتج سرديتها السياسية ومعاييرها للشرعية. ومع ذلك، يأتي البيان كأنه يكتب على خريطة قديمة: مركزٌ يتحدث باسم الجميع، وهامشٌ يُستدعى وقت الحاجة كرصيد أخلاقي، ثم يُعاد إلى صمته!

    ثامنًا: غياب القضايا التأسيسية، والتي تضمن الوقف المستدام للحروب… الصمت بوصفه موقفًا
    يتجنب البيان معالجة قضايا تأسيسية مركزية، مثل:
    - العلاقة بين الدين والدولة،
    - طبيعة الهوية الوطنية،
    - حق تقرير المصير،
    - تفكيك الدولة المركزية،
    - العدالة التاريخية،
    - إعادة تعريف الجيش ووظيفته
    هذا الصمت ليس تفصيلاً تقنيًا، بل هو موقع سياسي. فالانتقال بلا إجابات على الأسئلة التأسيسية يتحوّل إلى انتقال شكلي: تغيير في الواجهة مع استمرار البنية التي أنتجت الحرب.

    تاسعًا: غموض "قوى الثورة" وحدود الفعل المحلي في سياق دولي
    يعتمد البيان على مفهوم فضفاض لـ"قوى الثورة" دون تحديد مكوناته الاجتماعية والتنظيمية، مما يحوّله إلى أداة خطابية لا إلى فاعل قابل للمساءلة. كما يتجاهل تدويل الصراع ودور الفاعلين الإقليميين والدوليين، ويقدّم تصورًا مبسطًا لإمكان إدارة النزاع محليًا فقط، في تعارض مع منطق الجغرافيا السياسية المعاصرة.

    خاتمة: من "النوايا الحسنة" إلى السياسة… ومن تجاهل الرباعية إلى العجز عن صناعة السلام
    نخلص إلى أن بيان "تحالف التغيير الجذري"—رغم لغته الثورية—يعكس نمطًا من الطوباوية السياسية، يقوم على:
    ١/ تعميمات أخلاقية بلا آليات تنفيذ ولا خرائط طريق قابلة للقياس،
    ٢/ تزييف التمثيل عبر استدعاء رموز عامة (الثورة/الشعب/لجان المقاومة) دون تفويض مؤسسي واضح،
    ٣/ تجاهل التحولات البنيوية في ميزان القوى على الأرض وفي الإقليم،
    ٤/ وإعادة إنتاج المركزية النخبوية في صيغة "مدنية" تُعيد الخرطوم—ضمنيًا—إلى موقع الوصي على المجال الوطني
    والأهم من ذلك كله أن البيان يقدّم "حلًا" لا يلامس الجذور البنيوية للحرب، لأنه يتعامل معها بوصفها نتيجة لسوء نوايا أو أخطاء أفراد، لا بوصفها نتاجًا تاريخيًا لبنية دولة مركزية، عنصرية، عسكرية، ريعية، وإقصائية، راكمت الأزمات والصراعات عبر عقود. والحرب، في هذا المعنى، ليست أزمة أخلاقية عابرة، بل نتيجة منطقية لفشل مشروع الدولة نفسها في تحقيق المواطنة المتساوية والتنمية العادلة وبناء مؤسسات شرعية.
    وعليه، فإن تجاوز الأزمة السودانية لا يتحقق بترديد عبارات من نوع "ما ينبغي أن يكون"، ولا بإنتاج بيانات إنشائية تكرّس الوهم، بل بالانتقال الجاد إلى سؤال "كيف يمكن أن يحدث ذلك عمليًا؟" عبر تخطيط مؤسسي واضح: تحويل الشعارات إلى برامج قابلة للتنفيذ، والخطاب عن الجماهير إلى تمكين فعلي عبر هياكل تمثيل ومساءلة شفافة، وتجاوز مركزية الخرطوم إلى الاعتراف بأن مركز الفعل السياسي، والقدرة على فرض الوقائع، قد تغيّر بالفعل على الأرض.
    وفي هذا السياق، تكتسب علاقة "الجزريين" بجهود الرباعية دلالة كاشفة. فمن جهة، يصدر بيانهم في لحظة تؤكد فيها الوقائع أن مسار إنهاء الحرب بات—سواء قبلت القوى المحلية أم رفضت—يتشكّل ضمن ترتيبات إقليمية ودولية معقّدة، تفرض على أي فاعل سياسي حدًا أدنى من الواقعية: تحديد مصالحه بوضوح، امتلاك أدوات تفاوض، وفهم شروط الضمان والتنفيذ والالتزام. ومن جهة أخرى، يتعامل خطاب "التغيير الجذري" مع هذا الواقع وكأنه تفصيل ثانوي يمكن القفز فوقه بخطاب طهراني يكتفي بإعلان المبادئ، دون تقديم إجابات عن الأسئلة الحاسمة: من يوقّع؟ من يضمن؟ من يراقب؟ ومن يفرض الالتزام عند الخرق؟
    بهذا المعنى، لا يبدو موقف " تحالف التغيير الجذري" من جهود الرباعية موقفًا نقديًا مؤسسًا على تحليل سياسي موضوعي رصين، بل موقف أقرب إلى إنكار واعٍ للواقع الدولي والإقليمي. وهو إنكار يرفع سقف اللغة والشعارات، ويخفض في المقابل سقف القدرة الفعلية، ثم يطالب الوقائع والتاريخ أن ينصاعا للبلاغة بدل موازين القوة.
    وهنا تبرز مسألة في غاية الاهمية: إن هذا النوع من الخطاب ليس مجرد تبسيط ساذج للواقع، بل هو خطاب مضلِّل يصادر حق الجماهير في المعرفة الدقيقة بطبيعة الصراع وشروط إنهائه. فهو يقدّم صورة زائفة عن الأزمة، ويُخفي تعقيداتها البنيوية والسياسية، ويستبدل التحليل الجاد بلغة عاطفية مريحة، تخلق وهم الحل السهل، وتحجب عن المواطنين حقيقة موازين القوى، ومسارات التفاوض، وحدود الممكن الواقعي. وبهذا المعنى، لا يساهم هذا الخطاب في اشراك الجماهير، بل في إضعاف وعيها، وتحويلها إلى جمهور متلقٍّ للشعارات بدل أن تكون شريكًا حقيقيا في صناعة القرار.
    والأخطر من ذلك أن هذا التضليل لا يحدث في فراغ، بل يؤدي وظيفة سياسية واضحة: الحفاظ—بصورة غير مباشرة—على بنية دولة السودان القديمة، القائمة على المركزية والوصاية النخبوية واحتكار القرار. فحين يُقدَّم التغيير بوصفه مسألة نوايا وأخلاق، لا مسألة تفكيك مؤسسات وسلطات، يُعاد إنتاج النظام القديم بلغة جديدة، وتُمنح النخب التقليدية فرصة إضافية لإعادة التموضع داخل المشهد، رغم فشلها المتكرر في إدارة التحول الوطني بعد كل انتفاضة...
    وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل حقيقة أن البساط قد سُحب بالفعل من تحت أقدام هذه القوى القديمة، التي جُرّبت مرارًا في قيادة الجماهير، وفشلت مرة بعد أخرى في بناء دولة عادلة أو تحقيق انتقال مستقر. غير أن عجزها عن تقديم مشروع تاريخي جديد يدفعها اليوم إلى الاحتماء بخطاب طوباوي مضلل، يعوّض ضعفها التنظيمي والسياسي برفع سقف الشعارات، ومحاولة استعادة شرعيتها عبر المتاجرة بلغة الثورة.
    ومن ثم، يمكن القول—إن هذا خطاب " تحالف التغيير الجذري" يتعامل مع الحرب كما لو كانت موظفًا متأخرًا عن الدوام؛ نرسل له تعميمًا إداريًا فيعود إلى الانضباط. لكن الحرب ليست خللًا في "السلوك"، بل خللًا عميقًا في "بنية الدولة" نفسها. والخلل البنيوي لا يُصلحه منشور، ولا تُنهيه نوايا حسنة بلا أدوات، ولا تُبطل آثاره أخلاق معلّقة في الفراغ. فالسياسة، ولا سيما في زمن الحروب، ليست ميدان الشعارات، بل مجال تحويل الوعي إلى تنظيم، والمبادئ إلى مؤسسات، والاحتجاج الأخلاقي إلى ترتيبات ملزمة خاضعة للمساءلة.

    النضال مستمر والنصر اكيد.

    (أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)























                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث المقالات بسودانيزاونلاين اليوم
فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to bakriabubakr@cox.net

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de