بين المطلق الإلهي والفعل الإنساني: قراءات في جدل الحاكمية ومسؤولية الاستخلاف كتبه د. الهادي عبدالله

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 05-01-2026, 06:55 PM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
05-01-2026, 11:13 AM

د. الهادي عبدالله ادريس ابوضفائر
<aد. الهادي عبدالله ادريس ابوضفائر
تاريخ التسجيل: 09-05-2017
مجموع المشاركات: 115

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين

مكتبة الفساد

من اقوالهم
(مكتبة مفتوحة للتحديث)
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
بين المطلق الإلهي والفعل الإنساني: قراءات في جدل الحاكمية ومسؤولية الاستخلاف كتبه د. الهادي عبدالله

    11:13 AM May, 01 2026

    سودانيز اون لاين
    د. الهادي عبدالله ادريس ابوضفائر-UK
    مكتبتى
    رابط مختصر




    2026/05/01


    ليس السؤال في تاريخ الفكر السياسي الإسلامي: من يحكم؟ بل كيف تُفهم السيادة، وأين يقف الإنسان داخل هذا البناء الكوني الذي يجمع بين المطلق الإلهي والفعل البشري. فالإشكال لم يكن في مبدأ الحاكمية، بل في اختزاله من مفهوم كوني عميق إلى شعارٍ سياسي ضيق تتنازعه السلطة.

    حين يُستعاد المفهوم في أفقه القرآني الرحب، لا يعود مجرد مصطلحٍ سياسيّ يُختزل في آليات الحكم، بل ينكشف بوصفه رؤيةً كليّة للوجود، تُعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان والكون والغاية. فالله، في التصور التوحيدي، لا يُدرَك كحاكمٍ تاريخيّ داخل صراعات البشر، بل إرادة مطلقة تتجلّى في انتظام الوجود كلّه، حيث تسري السنن والقوانين كخيطٍ خفيّ ينسج تماسك الكون ووحدته.

    تلك السنن لا تُحكِم إيقاع الطبيعة فحسب، بل تمتدّ إلى الاجتماع الإنساني، فتؤطر حركته وتمنح التاريخ منطقه الداخلي، دون أن تصادر حرية الإنسان أو تُعطّل مسؤوليته. وهنا تتجلّى المفارقة العميقة. إذ يتأسس النظام على قانونٍ كونيّ صارم، وفي الوقت ذاته يُترك للإنسان مجال الاختيار، ليكون فاعلاً في مسارٍ لا يُلغيه، بل يحمّله معنى الامتحان وعبء الاستخلاف.

    إن الحاكمية الإلهية بهذا المعنى ليست تدخلاً مباشراً في تفاصيل الحكم، بل هي الإطار الكلي الذي يمنح الوجود معناه، ويحدد القيم الكبرى التي ينبغي أن تنتظم حولها الحياة الإنسانية. إنها مرجعية عليا تتجاوز صراعات البشر اليومية، لكنها في الوقت نفسه تحضر في عمق الضمير الأخلاقي الذي يوجه أفعالهم واختياراتهم.

    غير أن هذه السيادة لا تعني أن الإنسان مجرد كائن منفذ لإرادة مفروضة عليه من خارج التاريخ. فالإنسان في الرؤية القرآنية ليس تابعاً سلبياً داخل الكون، بل هو كائن أُنيطت به مهمة جسيمة. أن يكون خليفة في الأرض. والاستخلاف هنا ليس لقباً رمزياً، بل مسؤولية حضارية تتطلب أن يمارس الإنسان عقله وحريته في إدارة العالم.

    ومن هنا ينبثق المستوى الثاني من الحاكمية، حيث تنتقل المسؤولية من السماء إلى الإنسان، لا بوصفه مالكاً مطلقاً للأرض، بل بوصفه مؤتمناً عليها. فالإنسان يحكم، لكنه يحكم ضمن أفق القيم التي تمنح للحكم معناه. العدل، والحرية، وصون الكرامة الإنسانية، وحفظ التوازن في العالم.

    في هذا المستوى يتجلى الدور الخلاق للعقل البشري. فالنصوص لا تتحول إلى أوامر سياسية جاهزة، بل إلى بوصلة قيمية تهدي المسار. أما تفاصيل التنظيم السياسي والاجتماعي، فهي من نتاج الاجتهاد الإنساني، ومن ثمار التجربة التاريخية التي تتطور بتطور المجتمعات.

    وهنا يظهر المستوى الثالث من الحاكمية حيث تتشكل النظم السياسية بوصفها أدوات بشرية لتنظيم الحياة المشتركة. فالدولة، والدستور، والمؤسسات التشريعية، والآليات الديمقراطية، كلها نتاج عقل الإنسان وسعيه المستمر إلى بناء نظام يحقق الاستقرار والعدل. وهذه النظم ليست مقدسة بطبيعتها، لأنها لا تنتمي إلى عالم المطلق، بل إلى عالم التاريخ المتغير.

    إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تُلبس هذه النظم لباس القداسة، فتتحول إلى كيانات جامدة تُغلق باب النقد والتجديد. فالسياسة بطبيعتها مجال للتجربة والخطأ، ولا يمكن أن تُختزل في نموذج نهائي مكتمل. لذلك تظل شرعية أي نظام مرهونة بقدرته على تحقيق القيم التي تبرر وجوده، لا بادعائه امتلاك الحقيقة المطلقة.

    هكذا تتوزع الحاكمية بين ثلاثة آفاق متكاملة. قدرة إلهية تؤسس القيم والسنن، واستخلاف إنساني يحمل مسؤولية الفعل في التاريخ، ونظم بشرية تتشكل عبر التجربة والاجتهاد لتنظيم الحياة المشتركة. وفي هذا التوازن الدقيق يتحرر الفكر السياسي من ثنائية قاتلة طالما هيمنت على النقاش. إما سلطة دينية مغلقة تحتكر الحديث باسم السماء، أو سلطة بشرية منفصلة عن أي أفق قيمي.

    إن الرؤية الأعمق فتح طريقاً ثالثاً، حيث يظل الوحي مصدراً للإلهام الأخلاقي والحضاري، بينما تبقى السياسة مجالاً إنسانياً مفتوحاً للإبداع والتطور. وبهذا المعنى لا يكون السؤال. من يحكم باسم الله؟ بل كيف يمارس الإنسان مسؤوليته في الأرض دون أن يفقد البوصلة الأخلاقية التي تمنح السلطة معناها.

    حين يهدأ الصراع في أعماق الإنسان، وتلتقي السماء بالأرض في وعيه لا كتناقضٍ بل كوحدةٍ متكاملة، تنقلب الحاكمية من شعارٍ تتجاذبه الصراعات إلى أفقٍ حضاري يُبنى ولا يُهتف له. عندها لا يعود مسار الزمان سرداً لما كان، بل يغدو ميداناً حيّاً تُختبر فيه قدرة البشر على تجسيد القيم الكبرى، حيث يتنفس العدل، وتنبض الحرية، وتترسّخ الكرامة واقعاً معاشاً، لا أفكاراً معلّقة في فضاء التنظير.
    abudafair@hotmail.com

    Sent from Outlook for iOS























                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث المقالات بسودانيزاونلاين اليوم
فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to bakriabubakr@cox.net

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de