بين الإعجاب والوداد… قراءة في رسالة الأستاذ عصمت محمود كتبه دكتور الوليد آدم مادبو

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 07-09-2026, 05:03 AM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
07-08-2026, 08:06 PM

الوليد ادم مادبو
<aالوليد ادم مادبو
تاريخ التسجيل: 10-26-2013
مجموع المشاركات: 167

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين

مكتبة الفساد

من اقوالهم
(مكتبة مفتوحة للتحديث)
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
بين الإعجاب والوداد… قراءة في رسالة الأستاذ عصمت محمود كتبه دكتور الوليد آدم مادبو

    08:06 PM July, 08 2026

    سودانيز اون لاين
    الوليد ادم مادبو-السودان
    مكتبتى
    رابط مختصر








    من غرائب النفس البشرية أنها لا تعجز عن معرفة الحقيقة، وإنما تعجز عن الانقياد إليها. فقد يرى المرء الجميل فلا ينكره، ويشهد بالفضل فلا يجحده، ثم يجد في نفسه ما يحول بينه وبين المودة. وكأن الاعتراف بالحقيقة أيسر من التصالح معها، وأهون من احتمال ما تقتضيه من مراجعة للنفس. ولعل أخطر ما تفعله الأيديولوجيا أنها لا تستولي على العقول وحدها، بل تمتد إلى القلوب؛ فتجعل الإنسان يُعجب بخصمه، ثم يستنكف عن مودته، ويشهد له بالفضل، ثم يبحث عن عذرٍ يبرر به استمرار خصومته. وعندها لا تعود السياسة خلافًا في الرأي، بل تغدو وصايةً على العاطفة نفسها.

    ولذلك استوقفتني رسالة الأستاذ عصمت محمود أكثر مما استوقفني ما فيها من عتاب. فما قرأتها بوصفها ردًا على مقال كتبته في رثاء عمتي، وإنما قرأتها بوصفها وثيقةً أدبية عن مأزق الضمير السوداني. فقد وجدت فيها إنصافًا يندر في زماننا، وأمانةً فكرية يأبى صاحبها أن يبخس الناس أشياءهم، حتى إذا بلغ باب المودة وقف مترددًا، كأن بين الإعجاب والود حاجزًا خفيًا لا تصنعه الأخلاق، وإنما تصنعه السياسة حين تستوطن النفوس.

    ولست أكتب هذه السطور لأدفع عن نفسي تهمة، ولا لأنتزع من الأستاذ عصمت اعتذارًا، فما عرفت الرجل إلا طالبًا للحقيقة على قدر ما يفتح الله له، ولا أحسبه ممن يتعمدون الجور في الخصومة. وإنما أكتب لأن رسالته تجاوزت صاحبها، وأصبحت في نظري مرآةً لمحنةٍ سودانية أكبر؛ محنة إنسانٍ يرى الخير ثم يتردد في الانحياز إليه كاملًا، ويعترف بالفضل ثم يخشى أن يمنح صاحبه الود الذي يستحقه.

    لقد أسعدني من رسالتك، أخي عصمت، ما لم يسعدني من كثير من رسائل الأصدقاء. فما أيسر أن يثني عليك من يوافقك، وما أعسر أن ينصفك من يخالفك. وقد وصفت المقال ـ فيما معناه ـ بأنه رقيق العبارة، وفيه وفاءٌ للمرأة السودانية، ثم عدت فقلت إن ذلك لا يغيّر من موقفك مني، وإنك لا تنزلني في نفسك مقام الوداد. وهنا بدأ اهتمامي الحقيقي برسالتك؛ لأن هذه العبارة لم تعد تتحدث عن الوليد، بل عن السودان.

    لقد علمتنا السياسة في السودان أن نختلف، لكنها لم تعلمنا كيف نحفظ الود ونحن مختلفون. بل لعلها فعلت ما هو أخطر من ذلك؛ إذ أقنعتنا أن المودة نفسها موقف سياسي. فأصبح الإنسان يخشى أن يحب من يختلف معه، خشية أن يُحسب حبه تنازلًا، أو أن تُفسَّر مودته ضعفًا، أو أن يُساء فهمها على أنها انحياز. وهكذا أفسدت السياسة وظيفةً كانت في الأصل من وظائف الأخلاق، ونقلت الود من دائرة الفطرة إلى دائرة الاصطفاف.

    ولهذا فإن سؤالي إليك، أخي عصمت، ليس سؤال خصومة، وإنما سؤال محبة: ما الذي يمنعك من وداد الوليد؟

    ولعلي أعرف بعض الجواب، لأنني لا أراك وحدك، وإنما أرى فيك صورةً مصغرةً للسودان كله؛ ذلك السودان الذي لا يزال قادرًا على الاعتراف بالجميل، لكنه لم يتحرر بعد من الخوف من نتائجه. يعترف بالفضل، ثم يتردد في مصافحة صاحبه. ويثني على الفكرة، ثم يتحرج من الاقتراب من صاحبها. وكأننا أصبحنا نطمئن إلى الحق ما دام فكرةً مجردة، فإذا تجسد في إنسانٍ أصابتنا الحيرة.

    لم يستوقفني في رسالتك صدق النصيحة وحده، وإنما تلك الصراحة المهذبة التي طالما وجدتها في النوبيين كافة وفي أهلنا المحس خاصة. ولعل أجمل ما في السودان وجدته عندهم، حتى خُيّل إليّ أنهم خُمرة هذا الوطن؛ ذلك الطيب المختمر الذي فاح شذاه حتى جاوز حدود ديارهم، فاختلط بذاكرة السودان كلها. وما كان هذا الثناء يومًا من باب المجاملة، وإنما هو دينٌ في العنق، وشهادةٌ أرجو أن ألقى الله بها.

    غير أن هذا الود كله لا يمنعني من أن أختلف معك في بعض ما ذهبت إليه، بل لعل المودة الصادقة هي التي تجعل الاختلاف أيسر، لأن غايتها الوصول إلى الحقيقة، لا الانتصار للنفس. وقد بدا لي، وأنا أقرأ رسالتك، أن موضع اختلافنا ليس في كراهية الحرب، وإنما في تفسيرها؛ ليس في إدانة المأساة، وإنما في فهم الطريق الذي قاد إليها.

    ولذلك، فإن خلافي معك ليس في كراهية الحرب؛ فأحسب أننا نتفق على أنها لعنةٌ إذا حلّت بقومٍ أفسدت معاشهم ومعادهم. وإنما خلافنا في السؤال الذي يسبق الحرب: كيف وصل السودان إلى هذا المقام؟ ومن الذي هيأ التربة التي نبت فيها هذا العنف؟ وهل يكفي أن نلعن الثمرة، إذا كنا نعفي الشجرة من المساءلة؟

    ولعل ما آلمني في رسالتك أنك قرأت موقفي من دارفور من زاويةٍ لم أعرف نفسي فيها. فقد بدا، في بعض عباراتك، وكأنني خذلت الزرقة، أو غضضت الطرف عن ما وقع عليهم من ظلم. وهي قراءةٌ لا تستقيم مع ما عرفه عني من صحبني في تلك السنوات، ولا مع ما شهدته بنفسي من أحداثها.

    فعندما اشتعلت دارفور عام 2003، لم أنظر إلى ما جرى باعتباره حربًا بين عربٍ وزرقة، كما أراد لها مهندسوها أن تُقرأ، بل رأيته انكشافًا للعطب العميق الذي لازم الدولة السودانية منذ نشأتها. وجبت يومها البوادي والفرقان، والتقيت بالإدارات الأهلية، وبالشباب، وبحملة السلاح، محذرًا من مغبة الاستعانة بالمركز، وقائلًا إن السلاح الذي يُستدعى اليوم لحل أزمةٍ سياسية سيعود غدًا ليأكل الدولة نفسها. ولم يكن ذلك موقفًا استثنائيًا فرضته تطورات اللحظة، وإنما قناعةٌ راسخة بأن الدولة التي تستبدل القانون بالمليشيات إنما تعلن، من حيث لا تشعر، عجزها عن أن تكون دولة.

    وأقولها اليوم كما قلتها بالأمس: إن الجرائم التي ارتُكبت في دارفور وفي سائر أنحاء السودان جرائم لا يملك صاحب ضمير إلا أن يدينها، وإن الضحايا يستحقون العدالة كاملة، لا منقوصة. غير أن إدانة الجريمة، على ضرورتها، لا تعفينا من مساءلة التاريخ الذي جعلها ممكنة، ولا من مراجعة البنية التي أعادت إنتاج المأساة في أكثر من إقليم، وعلى أيدي أكثر من فاعل.

    ولهذا لم أقتنع يومًا بأن العدالة الانتقالية، على أهميتها، تكفي وحدها لإنقاذ السودان. فهي تعنى بمحاسبة الجناة، وجبر الضرر، وإدارة آثار الصراع، وكل ذلك مطلوب. لكن ما أبحث عنه هو ما أسميه العدالة التاريخية؛ أي مراجعة الشروط السياسية والثقافية والاجتماعية التي جعلت العنف وسيلةً مألوفة لإدارة الدولة، وجعلت التهميش نظامًا لا استثناء، حتى صار كل جيل يرث أسباب الحرب قبل أن يرث أرض الوطن.

    ومن هنا، فإنني لا أرى المليشيات أصل الداء، وإنما أحد أعراضه. فهي لا تنشأ في الفراغ، وإنما تنبت حين تضيق السياسة عن استيعاب الناس، وتفقد الدولة حيادها الأخلاقي، وتتحول من وطنٍ للجميع إلى أداةٍ لاحتكار السلطة والثروة والرمزية.

    ولهذا فإن إدانة الجرائم التي ارتكبتها جميع المليشيات، بما فيها الجيش السوداني، الذي لا أرى أنه خرج عن منطق المليشيا العقائدية، واجبٌ أخلاقي لا يجوز التردد فيه. لكن الأخلاق لا تكتمل بإدانة اليد التي أطلقت النار، إذا أعفينا العقل الذي شرعنها، والبنية التي هيأت لها، والثقافة التي جعلت العنف أداةً مألوفة لإدارة الشأن العام. فالجريمة لا تبدأ لحظة إطلاق الرصاصة، وإنما تبدأ يوم يصبح الظلم نظامًا، ويغدو العنف وسيلةً مشروعة لحماية ذلك النظام.

    ولهذا ظللت أقول إن السودان لن يخرج من أزمته بمجرد تبديل الحكومات، ولا بمجرد تبادل الاتهامات، وإنما بمراجعةٍ شجاعة تعترف بأن الأزمة أعمق من الأشخاص، وأقدم من الحرب الأخيرة، وأن ما نراه اليوم ليس إلا الثمرة الأخيرة لشجرةٍ طال إهمالها.

    ولعل هذا هو موضع اختلافنا الحقيقي. فأنت تنطلق، فيما فهمت من رسالتك، من فداحة الجريمة، ثم تعود منها إلى التاريخ. أما أنا فأبدأ من التاريخ، لا لأخفف من فداحة الجريمة، وإنما لأمنع تكرارها. فالذي يكتفي بإدانة النتائج قد يريح ضميره، لكنه لا يغيّر المستقبل، أما الذي يواجه الأسباب، فإنه يضع يده على الجرح الذي لا يزال ينزف منذ الاستقلال.

    ولذلك أيضًا وجدتني أعود، في مقالي «في نقد العلّامة»، إلى سؤالٍ يبدو في ظاهره ثقافيًا، وهو في حقيقته سياسي وأخلاقي: كيف تُصنع المركزية، وكيف تتحول إلى وعيٍ يعرّف الوطنية، ويمنح الشرعية، ويحتكر الذاكرة؟

    ولم يكن مقصودي من ذلك المقال أن أنازع أحدًا فضله، أو أن أهدم مقامًا علميًا استقر في وجدان الناس؛ فالفضل يُشكر، والعلم يُحترم، والرجال يُقدَّرون بقدر ما قدّموا. وإنما كان همي أن أراجع الأثر الذي تُحدثه الأفكار حين تتحول إلى مسلمات، والأسماء حين تصبح أكبر من النقد. فالأمم لا تتجدد بتقديس ذاكرتها، وإنما بمراجعتها.

    وأحسب أن هذا هو أحد أعمق أدواء السودان. فليس احتكار السلطة وحده هو الذي أرهقنا، وإنما احتكار الذاكرة أيضًا. فمن يملك حق رواية الماضي، يملك ـ في الغالب ـ حق تعريف الضحية والجلاد، وحق توزيع البراءة والإدانة، بل وحق تحديد من يُسمح له بالكلام باسم الوطن، ومن يُدفع إلى هامشه.

    ولهذا فإنني لا أبحث عن استبدال مركزٍ بمركز، ولا عن قلب موازين الهيمنة بحيث يصبح المظلوم بالأمس هو المحتكر غدًا. فما أطلبه هو أن يتحرر السودان من فكرة الاحتكار نفسها؛ احتكار السلطة، واحتكار الثقافة، واحتكار الوطنية، واحتكار الألم.

    ولعل أجمل ما في رسالتك أنها لم تقع في هذا الاحتكار وقوعًا كاملًا. فقد وجدت فيها استعدادًا نادرًا للاعتراف بما يستحق الاعتراف، وإن بقيت أسيرًا لبعض الاستنتاجات التي أرى أنها حملتك على قراءة موقفي من خلال صورٍ شاعت عني أكثر مما استندت إلى ما كتبته أو عشته.

    ولذلك سرني أنك دعوت إلى التوبة. غير أنني أرجو أن تكون توبةً تتسع لنا جميعًا، لا توبةً يطالب بها فريقٌ دون آخر. فالسودان لا يحتاج إلى اعترافاتٍ انتقائية، وإنما إلى شجاعةٍ جماعية نعترف فيها بأننا جميعًا، بدرجاتٍ متفاوتة، أسهمنا في إطالة عمر هذا الخراب؛ بالفعل، أو بالصمت، أو بالتبرير، أو بالاكتفاء بإدانة النتائج وإهمال الأسباب.

    إن الأمم لا تتصالح لأنها نسيت، وإنما لأنها تذكرت بعدل. والذاكرة العادلة ليست تلك التي تمحو الجرائم، بل التي ترفض أن تحتكرها روايةٌ واحدة، أو أن تتحول إلى أداةٍ لتوريث الأحقاد بين الأجيال.

    ولذلك فإنني، رغم اختلافي معك في بعض ما ذهبت إليه، خرجت من رسالتك أكثر اطمئنانًا مما دخلت إليها. لأنها أكدت لي أن بين السودانيين من لا يزال قادرًا على الإنصاف، حتى وهو يختلف، وأن جذوة الضمير لم تنطفئ بعد، مهما اشتدت عواصف السياسة.

    وربما كان هذا هو الأمل الذي أبحث عنه. فالأوطان لا ينقذها اتفاق الناس على كل شيء، وإنما تنقذها قدرتهم على أن يختلفوا من غير أن يتجردوا من الإنصاف، وأن يتناصحوا من غير أن يتقاطعوا، وأن يعترفوا بفضل خصومهم من غير أن يشعروا بأنهم خانوا معسكراتهم.

    ولعل رسالتك، من حيث أردت أو لم ترد، كانت شاهدًا على هذه الإمكانية. فقد أثبتت أن الإنسان يستطيع أن ينصف من يخالفه، لكنه كشفت، في الوقت نفسه، عن الجدار النفسي الذي لا يزال يحول بين الإنصاف الكامل والمودة الكاملة. وذلك، في تقديري، ليس شأنًا فرديًا، وإنما أثرٌ من آثار تاريخٍ طويلٍ علّمنا كيف نختلف، ولم يعلمنا كيف نبقى إخوةً بعد الاختلاف.

    وأحسب أن أهل السودان، على اختلاف أقاليمهم، وثقافاتهم، وألسنتهم، يملكون من الشهامة، والكرم، وسلامة الفطرة، ما يؤهلهم لتجاوز هذا الإرث الثقيل، إذا امتلكوا الشجاعة الكافية للنظر إلى تاريخهم بعينٍ واحدة، لا بعينين؛ عينٍ ترى ظلم الآخرين، وأخرى تعمى عن ظلم الذات.

    لقد عرفت من السودانيين في الشمال والشرق والغرب والوسط والجنوب ما يجعلني مطمئنًا إلى أن هذا الوطن لم تفسده أخلاق أهله، بقدر ما أفسدته البنى التي أدارت اختلافهم، وحولت تنوعهم إلى مادةٍ للصراع بدل أن يكون مصدرًا للغنى. وما يزال في الناس من بقايا المروءة، وحسن العشرة، وصدق النجدة، ما يكفي لبناء وطنٍ جديد، متى ما تحررنا من أوهام التفوق، ومن خوفنا المزمن من الاعتراف المتبادل.

    ولعل هذا هو المعنى الذي أردت الوصول إليه منذ السطر الأول. فما شغلني في رسالتك، أخي عصمت، لم يكن اختلافك معي، فالاختلاف سنةٌ من سنن العقول، وإنما شغلني ذلك التردد الوجداني الذي بدا لي في ثناياها؛ ترددُ رجلٍ أنصف ما قرأ، لكنه آثر أن يبقي بينه وبين صاحبه مسافةً رسمتها السياسة أكثر مما رسمتها الأخلاق.

    ولا أقول هذا معاتبًا، وإنما متأملًا. فلو كنت أظن أن هذه المسافة تخصك وحدك، لما كتبت هذا المقال أصلًا. لكنها، في ظني، المسافة التي تفصل اليوم بين كثيرٍ من السودانيين؛ يعرف بعضهم فضل بعض، ويشهد بعضهم لبعض بالصدق، ثم يعجزون عن أن يترجموا ذلك إلى مودةٍ صافية، لأن السياسة أقنعتهم أن الود اصطفاف، وأن الإنصاف تنازل، وأن الاعتراف بفضل الخصم نقصٌ في الولاء.

    ولعل هذا أخطر ما فعلته بنا سنوات الاستقطاب؛ إذ لم تكتفِ بتقسيم الأرض، وإنما قسمت القلوب أيضًا. فأصبحنا نختلف في التاريخ، ثم انتهينا إلى الاختلاف في المشاعر. ولم يعد السؤال: من كان على حق؟ بل أصبح: من يجوز أن نحبه؟ ومن يجوز أن نعترف له بالفضل؟ وكأن الوجدان نفسه صار يحتاج إلى إذنٍ من السياسة.

    وأحسب أن الطريق إلى السودان الجديد لا يبدأ من اتفاقٍ سياسي، على ضرورته، ولا من تسويةٍ دستورية، على أهميتها، وإنما يبدأ يوم نسترد حريتنا الداخلية؛ يوم يصبح الإنسان قادرًا على أن ينصف من يخالفه، وأن يود من لا يشبهه، وأن يعترف بالفضل حيث وجده، لا حيث تملي عليه الجماعة أن يجده.

    ذلك أن الأوطان لا تُبنى بالقوانين وحدها، وإنما تُبنى أيضًا بالأخلاق التي تحرس تلك القوانين، وبالنفوس التي تأنف من الظلم، ولو وقع على خصومها. وما لم نستعد هذه البوصلة الأخلاقية، فسوف نظل ننتقل من حربٍ إلى أخرى، ومن مظلوميةٍ إلى أخرى، ومن روايةٍ تحتكر الحقيقة إلى روايةٍ تنازعها الاحتكار، دون أن نقترب من الحقيقة نفسها.

    لقد قرأت رسالتك باعتبارها دعوةً إلى مراجعة النفس، فقبلتها شاكرًا، وأرجو أن تقرأ هذه المقالة بالروح نفسها؛ لا بوصفها جوابًا على رسالة، وإنما دعوةً إلى أن نتشارك جميعًا في مراجعة وطنٍ كامل، أرهقته الخصومات أكثر مما أرهقته الهزائم، وأفسدته اليقينيات أكثر مما أفسدته الأخطاء.

    ويبقى السؤال الذي لم تغادرني رسالتك إلا وقد رسخته في نفسي أكثر من ذي قبل؛ سؤالًا لا أوجهه إليك وحدك، ولا إلى الذين وافقوني أو خالفوني، بل إلى نفسي أولًا، ثم إلى السودان كله:

    كيف يمكن لإنسان أن يعترف بالحق، ثم يتردد في اتباع مقتضياته الوجدانية؟


























                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث المقالات بسودانيزاونلاين اليوم
فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to bakriabubakr@cox.net

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de