ربما أصابت بنك الخرطوم جرثومةُ المشاريع السودانية الكبيرة، التي لم تستطع التماسك حينما تصل القمة؛ حيث إنّ البقاء والاستمرارية في الريادة لهما تكلفةٌ باهظة، إن لم تُحسَب لهما حساباتهما. فقد بات في مختبرٍ حقيقي: هل يستطيع الصمود أمام العاصفة؟ فقد أَجْلَتْ وبيَّنتِ الممارسةُ اليوميةُ أنّ الوضع المريح للبنك جعل بعض موظفيه في برجٍ عاجيٍّ، يتعاملون مع عملاء البنك بجمودٍ وعدم احترام، وتعالٍ مخيف، واعتبارهم مجرد أرقامٍ في سجلاتهم، وعاطلين لا قيمة لوقتهم، في حين إنّ من كسبهم هو الذي يُحيي ويُعمِّر البنك! أحكي لكم تجربةَ تعاملٍ واحدةً فقط، ولكم الحكم؛ المكان: فرع العيلفون بولاية الخرطوم. وصلتُ الساعةَ الثامنة صباحًا، فوجدتُ صيوانًا منصوبًا أمام الفرع، محشورًا بالناس، وسجّلتُ رقم (115) لتحديث بيانات حسابي. وحينها دخل (20) عميلًا لتكملة إجراءاتهم، والحشد في تزايدٍ مستمر، وإلى الساعة الثانية عشرة لم يتح لسواهم الدخول. فذهبتُ إلى المسؤول الأول لإجراءات التحديث، مستفسرًا عن سبب البطء، وقلتُ له إنّي أستاذ، والوقت من ذهب، فكان ردُّه ببساطة: «أمشي خلِّص حصصك وتعال نخلِّص لك». فصدّقتُ كلامه، والمؤمن صِدِّيق، وذهبتُ لقضاء مهام أخرى، وعدتُ إليه حوالي الساعة الثانية، فردَّ عليَّ بأنّهم لم يُجروا أيَّ إجراءٍ لغير (20) شخصًا، ووجّهني بأن أذهب وأقعد في الخيمة حتى الساعة الثالثة. فقلتُ له: هكذا تعاملكم مع الأساتذة؟ فردَّ عليَّ: «في الخيمة بروفيسيرات، مش أساتذة بس!» إي والله... للحقيقة، في تلك اللحظة اشتدَّ غيظي، وتمنّيتُ لو تبخّرتُ! لكن تمالكتُ نفسي، وقررتُ البقاء داخل الصالة لآخر خطوةٍ يفعلها، وقد تململ الناس وغادر معظمهم. ثم طلب إعادة تسجيل المنتظرين، بتصنيفاتٍ ثلاث: رجال، ونساء، ونظاميين. وخرج إليهم وهو يحمل عددًا محدودًا من الملفات، وزّعها لمجموعةٍ من كل تصنيف، وأبقى حوالي عشر ملفاتٍ تأبَّطها، ورجع بها والناس يولولون وراءه. وطلبتُ منه ملفًّا للأستاذ، فردَّ عليَّ غاضبًا: «ألم أقل لك تمشي برّه تسجّل؟!» فدخل هو مكتبه، وغادرتُ أنا المكان. ألم أقل لكم إنّهم يتعاملون بتعالٍ مخيف، بل إنّهم يتذمّرون ويتنمّرون على العملاء؟! فهل أنا بذلك طلبتُ لبن الطير، أم حقًّا يكفله القانون؟ فمتى يعامل البنك عملاءه بتقدير واحترام؟!
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة