منذ أن أطاح عسكريون بحكومة الرئيس السابق محمد بازوم في انقلاب عسكري، أشاح الانقلابيون بوجههم عن فرنسا راعية الحكومات الفرانكفونية بغرب افريقيا، ويبدو أن الجنرال عبد الرحمن تياني قائد الانقلاب قد سار على ذات الدرب الذي سارت عليه بوركينا فاسو ومالي وانضوى معهما فيما سمي بتحالف دول الساحل، واتخاذهما نهجاً سياسياً مخالفاً للنهج التقليدي القديم التابع لفرنسا تبعية سياسية واقتصادية عمياء، وذلك بإقامة دول الساحل هذه لعلاقات قوية مع جمهورية روسيا الاتحادية، وانفصالها عن المجموعة الاقتصادية لدول غرب افريقيا "الإكواس"،ومن المعلوم أن حكومات الدول الثلاث المكونة لحلف الساحل هي من اكثر حكومات الغرب الافريقي مكافحة لتمدد الجماعات الإرهابية – داعش والقاعدة، اضف اليهم جمهورية تشاد في عهد رئيسها السابق إدريس دبي، الذي دفع بجيش النخبة لديه لملاحقة الإرهابيين إلى أن قطع دابرهم، لكن عادوا مجدداً واعادوا ترتيب صفوفهم بدعم استخباراتي من بعض البلدان الأوروبية بهدف زعزعة أمن واستقرار هذه الدول الخارجة لتوها عن الكولونيالية الفرنسية، لا سيما وأن دولة النيجر تحتفظ بأكبر مخزون من اليوراينوم الذي كانت فرنسا تأخذه مجاناً، وهكذا جميع دول افريقيا التي اشتعلت فيها الحروب اللانهائية، تجد لعنة المعادن النفيسة وراء تلك الدماء الافريقية السائلة، بفعل الفوضى غير الخلاقة وغير الأخلاقية التي تصنعها أيادي البيض من وراء البحار. تظل حكومة الجنرال عبد الرحمن تيفاني حكومة انقلابية وغير شرعية منذ اطاحتها بالرئيس المدني المنتخب محمد بازوم، وهي مازالت معلقة العضوية بالاتحاد الافريقي منذ أغسطس من العام 2023 أي بعد شهر واحد من الانقلاب، فمهما كانت نوايا الانقلابيين ا(لوطنية)، الا أن استمرارهم في الحكم دون اجراء انتخابات عامة يختار فيها الشعب النيجري ممثليه بمن فيهم رئيس الجمهورية، يكون هؤلاء الانقلابيون خارج دائرة التفاعل الافريقي، حتى يؤسسوا لانتقال مدني ديمقراطي يجنب بلادهم خطر التدخلات الخارجية وتمدد جماعات الإرهاب، ومخاطر احتمال التدخل العسكري من قبل دول "إكواس"، التي تحتفظ بهذا المقترح منذ اليوم الأول للانقلاب، ما سيكلف الشعب ويلات حرب شبيهة بحرب السودان التي عبثت بها الايدي الإقليمية والدولية، فخلفت حتى تاريخ اليوم ما يقارب المليون طفل مهددين بخطر الموت جوعاً بحسب منظمة الأمم المتحدة، وما زال خطر توغل الجماعات الإرهابية ماثلاُ منذ يوم أمس السبت يوم اندلاع الكارثة، حيث لم يستطع الجنرال تيفاني غير السيطرة على القصر فقط، بينما تسيطر على المطار ومرافق حيوية أخرى الجماعات المتطرفة، ما يتطلب من الاتحاد الافريقي عقد جلسة طارئة لتقديم العون للشعب النيجري الواقع بين مطرقة الأطماع الروسية وسندان المحاولات اليائسة من فرنسا لاستعادة مجدها الآفل وفردوسها المفقود. أثر الأوضاع الكارثية في النيجر على الجوار الغرب افريقي كبير، لا يمكن حصره في جوار دولة النيجر المباشر فقط، بل يمتد هذا الأثر حتى الشمال الافريقي والسودان، ففي شمال افريقيا كانت بداية نشاط الجماعات الإرهابية وخاصة المنطلقة من الجزائر، ثم تمددها في العمق الافريقي جنوب الصحراء، و أثر القبائل المشتركة بين النيجر وتشاد والسودان، فمن المؤكد أن الانفلات الأمني بدولة النيجر سيؤدي إلى تزويد الحركات والجماعات المسلحة بالبلدان المذكورة ورفع مستوى اشتعال الحروب والاقتتال فيها، والسودان من هذه الدول المتأثرة بالصراع المسلح في النيجر بصورة واضحة، لامتدادات بعض القبائل الرعوية في حزام ما يسمى بقبائل "الشوا" الممتد من السودان مروراً بتشاد والنيجر ومالي والكاميرون، فهذه القبائل يقدر عددها بأكثر من عشرين مليون نسمة العدد الذي يعادل تعداد سكان دولة، وهم يشبهون في توزيعهم الديموغرافي في هذه الجغرافيا الأكراد، المنقسمون بين تركيا والعرق وايران وسوريا، مثل هذه الظاهرة لطالما شكلت خطراً حقيقياً على الأنظمة الحاكمة في البلدان التي تتقاسمها، على الاتحاد الافريقي لعب دور أكثر فاعلية لاحتواء أزمات الصراعات المسلحة في الغرب الافريقي قبل أن تصبح أزمات دائمة كما هو الحال بالنسبة لجماعات قومية الأكراد في البلدان الأربعة.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة