ثلاثة عقودٍ من "التنظير المتفلسف" والتحذير الذي لا يجدُ صدىً، قضيتُها أرقبُ انهيار "الشمالية" وهي تذوي تحت سنابك التهميش الممنهج. اليوم، لم يعد الوقتُ متسعاً للترميز أو التورية؛ فالحقيقة التي كانت تهمس بها جدران منازلنا القديمة، تصرخُ الآن في وجه الجلاد: إنّ "الولاية الشمالية" لم تكن يوماً جزءاً من مُلكِهم، بل كانت "مستباحةً" لإدارة أزماتهم، ووقوداً لمحرقةِ طموحاتهم السياسية. إننا نوجه إصبع الاتهام اليوم، بكل ما أوتينا من مرارةِ التاريخ ووعيِ المثقف، إلى الوالي الحالي الذي يمثل رأس الرمح في هذه الجريمة المتمادية؛ وإلى الحركة الإسلامية بأكملها، بصفتها العقل المدبر والمخطط لهذه "الجناية الوطنية". إنهم جميعاً يتحملون -أفراداً وكيانات- وزر ما يحدث في الولاية؛ إذ استباحوا الأرض التي أورثنا إياها التاريخ، وحولوها إلى "ملكية خاصة" تُدار بعقلية الإقصاء. لقد قامت هذه الحركة – بمسؤولينها وأدواتها – بصناعة "خديعةٍ كبرى"؛ حين سوّقوا للرأي العام أن الشمالية ولايةٌ مترفة، بينما كانت في الحقيقة "منفىً للمحرومين". استنزفوا مواردها باسم "التمكين"، وحين ضاقت بهم مساحات النهب في المركز، ارتدّوا نحو الشمالِ خائفين، يبحثون في "تضاريسه" عن ملاذٍ أخير، متناسين أنهم -هم ومن تولوا أمر الولاية- قد جردوا إنسانها من كرامته، وحرموا أرضها من أبسط مقومات البقاء. إنّ ما يرتكبه هؤلاء ليس مجرد "إدارة فاشلة"، بل هو "جُرمٌ مكتمل الأركان". جريمةٌ بحق المواطن الذي يُطالب اليوم بدفع فاتورةِ دماءٍ لم يسفكها، وبحق الأرض التي شحّت مياهُها وسُلب خيرُها ليتدفق استثماراً في عواصم الترف البعيدة. إنّ العدالة، التي نؤمن بها كجزءٍ لا يتجزأ من "ثقافة الديمقراطية" ودولة المواطنة، تقتضي أن يُحاسب الجميع. لا عفوَ عن الذين جعلوا من اسم الولاية "ستاراً" لجرائمهم. إنّ المحاسبة ليست ترفاً، بل هي الشرط الوحيد لإيقاف هذه الحرب العبثية؛ فالحرب التي يشعلونها اليوم في أطراف الوطن ليست سوى امتدادٍ لسياستهم في سلب الحقوق وتهجير الناس. إننا لا نستصرخُ ضمائرهم -فقد ماتت-، بل نُسجّل هذا الموقف في "سجل التاريخ الوطني"، لنقول لكل من يقرأ: إنّ "الولاية الشمالية" ليست رهينةً بيدِ الوالي، ولا ملكيةً مشاعةً للحركة الإسلامية. نحن أمام لحظةِ كشفٍ تاريخي، والوطنُ الذي يرفضُ التهميش، سيُحاسبُ كل من تجرأ على حرمة أرضه وكرامة إنسانه.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة