ليس "التصنيع" في معجم اللسان مجرد تحويل للمادة الصماء، بل هو إعادة تشكيل للوجود؛ ولعل الوعي هو المادة الأكثر سيالة وخطورة، تلك التي يصوغ بها الإنسان ذاته ومحيطه. نحن لا نطأ الواقع كما هو بذاته، بل كما تتأوله أوهامنا، وتشوبه تركات التربية، وظلال الخوف، وتكتلات المصالح.
الوعي ليس مخزوناً شمعياً من المعلومات، بل هو المسافة النقدية بين الذات وفكرتها؛ إنه القدرة على التحديق في الأيديولوجيا من الخارج قبل أن تتحول إلى يقين مصمت. ومن هنا، لا يكمن الخطر في الجهل العاري، بل في "امتلاك الحقيقة الكاملة"؛ ذلك العمى المفاهيمي الذي يحول العقيدة الفكرية إلى سياج عازل بين العقل وسيولة الواقع.
لم تكن الفاجعة في السودان مجرد ارتطام مادي بالحديد والنار، بل كانت انكشافاً أنطولوجياً زلزل بنيتنا الفكرية؛ إذ يعيد الخوف هندسة الكائن البشري حتى يطبّع مع ما كان يراه بالأمس مروقاً. في أزمنة التداعي، تنزلق الدلالات: يتحول النزوح من حركية عابرة إلى حقيقة جغرافية، ويغدو البيت مجرد أطياف، والوطن كبسولة سفر، والخوف موقفاً فلسفياً.
وفي قلب هذا الخراب، يتخلق السؤال البنيوي: من الذي يتغذى على استدامة العدم؟
إن الحرب بالنسبة للمواطن تجربة وجودية ساحقة، لكنها في إحداثيات السلطة والمصلحة تتحول إلى "اقتصاد سياسي" ومورد للنفوذ؛ وحين تغدو الفوضى بنية إنتاجية، يصبح السلام تهديداً وجودياً لمنظومة المصالح. وأشد طعنات الحرب ضراوة أنها لا تكتفي بسفك الدماء، بل تمارس اغتيالاً رمزياً للعقل، حاسمة المعركة لصالح الهستيريا الجماعية والشائعة.
وهنا تتضاعف الكلفة الأخلاقية على سدنة "المشهد المعرفي" والإعلامي؛ فمن يتسنم منصة التوجيه متدثراً بعباءة الصحافة، يتوجب عليه الالتزام بالصرامة المنهجية والأمانة الأنطولوجية. لا يجوز استبدال أدوات الكشف والتفكير العلمي بالإيحاءات الرخيصة، ولا تدليس الحقائق أمام العامة؛ فالصحافة ليست استعراضاً خطابياً، بل هي انحياز أخلاقي للحقيقة في تجردها.
إن معركتنا الحقيقية ليست ضد المدافع التي مزقت الخارطة فحسب، بل ضد "الوعي السائد" الذي شرعن الموت لغة للحوار. إن الخراب المادي ترممه الخرسانة، أما انكسار المعنى في الكائن فلا يرممه إلا التفكير الحر والشجاعة الأخلاقية في مكاشفة الذات.
يقف السودان اليوم أمام لحظة فارقة: هل نعيد تشييد الجدران بالمعمار الفكري ذاته الذي أنتج الكارثة؟ إن بناء المدن بأذهان معطوبة هو تأجيل دوري للانهيار. ربما يكمن الفارق البنيوي بين من يقتاتون على الفوضى ويستثمرون فيها، وبين من يرفضونها، في أن الأولين يدركون تماماً المأرب الثاوي خلف الحرب، بينما نرزح نحن تحت عبء السؤال الأول: ماذا نريد من الوطن؟ وهكذا، وحين ينبثق المعنى، يبدأ تأسيس الإنسان الجديد.
09-12-2026, 02:42 AM
هدى ميرغنى هدى ميرغنى
تاريخ التسجيل: 10-27-2021
مجموع المشاركات: 6905
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة