في أول خطاب للصادق المهدي في برلمان ما بعد انتفاضة إبريل 1985م، قال إن حزب الأمة تحول لحزب يمثل الطبقة الوسطى، و معلوم إن الطبقة الوسطى ليس منطقة جغرافية في المجتمع، إنما هي هي الطبقة المستنيرة التي تحفظ تاوزن القوى في المجتمع و التي يقع عليها عبء التنوير الإجتماعي، و في أول خطاب للصادق بعد تهتدون في القاهرة و في إحدى صالات الجامعة الأمريكية، قال إن واحدة من أهم قصور الأحزاب السودانية إنها لم تعتن بالتنوع الثقافي في السودان، و تجعله أحد أجندتها السياسية.. في مكتب الصادق في مدينة نصر شارع النحاس سألته هل الاعتراف السياسي بالتنوع هو تزيين للخطاب السياسي إرضاء لحركات الهامش أم قناعة تتبعها إجراءات مطلوبة و تحقيق انجازات.. قال إنها واحدة من عقد السياسية كلمة تحل عقدة تجد هناك عددا من العقد تحتاج إلي حلول...! بدأت المقال بهذه الافتتاحية؛ لآن الخطاب السياسي المحكوم بحالة من الزهو عند الانتصار، أو بحالة من التراجع و تقديم تنازل في محاولة لاكتساب القبول، دائما يكون خطابا مؤقتا مرتبط بفترة الحالة، و لكن الخطاب الذي يقدم من خلال نقد للظاهرة و نقد بهدف المراجعة الفكرية، يصبح خطابا مؤسسا على قواعد معرفية، و لذلك سهل أن يفتح حوارات عميقة وسط النخب و المثقفين و أيضا يطال العامة.. و هو الخطاب الذي يخلق وعيا جديدا يؤدي إلي طرق جديدة في التفكير.. النخب السياسية في المشهد السياسي لم تتعود على الحوار.. إذا انتقلنا إلي اللقاء الذي كان قد أجراه أحمد منصور مع الدكتور حسن عبد الله الترابي مؤسس الحركة الإسلامية الجديدة بعد ثورة أكتوبر 1964م.. كان اللقاء يشكل نقدا لمسار الحركة الإسلامية، لكن مشكلة اللقاء أنه بث بعد موت الترابي.. و إذا كان بث قبل وفاته، ربما كان قد خلق حوارا واسعا في المجتمع بكلياته، و هناك العديد من القيادات الإسلامية التي قدمت نقدا للإنقاذ و هي في عنفوانها و قوتها.. قبل سقوط الإنقاذ، و بعد السقوط لم تكن الحركة الإسلامية بناء تنظيمي واحد مثل ما كانت قبل الإنقلاب، و أيضا بعده في السنين العشرة الأوائل، بعد ذلك تشظت الحركة الإسلامية لعدة تنظيمات، و كل واحدة تريد أن تبني تاريخها بتاريخ تأسيسها.. هذه الملاحظة جديرة بالانتباه لأنها تريد تجاوز مسيرة الفشل.. هنا تصبح عملية نقد الحركة الإسلامية و فترة حكمها " 30 سنة" هي مسؤولية كل القوى السياسية و الباحثين في الشأن السياسي و أيضا الذين كانوا جزءا من عناصرها، و الهدف معرفة الأخطاء التي صاحبت التجربة، و المخاطر التي عرضت البلاد للنزاعات و الحرب، و أيضا معرفت اسباب فشلها في خلق استقرار سياسي و اجتماعي في البلاد، و عدم الاستفادة من ثروات البلاد في نهضة زراعية و صناعية و تطوير للخدمات " تعليم و صحة و كهرباء و مياه غيرها" إلي جانب انتشار الفساد باعتراف رئيس الجمهورية عمر البشير..هنا يتحول النقد نفسه لبناء معرفي و ثقافة سياسية جديدة تقبل تقدم محازير للقادم.. و طرح الأراء المختلفة تقلل من بروز فرص العنف في السياسة و في المجتمع.. هل النخب السيتاسية لا تعرف تلك الحقائق و على دراية كاملة بها؟ و ما هو الهدف من نقد المسيرة السياسية لتنظيم سياسي؟ هل هو الإقصاء أم الاستفادة من معرفة الأخطاء في التجارب الأخرى؟ أن النخب السياسية و المثقفة تعرف تماما إن الهدف من أية عملية نقدية، هي معرفة أسباب الإخفاق و الفشل، حتى لا تتكرر في التجارب المستقبيلة.. لكن المشكلة إن إخفاق الإنقاذ السياسي خاصة في عملية التبادل السلمي للسلطة و تضييق الحريات الصحفية و الإعلامية، و أيضا الضعف في مناهج التعليم، و ربط التعليم بالحفظ دون التطبيق، أثر بصورة سلبية في خلق عناصر سياسية ضعيفة التجربة السياسية، و عاجزة أن تقدم انتقادات علمية بهدف إصلاح المسار السياسي.. لذلك عندما تجد أغلبية المقالات هي مركزة على الحركة الإسلامية التي كانت كتلة واحدة من قبل.. هي ليست مقالات من باب النقد أنما هي تهدف للإقصاء السياسي الذي مارسته الإنقاذ من قبل، و أضر بها أكثر من غيرها. لأنه تسبب في انقسمها عام 1999م و توالت الانقسامات بسبب التضيق على الحريات، لان الصراع داخل السلطة تحول من صراع سياسي من أجل الإصلاح و البناء، إلي صراع من أجل المصالح الذاتية و المناطقة، هو الذي أفسح المجال لظهور مراكز القوى داخل الحزب الحاكم.. إن ثورة الشعب في ديسمبر 2018م، كان الشعب يبحث عن مخرج للأزمة، في اعتقاد أن التغيير ربما يأتي بقوى جديدة لها أفكار جديد تساعد على البناء و النهضة، و لكن للأسف أن التحدى كان أكبر من قدرات الذين قدمتهم " قوى الحرية و التغيير" لأنهم فشلوا منذ البداية عن تقديم مشروع سياسي يبينوا فيه رؤيتهم لعملية الإصلاح السياسي و النهضوي، و يفتحوا حوارا لمناقشة المشروع من قبل كل القوى السياسية بما فيها الإسلاميين.. و الهدف من ذلك إن الحوار بيقلل فرص بروز العنف.. المسألة الثانية إن الثورة جاءت لكي تقدم حلولا لكل حالات الفشل التي مرت على البلاد و ليس إثارة صراعات تغوض فرص النجاح.. هذه العقليات السياسية التي تسعى للحوار لتهدئة النفوس دائما تكون أجندتها وطنية، أما الذين يستبطنون المصالح الذاتية و البحث عن مغانم السلطة و الحقائب الدستورية هم الذين يميلون لرفع الشعارات الإقصائية و الانتقامية.. و يبررون ذالك لأنهم يريدون محاسبة الفاسدين و الذين ارتكبوا انتهاكات انسانية، الذي يريد أن يحاسب الناس يشرع في بناء المؤسسات العدلية و يقدم هؤلاء للعدالة لكي يخلق ثقافة جديدة، و لا يستعين بثقافة الدول الشمولية في المنطقة العربية و شرق أوروبا.. العدالة لها وجه واحد و ليس وجهين.. إن السودان يعاني من أزمة نخب سياسية، تبحث عن المقاصل قبل أدوات العدالة، و عندما تسمع لبروفيسور درس عشرات السنين في الجامعة علوم اجتماعية يطالب أن يوضع السودان تحت الانتداب.. ليس هذا أقر شخصي أن كل الأجيال التي قم بتدريسها فاشلة.. معنى ذلك أن الطلاب يتحصلون العلم من اساتذة يعترفون بفشلهم الأكاديمي.. و كاتب سياسي يقدم نقدا لحزبه ثم يتراجع حتى لايدركه عقاب السابقين.. نسأل الله حسن البصيرة..
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة