بقلم: نزلت حرب الخامس عشر من أبريل على الشعب السوداني كالصاعقة، بل كانت واحدة من أقسى المحن في تاريخ السودان الحديث. وتوزّع شرّها على كل فئات المجتمع، لكن وقعها على المرأة كان أشدّ وأقسى. فقد وجدت آلاف النساء أنفسهن فجأة بلا مأوى ولا بيت، بينما انقطع عمل كثير من أرباب الأسر، فكان على المرأة أن تتحمّل العبء الأكبر من هذه الكارثة. وعلى خلاف الصورة السطحية التي يروّجها أحيانًا إعلامٌ لاهٍ أو تريندٌ عابر يسلّط الضوء على نماذج هامشية من الابتذال والسفه، فإن الحقيقة العميقة تقول إن الغالبية العظمى من نساء السودان قدّمن في هذه المحنة صورة ناصعة للصبر والجلد وتحمل المسؤولية. لقد “شِلن التقيلة” بحق، ووقفن في الصف الأول لمواجهة قسوة الحرب. حين غاب رب الأسرة، أو فقد عمله، أو اجتمع الأمران معًا، نهضت المرأة لتدبير شؤون الحياة: تدير المعيشة بما تيسر، وترعى الأبناء، وتتابع تعليمهم رغم النزوح والتشرد، وتتحمل مرارة الانتقال من بيت إلى مأوى، ومن استقرار إلى قلق دائم… كل ذلك بصبرٍ صامتٍ وعزيمة لا تلين. وإذا كانت كل قطاعات المرأة قد حملت نصيبها من هذا العناء، فإن المرأة الريفية وفي المدن الصغيرة كانت الأكثر مشقة وتضحية؛ فهي تطبخ وتكنس، وتحتطب وتزرع، وترعى الماشية، وتربي الأبناء، وتصل ليلها بنهارها في كفاحٍ يومي لا يعرف الكلل ولا الملل. ثم تأتي المرأة العاملة في القطاعات البسيطة؛ عاملات النظافة، والفرّاشات في المدارس والمستشفيات، وهن شريحة أصيلة في المجتمع، يقدّمن جهدًا كبيرًا ووقتًا طويلاً، ولا ينلن في المقابل إلا القليل. ومع ذلك يواصلن العطاء بصمتٍ وكبرياء. وفي القطاع الصحي تقف القابلات والممرضات، ملائكة الرحمة الحقيقيات. يعملن في بيئات تفتقر إلى أبسط الإمكانات، لكنهن يصنعن من القليل أملًا، ومن الألم شفاءً، ويضخخن الحياة في عروق المرضى، ويقابلن المعاناة بابتسامة وصبر. أما في قمة هذا المشهد النبيل فتقف المعلمة السودانية؛ شمعة الحياة وقمر الضواحي. لقد أصبح التعليم في السودان يعتمد عليها اعتمادًا كبيرًا، فهي ليست مجرد موظفة تؤدي عملاً، بل شريكة حقيقية لكل أسرة في تربية أبنائها وصناعة مستقبلهم. فلا تعليم بلا امرأة، ولا أمل في الغد بلا معلمة تحمل رسالة النور في أصعب الظروف. لقد جعل العالم الثامن من مارس يومًا للاحتفاء بالمرأة، لكننا نقول إن المرأة السودانية لا يكفيها يوم واحد، ولا تكفيها أيام السنة كلها. فما قدّمته من صبرٍ وتضحياتٍ في هذه المحنة أكبر من أن يُختزل في مناسبة عابرة.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة