تحول منصّات التواصل الاجتماعي في السودان إلى أدوات هدم مجتمعي ، فبدلا من أن تكون فضاء للتعبير عن الرأي ونشر ما يرقي المجتمعات من قيم فاضلة أصبحت منصات للكذب والانحطاط الخلقي ورزع الفتن والكراهية بين المكونات الاجتماعية وتلويث الذوق العام .
تحولت منصّات التواصل الاجتماعي في السودن إلى بنية تحتية لإنتاج وتفكيك المجتمع . ما نشهده اليوم هو مسارًا متراكمًا—أحيانًا مقصودًا وأحيانًا نتيجة إهمال—يضرب في صميم التماسك الاجتماعي ويقوّض أي أفق لبناء دولة مستقرة . من النقاش إلى الاستقطاب انزلق الخطاب العام من مساءلة السياسات إلى شيطنة الجماعات ، وبدلا من إدارة الخلاف ، جرى تسليع الهوية واستخدامها كسلاح تعبوي . هذا التحوّل جعل اقتصاد الغضب يحكم المشهد مما رفع كلفة الحوار فصار الاتهام أسرع انتشارًا من الحُجّة والمنطق ، والشتيمة أعلى تفاعلًا من الفكرة والرأي الراشد .
«اقتصاد الغضب» يكافئ الاستفزاز والمحتوى الأكثر حدة فهو نفوذ رقمي يُبنى على إثارة السخط دون إيجاد او تقديم الحلول . في هذا الاقتصاد ، تُستبدل الحقيقة بالإثارة ، وتُختصر القضايا المعقّدة في ثنائيات قاتلة .
هذا الفراغ في القيادة الأخلاقية وغياب المرجعيات المسؤولة—أو صمتها—فتح الباب لفاعلين بلا مساءلة لقيادة المزاج العام . الأخطر أن بعض النخب انخرطت في الاستقطاب بدل كبحه ، ما منح التحريض شرعية ضمنية ، وعمّق فجوة الثقة بين المكوّنات الاجتماعية . هذه الكلفة الاستراتيجية لا تظهر فورًا بل بعد حين .
تآكل رأس المال الاجتماعي لا يَظهر في العناوين العاجلة ، ولكنه يتراكم ببطء وهذه خطورة تصيب المبادرات المشتركة بالشلل ، مما يزيد من ارتفاع قابلية العنف مستقبلًا . في هذه البيئة ، يفقد أي مشروع وطني—انتقاليًا كان أو تأسيسيًا—شرعيته قبل أن يبدأ .
المعالجة المطلوبة ينبغي أن تنصب في حزمة إجراءات عملية من حوكمة قاعدية للخطاب عبر مواثيق سلوك يقودها مؤثّرون محليون ، مع آليات تفنيد سريعة ومسؤولة .وإعادة هندسة النقاش من صراع هويات إلى سياسات عامة . والاستثمار المضاد في الثقة عبر سرديات تعاون محلية وقصص نجاح مشتركة . ومساءلة النخب الرقمية بلا مجاملة بتسمية المحرضين وفضح تضارب المصالح ، مع بناء مساحات نقاش نوعية صغيرة تُدار بجودة عالية ، تقلّل الضجيج وتزيد القيمة .
الكراهية الرقمية إنها خطر تشغيلي على المجتمع . إدارتها تتطلّب قيادة واعية ، حوكمة ذكية ، واستثمارًا جادًا في الثقة . من دون ذلك ، سنربح تفاعلًا… ونخسر مجتمعا ووطنًا .
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة