نحنُ دعاةُ سلامٍ لا دعاةُ حرب. فالسلام، في معناه الأصيل، ليس مجرّد توقّفٍ لإطلاق النار، ولا هدنةً مؤقتة تُخفي تحت الرماد جمرَ صراعٍ يتجدّد، بل هو حالةٌ من الاستقرار العادل، تُصان فيها كرامة الإنسان، وتُحفظ فيها الدولة، وتُقام فيها العدالة على أسسٍ راسخة، بعيدًا عن منطق الفوضى وإعادة إنتاج الأزمات تحت أي مسمى.
السلامُ لا يعني المساومة، ولا تسويةً مع من دمّر البلاد، ونهب مقدّراتها، واعتدى على المواطن، وقضى على الأخضر واليابس. كما لا يقوم على التغاضي عن الجرائم أو تمييع المسؤوليات، بل على إحقاق الحق، وترسيخ القانون، ومحاسبة من أجرم، بعيدًا عن أساليب الانتقام وتصفية الحسابات الشخصية.
السلامُ يتحقّق بالتوافق بين الأحزاب والطوائف، وكلّ المكونات الاجتماعية بمختلف مشاربها الدينية والثقافية واللغوية، إلى جانب القوات النظامية والمدنيين من نشطاء وعامة، عبر حوارٍ وطنيٍّ جامع يناقش قضايا الوطن، ويضع حلولًا لكلّ المشكلات، ويصوغ استراتيجياتٍ مستقبلية، مع إعطاء الأولوية للتعليم والصحة للنهوض بالمواطن والوطن والارتقاء بهما.
ويُبنى هذا التوافق على صياغة مستقبلٍ مشترك تُرسم فيه خطوطٌ حمراء لا يجوز تجاوزها، صونًا لوحدة البلاد، وحمايةً لثرواتها، وحفظًا لحقوق المواطنين، دون تنازلٍ أو مساومة.
وعليه، فإنّ السلام لا يشمل من انقضّ على الدولة بأهدافٍ ومطامع غير واضحة لخدمة الأجندة الخارجية التوسعية، ولا من اتخذ من الفوضى وسيلة، ومن السلاح طريقًا لفرض أمرٍ واقعٍ بالقوة؛ فلا استقرار مع من يهدّد كيان الدولة، ولا تعايش مع من يقوّض أسسها.
وفي هذا السياق، تبرزُ حربُ الكرامة لا كخيارٍ ابتدائي، بل كضرورةٍ فرضتها لحظةُ اختلالٍ عميق، حين ضاق الجسدُ الوطني بما تراكم فيه من علل، وتقدّمت قوى الارتزاق ومن يسعى لتنفيذ مخططاتٍ رُسمت له على حساب وحدة الدولة واستقرارها. فهي محاولةٌ لاستعادة الدولة من حافة الانهيار، وتحرير التراب الوطني من المليشيات، ومن ممارسي الجرائم والانتهاكات المنظّمة العابرة للحدود، ومن كلّ من اصطفّ معهم أو برّر أفعالهم.
ومن هنا يبرز التناقض: كيف تُرفع شعارات الديمقراطية ودولة العدالة مع الاصطفاف إلى جانب الإجرام؟ فلا ديمقراطية مع الجريمة، ولا حرية مع انعدام الأمن واستتباب الفوضى.
وعليه، فإنّ حرب الكرامة—في معناها الأعمق—هي طريقٌ إلى السلام، لا نقيضٌ له؛ وسبيلٌ لاستعادة التوازن، وصون وحدة البلاد، وحفظ كرامة المواطنين، تمهيدًا لمرحلةٍ تُبنى فيها الدولة على أسسٍ أكثر عدلًا وثباتًا.
إنّ ما بعد الحرب يجب أن يكون بدايةً لاجتثاث جذور الأزمة لا إعادة إنتاجها؛ بدايةً لإعمار ما دمّرته الحرب من بنيةٍ تحتيةٍ وخدماتٍ صحيةٍ وتعليمية، وإعادة الأمن والاستقرار للمواطن.
كما أنّ التجارب السياسية الماضية، بما فيها فترة «قحط» كما يُسمّيها منتقدوها، يجب أن تُقرأ قراءةً موضوعية لا للتجريح أو التشفي، بل لاستخلاص الدروس ومنع تكرار الأخطاء.
وتتجلّى بعض هذه النماذج في شخصيات قضت فترات طويلة في المهجر دون أثرٍ إنتاجيٍّ أو تأهيليٍّ يُذكر، رغم ما أُتيح لها من فرصٍ في بلاد الغرب، خصوصًا لتحسين أوضاعها المعيشية والتعليمية، لكنها أدمنت الاعتماد على دعم المنظمات الإنسانية والكنسية وأنظمة الضمان الاجتماعي طوال فترة غيابها عن المشهد السياسي والاجتماعي. ثم عادت بخطابٍ سياسيٍّ منسوخٍ خاوي المضمون، متأثرٍ بتجارب مجتمعات أخرى، دون إدراكٍ لخصوصية المجتمع وقيمه، بما أفرز فراغًا في القيم والقناعة والمنهج، وتناقضًا مع البيئة وثقافة المجتمع، وأفضى إلى انهيار حكومتهم المزعومة السيئة الذكر، التي غلب عليها منطق الثراء والاغتناء وتعويض ما فاتهم بأي وسيلة، مهما كان الثمن.
إنّ هذا النمط لا يُنتج مشروعًا وطنيًا، بل يُعيد إنتاج الاضطراب والارتهان، ويعكس أزمةً في الرؤية والوعي لا تُعالج بالشعارات بل بإعادة بناء المسؤولية.
ومن أراد العودة إلى حظيرة الوطن وتبرئة نفسه من جرائم الغزاة، فما زالت الفرصة متاحة؛ غير أنّ من ارتكب جرمًا—من نهبٍ أو اغتصابٍ أو اعتداء—فلا يملك أحدٌ حقّ التجاوز عنه أو التنازل فيه، فالمحاكم هي الفيصل.
أما الحقّ العام، فأولياءُ الأمر ومن أُوكلت إليهم قيادة البلاد أدرى بمصلحة العباد والبلاد، ولهم حقّ التقييم واتخاذ القرار بما يتماشى مع المصلحة العامة دون المساس بها.
ويبقى هذا الشعب—الذي صنع التحوّلات—قادرًا على التمييز وتجاوز المحن وبناء وطنٍ يليق بتضحياته، مستندًا إلى وعيه التاريخي وقدرته على النهوض رغم التحديات.
وفي النهاية، ليس السلامُ ما يُمنح، بل ما يُنتزع بالعدل. فالكرامةُ تضحياتٌ ومواجهةٌ للأعداء في كل الميادين، وليست شعارًا يُرفع، بل عهدٌ يُصان وميثاقٌ يُكتب، وبها وحدها يبدأ السلام الحقيقي.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة