الفيدرالية بين التأصيل والآلية: قراءة نقدية في رؤية الإسلاميين المناصرين للدولة للفيدرالية في ضوء إطار ميثاق النجاة وبناء الدولة
مقال د. زهير أبو الزهراء، الذي شارك في منتدى منصة التبلدي بالتعاون مع حزب المؤتمر الشعبي، طرح د. زهير أبو الزهراء، في مقاله رؤية الإسلاميين المناصرين للدولة للفيدرالية، تضمّن مراجعة لتجربة المركز وتصوراً جديداً لإدارة التنوع في السودان. وهو حوار يستحق الترحيب بوصفه انفتاحاً على نقد ذاتي داخل التيار الإسلامي نفسه، وإقراراً بأن المركزية المفرطة التي حكمت العقود الثلاثة الماضية أنتجت مظالم تنموية وسياسية متراكمة. غير أن هذا الإقرار، على أهميته، يبقى - كما في معظم الكتابات التشخيصية السودانية المعاصرة - عند عتبة التأصيل الفكري، دون أن يعبر إلى الآلية المؤسسية التي تحوّل الاعتراف بالخطأ إلى ضمانة تمنع تكراره.
الفجوة الأولى: مرجعية مركزية ملزمة تناقض الفيدرالية من أساسها
يستند المقال إلى قراءة للتاريخ الإسلامي ترى أن الدولة الإسلامية أُديرت عبر نظام ولايات ذات هوامش واسعة، مع احتفاظ المركز بملفات السيادة العليا. وهذا تأصيل مشروع في ذاته، لكن المقال يطرح على نفسه السؤال الحاسم دون أن يجيب عليه: كيف تتحقق استقلالية الأقاليم في ظل مرجعية أيديولوجية مركزية تُعد ملزمة للجميع؟ هذا السؤال ليس تفصيلاً هامشياً، بل هو التناقض البنيوي الذي يفرغ أي مشروع فيدرالي من مضمونه إذا لم يُحسم مسبقاً. فحين يكون هناك مرجع أيديولوجي واحد فوق التعدد السياسي والثقافي للأقاليم، تتحول "الفيدرالية" إلى لامركزية إدارية تُدار من أعلى، لا إلى توزيع حقيقي للسلطة. وهذا ما يفسر خشية كثير من المراقبين، التي أشار إليها المقال نفسه، من أن الفيدرالية قد "تتحول إلى لامركزية إدارية محدودة، بينما تبقى السلطة الحقيقية في المركز". في مقابل هذا، يقوم ميثاق النجاة وبناء الدولة على مبدأ الشرعية الوظيفية التصاعدية (الشرعية الوظيفية التصاعدية): شرعية تُبنى من القاعدة إلى القمة عبر الأداء والتمثيل الفعلي، لا تُمنَح من مرجعية سابقة على التعدد ذاته. ولهذا استُبعدت المرجعية الدينية عمداً من الوثائق السياسية للميثاق - لا إنكاراً لمكانتها، بل لأن أي مرجعية مركزية ملزمة، دينية كانت أو أيديولوجية من أي نوع آخر، تصطدم بنيوياً مع فكرة الفيدرالية قبل أن تصل إلى تفاصيل توزيع الصلاحيات.
الفجوة الثانية: وفرة في التأصيل، وفراغ في الآلية
الرؤية المطروحة في المنتدى والتي عكسها المقال تعيد نمطاً متكرراً في الرؤي التشخيصية السودانية: غنى في الاستدلال التاريخي والفقهي على مشروعية الفيدرالية، مقابل غياب شبه تام لأي آلية دستورية محددة عند الوصول إلى السؤال العملي. فحين ينقل الكاتب موضع الحسم، يكون بعبارات عامة مثل "ضمانات دستورية واضحة تمنع عودة المركزية بأشكال جديدة"، دون تحديد : من يملك حق تعديل التوازن بين المركز والأقاليم؟ وما الجهة التي تفصل في النزاع حين يتجاوز المركز حدود صلاحياته "السيادية" المعلنة؟ هذه الفجوة بين التشخيص الدقيق والآلية الغائبة هي بعينها الفجوة التي رصدتها قراءات نقدية سابقة في كتابات مفكرين سودانيين آخرين : تشخيص رصين للأزمة، لكن دون مكوّن تنفيذي يجيب على سؤال "كيف". في المقابل، تعالج الركيزة الرابعة في الميثاق (الركيزة الرابعة) هذا السؤال عبر تمثيل إقليمي موزون كآلية دستورية صلبة قابلة للتطبيق، لا كنية حسنة معلّقة على "إرادة سياسية" لاحقة.
الفجوة الثالثة: مركز أمني قوي كإعادة إنتاج مقنّعة للمركزية
من أدق ما يرصده المقال أن الإبقاء على مركز قوي في الملفات الأمنية والعسكرية، مع نقل الأعباء الخدمية والتنموية إلى الأقاليم، قد يعيد إنتاج المركزية بصيغة جديدة، بحيث تصبح الفيدرالية توزيعاً للمسؤوليات لا توزيعاً حقيقياً للسلطة. هذا التشخيص صحيح تماماً، لكنه يتوقف عند الوصف دون أن يقترح آلية فصل مؤسسي تمنع هذا الانزلاق. التصميم التنظيمي لحركة الميثاق يعالج هذا الخطر تحديداً عبر الجدار المؤسسي (الجدار المؤسسي) الذي يفصل بين الطبقة السياسية والطبقة التنفيذية المدنية، بحيث لا تتحول الهيمنة الأمنية أو التنفيذية إلى أداة لإعادة تركيز السلطة السياسية في يد المركز تحت غطاء "الملفات السيادية". فالمشكلة ليست في وجود مركز يدير الدفاع والسياسة الخارجية - وهذا مقبول في أي نموذج فيدرالي - بل في غياب حاجز مؤسسي يمنع تسرّب هذه الصلاحيات لتصبح أداة هيمنة سياسية شاملة.
خلاصة: من الشعار إلى النظام
ينهي المقال بسؤال مصيب: هل تتحول الفيدرالية من شعار سياسي إلى نظام يحقق التوازن بين وحدة الدولة وحقوق الأقاليم، أم تبقى مجرد إعادة توزيع للصلاحيات تحت هيمنة مركز قوي؟ والإجابة على هذا السؤال، كما يظهر من هذه القراءة، لا تكمن في مزيد من التأصيل الفكري - فالتأصيل متوفر بالفعل وبقدر معتبر من الرصانة - بل في ثلاث آليات لا غنى عنها: حسم مسبق لمسألة المرجعية الملزمة قبل الحديث عن استقلال الأقاليم، تحديد دستوري صريح لجهة الفصل في نزاعات الصلاحيات، وفصل مؤسسي فعلي بين السلطة الأمنية/التنفيذية والسلطة السياسية. دون هذه الثلاثة، ستبقى الفيدرالية - كما يخشى كاتب المقال نفسه في ختامه - "إعادة إنتاج للأزمة التي يسعى الجميع إلى تجاوزها"، بصرف النظر عن مدى إخلاص النوايا القائلة بها.
إعداد: ضمن سلسلة المراجعات النقدية لإطار ميثاق النجاة وبناء الدولة — تعقيباً على مقال د. زهير أبو الزهراء
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة