العَلَامَاتُ عَلَى الجَسَدِ والنسبة للأم فِي الجَزِيرَةِ العَرَبِيَّةِ!!! كتبه الأمين مصطفى

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 08-22-2026, 09:04 PM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
08-04-2026, 02:15 PM

الأمين مصطفى
<aالأمين مصطفى
تاريخ التسجيل: 02-20-2020
مجموع المشاركات: 1778

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين

مكتبة الفساد

من اقوالهم
(مكتبة مفتوحة للتحديث)
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
العَلَامَاتُ عَلَى الجَسَدِ والنسبة للأم فِي الجَزِيرَةِ العَرَبِيَّةِ!!! كتبه الأمين مصطفى

    02:15 PM August, 04 2026

    سودانيز اون لاين
    الأمين مصطفى-السودان
    مكتبتى
    رابط مختصر



    العَلَامَاتُ عَلَى الجَسَدِ والنسبة للأم فِي الجَزِيرَةِ العَرَبِيَّةِ!!!
    النِّسْبَةُ إِلَى الأُمِّ، وَالوَسْمُ، وَالوَشْمُ، وَالشُّلُوخُ وَالفَصْدُ، وَتَسْوِيدُ الشَّفَاهِ مِنَ الجَاهِلِيَّةِ إِلَى العُصُورِ المُتَأَخِّرَةِ
    تَمْهِيدٌ وَمَنْهَجٌ
    تَكْشِفُ دِرَاسَةُ العَلَامَاتِ الَّتِي كَانَ الإِنْسَانُ العَرَبِيُّ يَضَعُهَا عَلَى جَسَدِهِ، أَوْ عَلَى إِبِلِهِ وَمَوَاشِيهِ، عَنْ جَانِبٍ مُهِمٍّ مِنْ تَارِيخِ المُجْتَمَعِ فِي الجَزِيرَةِ العَرَبِيَّةِ. فَهُنَاكَ فَرْقٌ بَيْنَ الوَسْمِ الَّذِي يُوضَعُ عَلَى الحَيَوَانِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى المِلْكِيَّةِ وَالانْتِمَاءِ، وَبَيْنَ الوَشْمِ الَّذِي يَكُونُ عَلَى جَسَدِ الإِنْسَانِ، وَبَيْنَ الشَّلْخِ أَوِ الفَصْدِ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَثَرٌ أَوْ نَدْبٌ فِي الجِلْدِ.
    وَيَلْزَمُ فِي هَذَا المَوْضُوعِ أَلَّا نَخْلِطَ بَيْنَ العَادَةِ الجَاهِلِيَّةِ الثَّابِتَةِ بِنَصٍّ أَوْ شَاهِدٍ، وَبَيْنَ عَادَةٍ عُرِفَتْ فِي بَعْضِ أَنْحَاءِ الجَزِيرَةِ فِي القُرُونِ المُتَأَخِّرَةِ. فَالشَّاهِدُ الشِّعْرِيُّ الجَاهِلِيُّ، مَثَلًا، يُثْبِتُ الوَشْمَ ثُبُوتًا قَوِيًّا، أَمَّا الشُّلُوخُ القَبَلِيَّةُ عَلَى الوُجُوهِ بِالمَعْنَى المَعْرُوفِ فِي السُّودَانِ فَلَا يَتَوَافَرُ لَهَا، فِيمَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ، دَلِيلٌ جَاهِلِيٌّ صَرِيحٌ مِنْ دَاخِلِ الجَزِيرَةِ العَرَبِيَّةِ؛ وَمِنْ ثَمَّ لَا يَجُوزُ نِسْبَتُهَا إِلَى الجَاهِلِيِّينَ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ.
    أَوَّلًا: النِّسْبَةُ إِلَى الأُمِّ فِي الجَاهِلِيَّةِ
    يَنْبَغِي أَوَّلًا تَصْحِيحُ مُصْطَلَحٍ: فَقَوْلُنَا «عَمْرُو بْنُ هِنْدٍ» لَيْسَ «كُنْيَةً» بِالمَعْنَى الاصْطِلَاحِيِّ الدَّقِيقِ، بَلْ هُوَ نِسْبَةٌ إِلَى الأُمِّ، أَوْ تَعْيِينٌ لِلرَّجُلِ بِأُمِّهِ لِلتَّمْيِيزِ أَوْ لِمَزِيَّةٍ فِي نَسَبِهَا.
    وَعَمْرُو بْنُ هِنْدٍ مِنْ أَشْهَرِ الأَمْثِلَةِ الجَاهِلِيَّةِ. فَهُوَ عَمْرُو بْنُ المُنْذِرِ المَلِكُ اللَّخْمِيُّ، وَأُمُّهُ هِنْدُ بِنْتُ الحَارِثِ الكِنْدِيَّةُ؛ وَقَدْ غَلَبَتْ نِسْبَتُهُ إِلَيْهَا فِي الشُّهْرَةِ حَتَّى عُرِفَ بِـ«عَمْرِو بْنِ هِنْدٍ». وَيُؤَكِّدُ مَصْدَرٌ فِي تَرَاجِمِ الشُّعَرَاءِ الجَاهِلِيِّينَ أَنَّ تَسْمِيَتَهُ بِابْنِ هِنْدٍ كَانَتْ مِنَ الأُمُورِ المَعْرُوفَةِ.
    وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُجَرَّدَ اسْمٍ فِي كُتُبِ المُتَأَخِّرِينَ؛ فَقَدْ وَرَدَ فِي مُعَلَّقَةِ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ:

    أَبَا هِنْدٍ فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْنَا
    وَأَنْظِرْنَا نُخَبِّرْكَ اليَقِينَا

    وَيُشَرِّحُ شُرَّاحُ المُعَلَّقَةِ أَنَّ «أَبَا هِنْدٍ» هُوَ عَمْرُو بْنُ هِنْدٍ.
    وَهُنَا يَظْهَرُ الفَرْقُ:

    عَمْرُو بْنُ هِنْدٍ: نِسْبَةٌ إِلَى الأُمِّ.

    أَبُو هِنْدٍ: كُنْيَةٌ، وَهِيَ صِيغَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ عَنِ النِّسْبَةِ.

    وَهُنَاكَ مِثَالٌ جَاهِلِيٌّ أَدَقُّ: عَمْرُو بْنُ أُمَامَةَ اللَّخْمِيُّ، وَهُوَ عَمْرُو الأَصْغَرُ، أَخُو عَمْرِو بْنِ هِنْدٍ، وَأُمُّهُ أُمَامَةُ بِنْتُ سَلَمَةَ الكِنْدِيَّةُ. وَتَنْصُّ تَرْجَمَتُهُ صَرَاحَةً عَلَى أَنَّهُ «نُسِبَ إِلَى أُمِّهِ تَمْيِيزًا لَهُ عَنْ أَخِيهِ عَمْرِو بْنِ هِنْدٍ».
    وَيَرِدُ فِي شِعْرِهِ نِدَاءُ أَخِيهِ:

    أَلِابْنِ أُمِّكَ مَا بَدَا
    وَلَكَ الخَوْرَنَقُ وَالسَّدِيرُ

    وَهَذَا مِنْ أَقْوَى الشَّوَاهِدِ عَلَى أَنَّ الأُمَّ كَانَتْ قَدْ تَكُونُ مَحْوَرًا لِلتَّعْرِيفِ وَالتَّمْيِيزِ فِي الأُسْرَةِ المَلِكِيَّةِ اللَّخْمِيَّةِ.
    وَلَا يَنْبَغِي أَنْ نَفْهَمَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ العَرَبَ فِي الجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يَنْسِبُونَ الأَوْلَادَ عَامَّةً إِلَى أُمَّهَاتِهِمْ؛ فَالأَصْلُ الغَالِبُ كَانَ النِّسْبَةَ إِلَى الأَبِ، وَإِنَّمَا وُجِدَتْ حَالَاتٌ خَاصَّةٌ لِلنِّسْبَةِ إِلَى الأُمِّ، لِشَرَفِهَا، أَوْ لِلتَّمْيِيزِ، أَوْ لِسَبَبٍ تَارِيخِيٍّ مُعَيَّنٍ.
    ثَانِيًا: الوَسْمُ فِي الجَزِيرَةِ العَرَبِيَّةِ — مِنْ وَسْمِ المِلْكِيَّةِ إِلَى شِعَارِ القَبِيلَةِ
    إِذَا انْتَقَلْنَا مِنَ الإِنْسَانِ إِلَى الحَيَوَانِ، وَجَدْنَا نِظَامًا آخَرَ لِلعَلَامَاتِ: وَسْمُ الإِبِلِ وَالمَوَاشِي.
    الوَسْمُ هُوَ أَثَرٌ دَائِمٌ أَوْ شِبْهُ دَائِمٍ يُوضَعُ بِالكَيِّ، أَوْ بِالقَطْعِ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ، لِكَيْ يَكُونَ لِلحَيَوَانِ عَلامَةٌ يُعْرَفُ بِهَا صَاحِبُهُ.
    وَتُعَرِّفُ المَصَادِرُ اللُّغَوِيَّةُ الوَسْمَ بِأَنَّهُ «أَثَرُ كَيَّةٍ»، وَتَذْكُرُ أَنَّ البَعِيرَ المَوْسُومَ هُوَ الَّذِي جُعِلَتْ عَلَيْهِ سِمَةٌ لِيُعْرَفَ بِهَا، سَوَاءٌ أَكَانَتْ كَيَّةً أَمْ قَطْعًا فِي الأُذُنِ أَمْ قَرْمَةً.
    وَالمِيسَمُ هُوَ الأَدَاةُ الَّتِي يُوسَمُ بِهَا الحَيَوَانُ.
    وَهَذَا التَّمْيِيزُ لَمْ يَكُنْ فَرْدِيًّا فَقَطْ، بَلْ أَصْبَحَ فِي البِيئَةِ القَبَلِيَّةِ نِظَامًا اجْتِمَاعِيًّا؛ فَلِلقَبِيلَةِ وَسْمٌ، وَلِلبَطْنِ وَسْمٌ، وَقَدْ تَتَفَرَّعُ الوُسُومُ بِحَسَبِ الفُرُوعِ وَالمُلْكِيَّةِ.
    وَيُؤَكِّدُ الدِّرَاسَاتُ الحَدِيثَةُ لِتُرَاثِ الإِبِلِ فِي الجَزِيرَةِ أَنَّ الوَسْمَ كَانَ وَسِيلَةً لِتَمْيِيزِ المِلْكِيَّةِ، وَأَنَّ كَثِيرًا مِنَ القَبَائِلِ وَالعَائِلَاتِ اتَّخَذَتْ وُسُومًا مُعَيَّنَةً لِإِبِلِهَا. وَيَذْكُرُ كِتَابُ «وُسُومِ الإِبِلِ فِي الجَزِيرَةِ العَرَبِيَّةِ: بَادِيَةً وَحَاضِرَةً» أَنَّ مَوْضُوعَهُ يَشْمَلُ نَمَاذِجَ وُسُومِ عَدَدٍ كَبِيرٍ مِنْ قَبَائِلِ الجَزِيرَةِ، خَاصَّةً فِي نَجْدٍ.
    ثَالِثًا: الوَسْمُ لَيْسَ مُجَرَّدَ عَلامَةِ مِلْكِيَّةٍ
    أَهَمُّ مَا يَكْشِفُهُ التُّرَاثُ النَّجْدِيُّ أَنَّ الوَسْمَ تَجَاوَزَ مُجَرَّدَ كَوْنِهِ «عَلامَةً عَلَى الحَيَوَانِ».
    فَهُوَ أَيْضًا شِعَارٌ قَبَلِيٌّ.
    وَقَدْ أَصْبَحَ مِنَ المُمْكِنِ لِمَنْ يَعْرِفُ وُسُومَ القَبَائِلِ أَنْ يَرَى البَعِيرَ مِنْ بَعِيدٍ فَيَعْرِفَ أَهْلَهُ وَقَبِيلَتَهُ، وَيُمَيِّزَ مِلْكَهُ مِنْ مِلْكِ غَيْرِهِ.
    وَهَذَا أَمْرٌ مُهِمٌّ جِدًّا فِي بِيئَةٍ تَتَحَرَّكُ فِيهَا الإِبِلُ بَيْنَ المَرَاعِي وَالمَوَارِدِ، وَتَخْتَلِطُ القَطِيعَانُ.
    وَقَدْ وَصَفَتْ جَرِيدَةُ «الجَزِيرَةِ» عَادَةَ الوَسْمِ فِي أَشْيَقَرَ وَنَجْدٍ، فَذَكَرَتْ أَنَّ صَانِعَ المِيسَمِ كَانَ يُشَكِّلُهُ عَلَى حَسَبِ الرَّمْزِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ عِنْدَ القَبِيلَةِ أَوِ الفَخْذِ، ثُمَّ يُحْمَى فِي النَّارِ حَتَّى يَحْمَرَّ، وَيُوضَعُ عَلَى مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ مِنْ جَسَدِ البَعِيرِ.
    وَمِنْ هُنَا فَإِنَّ الوَسْمَ يُمْكِنُ أَنْ يُقْرَأَ بِوَصْفِهِ هُوِيَّةً بَصَرِيَّةً.
    وَهَذَا يَفْسِرُ لِمَاذَا ظَلَّتْ أَسْمَاءُ الوُسُومِ وَأَشْكَالُهَا مَعْرُوفَةً فِي نَجْدٍ وَالحِجَازِ وَبَادِيَةِ الجَزِيرَةِ.
    رَابِعًا:
    «مُعْجَمُ قَبَائِلِ المَمْلَكَةِ العَرَبِيَّةِ السُّعُودِيَّةِ»، وَ**«المُعْجَمُ الجُغْرَافِيُّ لِلبِلَادِ العَرَبِيَّةِ السُّعُودِيَّةِ»**، وَهُمَا مِنَ المَصَادِرِ الَّتِي يُرْجَعُ إِلَيْهَا فِي تَحْدِيدِ مَوَاطِنِ القَبَائِلِ وَأَسْمَاءِ المَوَاضِعِ فِي الجَزِيرَةِ. وَتُشِيرُ المَرَاجِعُ الَّتِي تَسْتَعْمِلُ مُؤَلَّفَاتِهِ إِلَى أَنَّ «مُعْجَمَ قَبَائِلِ المَمْلَكَةِ» أَصْبَحَ مَرْجِعًا أَسَاسِيًّا فِي هَذَا البَابِ.
    وَمِنَ الطَّرِيفِ أَنَّ «أَبَا الوَسْمِ» نَفْسَهُ مَوْضِعٌ أَثْبَتَهُ الجَاسِرُ فِي مُعْجَمِهِ الجُغْرَافِيِّ، فَهُوَ يَرِدُ فِي المَصَادِرِ عَلَى أَنَّهُ مِنْ قُرَى غُمَيْقَةَ فِي نَاحِيَةِ مَكَّةَ.
    وَلَا يَجُوزُ أَنْ نُحَمِّلَ هَذَا الذِّكْرَ أَكْثَرَ مِمَّا يَحْتَمِلُ؛ فَهُوَ لَا يَثْبُتُ وَحْدَهُ لِعَادَةٍ جَاهِلِيَّةٍ، وَلَكِنَّهُ يُظْهِرُ قِدَمَ وَرُسُوخَ مُصْطَلَحِ الوَسْمِ فِي الجُغْرَافِيَةِ وَالثَّقَافَةِ المَحَلِّيَّةِ لِلجَزِيرَةِ.
    وَمِنْ شَوَاهِدِ أَهَمِّيَّةِ عَمَلِ الجَاسِرِ أَنَّ دِرَاسَاتِ الوُسُومِ الحَدِيثَةَ نَفْسَهَا تُحِيلُ إِلَى مُعْجَمِ قَبَائِلِهِ فِي تَعْيِينِ بَعْضِ القَبَائِلِ وَمَوَاطِنِهَا.
    خَامِسًا: الوَشْمُ البَشَرِيُّ فِي الجَاهِلِيَّةِ — أَقْوَى شَاهِدٍ: طَرَفَةُ
    إِذَا كَانَ الوَسْمُ عَلامَةً عَلَى الحَيَوَانِ، فَإِنَّ الوَشْمَ كَانَ عَلامَةً عَلَى جَسَدِ الإِنْسَانِ.
    وَهُنَا نَمْلِكُ شَاهِدًا جَاهِلِيًّا بَالِغَ القُوَّةِ، وَهُوَ مُطْلَعُ مُعَلَّقَةِ طَرَفَةَ بْنِ العَبْدِ:

    لِخَوْلَةَ أَطْلَالٌ بِبُرْقَةِ ثَهْمَدِ
    تَلُوحُ كَبَاقِي الوَشْمِ فِي ظَاهِرِ اليَدِ

    وَهَذَا البَيْتُ لَيْسَ مَجَرَّدَ ذِكْرٍ لِلَفْظَةِ «الوَشْمِ»، بَلْ هُوَ وَصْفٌ لِصُورَةٍ مَرْئِيَّةٍ كَانَ المُخَاطَبُونَ يَعْرِفُونَهَا.
    فَالشَّاعِرُ يَرَى بَقَايَا دِيَارِ خَوْلَةَ وَآثَارَهَا فَيُشَبِّهُهَا بِـبَقِيَّةِ الوَشْمِ فِي ظَاهِرِ اليَدِ.
    وَشَرْحُ الوَشْمِ فِي المَصَادِرِ اللُّغَوِيَّةِ يَجْعَلُ المَعْنَى أَكْثَرَ وَضُوحًا: فَهُوَ غَرْزُ الجِلْدِ بِإِبْرَةٍ ثُمَّ حَشْوُ مَوْضِعِ الغَرْزِ بِالكُحْلِ أَوِ النِّيلِ أَوْ مَادَّةٍ مُلَوِّنَةٍ، فَيَبْقَى الأَثَرُ فِي الجِلْدِ.
    وَهُنَا تَظْهَرُ أَهَمِّيَّةُ البَيْتِ:
    الوَشْمُ فِي الجَاهِلِيَّةِ لَمْ يَكُنْ فِكْرَةً مُجَرَّدَةً؛ كَانَ ظَاهِرَةً بَصَرِيَّةً مَعْرُوفَةً إِلَى دَرَجَةِ أَنَّهَا صَلُحَتْ مِعْيَارًا لِلتَّشْبِيهِ الشِّعْرِيِّ.
    سَادِسًا: زُهَيْرٌ يُؤَكِّدُ صُورَةَ الوَشْمِ فِي المِعْصَمِ
    لَيْسَ طَرَفَةُ وَحْدَهُ.
    فَفِي الشِّعْرِ الجَاهِلِيِّ نَجِدُ شَاهِدًا آخَرَ عِنْدَ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي سُلْمَى، حَيْثُ يَقُولُ فِي وَصْفِ آثَارِ الدِّيَارِ:

    وَدَارٌ لَهَا بِالرَّقْمَتَيْنِ كَأَنَّهَا
    مَرَاجِعُ وَشْمٍ فِي نَوَاشِرِ مِعْصَمِ

    وَالمَعْنَى أَنَّ آثَارَ الدِّيَارِ وَبَقَايَاهَا تُشْبِهُ آثَارَ الوَشْمِ فِي المِعْصَمِ. وَهَذَا يُؤَكِّدُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ بَيْتُ طَرَفَةَ: الوَشْمُ كَانَ مَعْرُوفًا فِي أَعْضَاءِ الجَسَدِ الظَّاهِرَةِ، وَكَانَ أَثَرُهُ بَاقِيًا وَمُلَاحَظًا.
    وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا وَرَدَ فِي المَعَاجِمِ مِنْ أَنَّ الوَشْمَ كَانَ يُفْعَلُ فِي ظَهْرِ اليَدِ وَالمِعْصَمِ، وَأَنَّهُ قَدْ يُفْعَلُ فِي الشَّفَةِ أَيْضًا.
    سَابِعًا: الوَشْمُ فِي الوَجْهِ وَالشَّفَةِ
    هُنَا نَدْخُلُ إِلَى مَرْحَلَةٍ أَدَقَّ.
    فَالوَشْمُ لَمْ يَكُنْ مَقْصُورًا عَلَى اليَدِ؛ فَالمَصَادِرُ اللُّغَوِيَّةُ وَشُرُوحُ الأَحَادِيثِ تَذْكُرُ الشَّفَةَ مَوْضِعًا لِلوَشْمِ، إِلَى جَانِبِ اليَدِ وَالمِعْصَمِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ البَدَنِ.
    وَهَذِهِ نُقْطَةٌ شَدِيدَةُ الأَهَمِّيَّةِ؛ لِأَنَّهَا تَفْتَحُ الطَّرِيقَ لِفَهْمِ مَا وَرَدَ فِي تَرَاثِ الجَزِيرَةِ مِنْ تَغْيِيرِ لَوْنِ الشَّفَاهِ.
    فَإِذَا كَانَ الوَشْمُ يَقُومُ عَلَى إِدْخَالِ مَادَّةٍ لَوْنِيَّةٍ فِي الجِلْدِ عَنْ طَرِيقِ الغَرْزِ، فَإِنَّ النَّتِيجَةَ قَدْ تَكُونُ لَوْنًا ثَابِتًا أَوْ شِبْهَ ثَابِتٍ فِي مَوْضِعِ الشَّفَةِ.
    وَلَكِنْ يَجِبُ هُنَا أَنْ نَكُونَ دَقِيقِينَ:
    لَا أَمْلِكُ شَاهِدًا شِعْرِيًّا جَاهِلِيًّا صَرِيحًا مِنْ دَاخِلِ الجَزِيرَةِ يَقُولُ إِنَّ النِّسَاءَ كُنَّ يَتَعَمَّدْنَ تَحْوِيلَ الشَّفَاهِ إِلَى اللَّوْنِ الأَسْوَدِ بِعَيْنِهِ.
    أَمَّا أَصْلُ وَشْمِ الشَّفَةِ فَمُؤَيَّدٌ فِي المَصَادِرِ اللُّغَوِيَّةِ وَشُرُوحِ الوَشْمِ.
    وَلِذَلِكَ فَالأَدَقُّ تَارِيخِيًّا أَنْ نَقُولَ:

    كَانَ وَشْمُ الشَّفَةِ مَعْرُوفًا فِي التُّرَاثِ العَرَبِيِّ القَدِيمِ، وَأَمَّا تَعْمِيمُ صِفَةِ «تَسْوِيدِ الشَّفَاهِ» عَلَى نِسَاءِ الجَزِيرَةِ الجَاهِلِيَّةِ جَمِيعًا فَيَحْتَاجُ إِلَى شَاهِدٍ أَصْرَحَ مِمَّا وَقَفْنَا عَلَيْهِ.

    وَهَذَا الفَرْقُ مُهِمٌّ؛ لِأَنَّ بَعْضَ الكُتَّابِ يَأْخُذُونَ وَصْفَ الوَشْمِ فِي الشَّفَةِ مِنْ مَصَادِرَ مُتَأَخِّرَةٍ، ثُمَّ يَرْجِعُونَ بِهِ آليًّا إِلَى الجَاهِلِيَّةِ، وَهَذَا لَيْسَ مَنْهَجًا تَارِيخِيًّا سَلِيمًا.
    الرشيم الاخضر فى الخديد الانضر هم سبب الامى،،،،(عتيق)
    أَمِن ظَلامَةَ عَمقٌ تَبغِيَ اِبتَعَثوا ... بِأَيدي المَجوسِ رَواشِمُ الرَقِّ"(النابغة)
    . يُشبّه الشاعر في هذا البيت بقايا الديار برسوم
    يُقال "رَشِمَ الوجهُ رَشَماً" إذا صار به وشم وخطوط. وهو الأصل اللغوي الذي اشتق منه أهل السودان تسمية وشم الخد بـ "الرشيم
    ثَامِنًا: الشَّلْخُ وَالفَصْدُ عَلَى الوَجْهِ — مَاذَا نَسْتَطِيعُ إِثْبَاتَهُ؟
    يَحْتَاجُ مَوْضُوعُ الشُّلُوخِ إِلَى احْتِيَاطٍ أَكْبَرَ مِنَ الوَشْمِ.
    فَالشَّلْخُ، بِالمَعْنَى المُعَاصِرِ المَشْهُورِ، هُوَ إِحْدَاثُ جُرُوحٍ أَوْ خُطُوطٍ فِي الوَجْهِ تَبْقَى آثَارُهَا، وَقَدْ تَكُونُ لَهَا دَلَالَةٌ قَبَلِيَّةٌ أَوْ جَمَالِيَّةٌ.

    وَلَكِنَّ العَادَةَ المَعْرُوفَةَ بِاسْمِ «الشُّلُوخِ» وَالمُوَثَّقَةَ تَفْصِيلًا فِي المَصَادِرِ الحَدِيثَةِ تَرْتَبِطُ بِشَكْلٍ خَاصٍّ بِالسُّودَانِ وَوَادِي النِّيلِ، حَيْثُ كَانَ لِكُلِّ قَبِيلَةٍ أَوْ مَجْمُوعَةٍ شَكْلٌ مِنَ النُّدُوبِ عَلَى الوَجْهِ.

    وَلَا يَجُوزُ نَقْلُ هَذَا الوَصْفِ إِلَى الجَزِيرَةِ العَرَبِيَّةِ وَالقَوْلُ بِأَنَّ القَبَائِلَ الجَاهِلِيَّةَ كَانَ لِكُلِّ مِنْهَا «شَلْخٌ» خَاصٌّ، مَا لَمْ نَمْلِكْ نَصًّا أَوْ أَثَرًا أَرْكِيُولُوجِيًّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ.
    ولكن نسبة للانتقال الى بيئة اكثر غربة فربما احتاجوا الى توسيم الانسان ايضا لوسم القبيلة
    أَمَّا الفَصْدُ فَهُوَ أَقْدَمُ فِي اللُّغَةِ وَالتُّرَاثِ العَرَبِيِّ، وَلَكِنْ لَيْسَ بِالمَعْنَى نَفْسِهِ.
    ما شوهوك بفصادة" ،،،،
    ياجميل ياسادة،،،،
    فَالفَصْدُ فِي الأَصْلِ هُوَ شَقُّ العِرْقِ وَإِخْرَاجُ الدَّمِ، وَتَذْكُرُ المَعَاجِمُ أَنَّ العَرَبَ كَانُوا يَفْصِدُونَ النَّاقَةَ عِنْدَ القَحْطِ، وَأَنَّ «الفَصِيدَ» كَانَ دَمًا يُؤْخَذُ مِنَ البَعِيرِ وَيُعَدُّ لِلأَكْلِ فِي أَزْمِنَةِ الشِّدَّةِ.
    وَتَذْكُرُ المَصَادِرُ صَرَاحَةً أَنَّ الفَصِيدَ كَانَ مَعْرُوفًا فِي الجَاهِلِيَّةِ.
    إِذَنْ:

    الفَصْدُ كَمُمَارَسَةٍ لِإِخْرَاجِ الدَّمِ مَعْرُوفٌ فِي التُّرَاثِ العَرَبِيِّ القَدِيمِ.

    الفَصْدُ عَلَى الوَجْهِ لِصُنْعِ نَدْبٍ قَبَلِيٍّ لَا أَجِدُ لَهُ فِي الجَزِيرَةِ الجَاهِلِيَّةِ نَصًّا صَرِيحًا يَكْفِي لِإِثْبَاتِهِ.

    وَمِنَ الخَطَأِ مُسَاوَاةُ الفَصْدِ الطِّبِّيِّ بِالشَّلْخِ الجَمَالِيِّ أَوِ القَبَلِيِّ.

    تَاسِعًا: وَشْمُ الجَسَدِ وَوَسْمُ الحَيَوَانِ — تَقَابُلٌ لَافِتٌ
    مِنْ أَجْمَلِ النَّتَائِجِ الَّتِي تَخْرُجُ بِهَا هَذِهِ الدِّرَاسَةُ أَنَّ العَرَبَ فِي الجَزِيرَةِ عَرَفُوا نَوْعَيْنِ مِنَ العَلَامَاتِ الدَّائِمَةِ:
    الوَسْمَ عَلَى الحَيَوَانِ، وَالوَشْمَ عَلَى الإِنْسَانِ.
    وَإِنْ كَانَتْ وَظِيفَتُهُمَا مُخْتَلِفَةً:
    العَلَامَةُالمَوْضِعُ الوَظِيفَةُ الأَسَاسِيَّةُالوَسْمُ الإِبِلُ وَالمَوَاشِي المِلْكِيَّةُ وَالتَّمْيِيزُ وَالانْتِمَاءُالوَشْمُ جَسَدُ الإِنْسَانِ الزِّينَةُ وَالتَّمْيِيزُ وَالعَلَامَةُ الدَّائِمَةُالشَّلْخُ الوَجْهُ نَدْبٌ دَائِمٌ، وَقَدْ يَكُونُ قَبَلِيًّا أَوْ جَمَالِيًّاالفَصْدُالعِرْقُ إِخْرَاجُ الدَّمِ، وَلَيْسَ أَصْلًا عَلامَةً قَبَلِيَّةً
    وَفِي هَذَا السِّيَاقِ يَصْبَحُ وَسْمُ الإِبِلِ مُهِمًّا لِفَهْمِ الوَشْمِ البَشَرِيِّ؛ فَكِلَاهُمَا يَقُومُ عَلَى إِنْشَاءِ أَثَرٍ يَبْقَى وَيَدُلُّ.
    وَهَذَا يَتَّفِقُ مَعَ المَعْنَى اللُّغَوِيِّ لِلْوَسْمِ: أَثَرٌ ظَاهِرٌ يُعَرِّفُ بِصَاحِبِهِ.
    عَاشِرًا: طَرَفَةُ بْنُ العَبْدِ وَ«بَاقِي الوَشْمِ» — شَاهِدٌ مَفْصَلِيٌّ
    يَسْتَحِقُّ بَيْتُ طَرَفَةَ وَقْفَةً خَاصَّةً؛ لِأَنَّهُ يُغْنِي عَنِ كَثِيرٍ مِنَ التَّكَهُّنِ.

    لِخَوْلَةَ أَطْلَالٌ بِبُرْقَةِ ثَهْمَدِ
    تَلُوحُ كَبَاقِي الوَشْمِ فِي ظَاهِرِ اليَدِ

    فَإِذَا قُلْنَا إِنَّ طَرَفَةَ شَاعِرٌ جَاهِلِيٌّ، وَإِنَّ بَيْتَهُ مِنْ مُطْلَعِ مُعَلَّقَتِهِ، وَإِنَّ الصُّورَةَ الَّتِي اسْتَعْمَلَهَا هِيَ «بَقِيَّةُ الوَشْمِ فِي ظَاهِرِ اليَدِ»، فَإِنَّنَا نَمْلِكُ شَاهِدًا مُبَاشِرًا عَلَى أَرْبَعَةِ أُمُورٍ:
    أَوَّلًا: مَعْرِفَةُ الوَشْمِ فِي الجَزِيرَةِ العَرَبِيَّةِ قَبْلَ الإِسْلَامِ.
    ثَانِيًا: وُجُودُ الوَشْمِ فِي مَوْضِعٍ ظَاهِرٍ مِنَ اليَدِ.
    ثَالِثًا: بَقَاءُ أَثَرِهِ فِي الجِلْدِ.
    رَابِعًا: أَنَّ صُورَتَهُ كَانَتْ مَأْلُوفَةً لِلمُتَلَقِّي إِلَى حَدٍّ يُمَكِّنُ الشَّاعِرَ مِنَ التَّشْبِيهِ بِهَا.
    وَهَذِهِ قَرِينَةٌ أَقْوَى بِكَثِيرٍ مِنْ مُجَرَّدِ وُجُودِ كَلِمَةِ «وَشْمٍ» فِي مُعْجَمٍ مُتَأَخِّرٍ.
    الحَادِيَ عَشَرَ: هَلْ كَانَ الوَشْمُ قَبَلِيًّا؟
    يَجِبُ أَنْ نَحْذَرَ هُنَا مِنْ خَلْطِ الوَشْمِ بِـوَسْمِ القَبِيلَةِ.
    فَوَسْمُ الإِبِلِ قَدْ كَانَ شِعَارًا قَبَلِيًّا، وَتُوَثِّقُ المَصَادِرُ النَّجْدِيَّةُ أَشْكَالًا وَأَسْمَاءً لِوُسُومٍ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ القَبَائِلِ وَالفُرُوعِ.
    أَمَّا وَشْمُ الإِنْسَانِ فَلَا يَكْفِي فِيهِ بَيْتُ طَرَفَةَ لِإِثْبَاتِ أَنَّهُ كَانَ شِعَارًا لِكُلِّ قَبِيلَةٍ.
    نَعَمْ، يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ لِبَعْضِ الوُشُومِ دَلَالَاتٌ اجْتِمَاعِيَّةٌ أَوْ مَحَلِّيَّةٌ أَوْ جَمَالِيَّةٌ، وَلَكِنَّ الدَّلِيلَ عَلَى نِظَامٍ قَبَلِيٍّ مُحْكَمٍ لِوَشْمِ البَشَرِ فِي الجَاهِلِيَّةِ لَيْسَ فِي قُوَّةِ الدَّلِيلِ عَلَى وُسُومِ الإِبِلِ.
    وَهَذَا تَمْيِيزٌ مُهِمٌّ جِدًّا فِي البَحْثِ.
    الثَّانِيَ عَشَرَ: مِنَ الجَاهِلِيَّةِ إِلَى الإِسْلَامِ — اسْتِمْرَارُ العَادَةِ
    إِذَا كَانَ طَرَفَةُ وَزُهَيْرٌ يَشْهَدَانِ لِمَعْرِفَةِ الوَشْمِ قَبْلَ الإِسْلَامِ، فَإِنَّ المَصَادِرَ الإِسْلَامِيَّةَ الأُولَى تُقَدِّمُ شَاهِدًا مُهِمًّا آخَرَ: النَّهْيُ عَنِ الوَشْمِ نَفْسُهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مُمَارَسَةً مَعْرُوفَةً.
    وَفِي الشُّرُوحِ الفِقْهِيَّةِ يُوصَفُ الوَشْمُ بِأَنَّهُ غَرْزُ الجِلْدِ بِإِبْرَةٍ حَتَّى يَسِيلَ الدَّمُ، ثُمَّ حَشْوُ المَوْضِعِ بِالكُحْلِ أَوِ النِّيلِ وَنَحْوِهِمَا، وَتُذْكَرُ الشَّفَةُ وَالمِعْصَمُ وَظَهْرُ الكَفِّ مِنْ مَوَاضِعِهِ.
    وَهَذَا يَجْعَلُ المَسَارَ التَّارِيخِيَّ وَاضِحًا:
    مُمَارَسَةٌ جَاهِلِيَّةٌ → نَهْيٌ إِسْلَامِيٌّ عَنْهَا → بَقَاءُ مَعْرِفَتِهَا فِي المُجْتَمَعِ العَرَبِيِّ لِقُرُونٍ بَعْدَ ذَلِكَ.
    وَلَا يَعْنِي النَّهْيُ أَنَّ العَادَةَ اخْتَفَتْ فَوْرًا؛ فَكَمْ مِنْ عَادَةٍ نُهِيَ عَنْهَا ثُمَّ بَقِيَتْ فِي بَعْضِ البِيئَاتِ الشَّعْبِيَّةِ.
    الثَّالِثَ عَشَرَ: بَيْنَ الوَسْمِ وَالوَشْمِ — دَلَالَةُ «العَلَامَةِ»
    يَلْتَقِي الوَسْمُ وَالوَشْمُ فِي جَذْرٍ دَلَالِيٍّ وَاحِدٍ: إِنْشَاءُ أَثَرٍ يَدُلُّ عَلَى شَيْءٍ مَا.
    فَالوَسْمُ عَلَى البَعِيرِ يَقُولُ:

    هَذَا الحَيَوَانُ لِفُلَانٍ أَوْ لِهَذِهِ القَبِيلَةِ.

    وَالوَشْمُ عَلَى الجَسَدِ قَدْ يَقُولُ:

    هَذَا الجَسَدُ يَحْمِلُ عَلامَةً مُعَيَّنَةً.

    وَمِنْ هُنَا نَفْهَمُ لِمَاذَا كَانَتِ العَلَامَةُ الدَّائِمَةُ ذَاتَ قِيمَةٍ كَبِيرَةٍ فِي المُجْتَمَعِ القَبَلِيِّ.
    فَالمُجْتَمَعُ الَّذِي لَا يَمْتَلِكُ نُظُمَ تَوْثِيقٍ مَكْتُوبَةً لِكُلِّ المُمْتَلَكَاتِ يَحْتَاجُ إِلَى التَّوْثِيقِ المَرْئِيِّ.
    وَهُنَا كَانَ الوَسْمُ عَلَى الإِبِلِ وَسِيلَةً لِلتَّعَرُّفِ عَلَى المِلْكِيَّةِ، وَكَانَتِ العَلَامَةُ الجَسَدِيَّةُ أَقْرَبَ إِلَى الهُوِيَّةِ المُجَسَّدَةِ.
    الرَّابِعَ عَشَرَ: مَا الَّذِي نَسْتَطِيعُ أَنْ نَقُولَهُ بِثِقَةٍ عَنِ الجَزِيرَةِ العَرَبِيَّةِ؟
    بَعْدَ جَمْعِ الشَّوَاهِدِ، يُمْكِنُ تَرْتِيبُ النَّتَائِجِ عَلَى النَّحْوِ الآتِي:
    ١. النِّسْبَةُ إِلَى الأُمِّ
    ثَابِتَةٌ فِي بَعْضِ الحَالَاتِ الجَاهِلِيَّةِ.
    وَمِنْ أَوْضَحِهَا:

    عَمْرُو بْنُ هِنْدٍ.

    عَمْرُو بْنُ أُمَامَةَ اللَّخْمِيُّ.

    وَكَانَ ذَلِكَ لَا يَعْنِي انْقِلَابَ قَاعِدَةِ النَّسَبِ العَرَبِيَّةِ، بَلْ حَالَةً خَاصَّةً لِلتَّمْيِيزِ أَوْ لِشَرَفِ الأُمِّ أَوْ لِأَسْبَابٍ تَارِيخِيَّةٍ.
    ٢. وَسْمُ الإِبِلِ
    مِنْ أَقْوَى مَا يَثْبُتُ فِي تَرَاثِ الجَزِيرَةِ.
    وَقَدْ تَحَوَّلَ مِنْ مُجَرَّدِ عَلامَةِ مِلْكِيَّةٍ إِلَى نِظَامٍ مِنَ الرُّمُوزِ القَبَلِيَّةِ المَعْرُوفَةِ. وَتُوَثِّقُ المَصَادِرُ النَّجْدِيَّةُ المُتَأَخِّرَةُ كَثِيرًا مِنْ أَشْكَالِهِ وَأَسْمَائِهِ.
    ٣. الوَشْمُ البَشَرِيُّ
    ثَابِتٌ ثُبُوتًا قَوِيًّا فِي الجَاهِلِيَّةِ.
    وَأَقْوَى شَاهِدٍ شِعْرِيٍّ:

    «تَلُوحُ كَبَاقِي الوَشْمِ فِي ظَاهِرِ اليَدِ»

    عِنْدَ طَرَفَةَ بْنِ العَبْدِ.
    وَيُؤَكِّدُهُ شَاهِدُ زُهَيْرٍ فِي المِعْصَمِ.
    ٤. وَشْمُ الشَّفَةِ
    أَصْلُ مُمَارَسَتِهِ مَعْرُوفٌ فِي التُّرَاثِ العَرَبِيِّ، وَتَذْكُرُ المَصَادِرُ الشَّفَةَ صَرِيحَةً مِنْ مَوَاضِعِ الوَشْمِ.
    أَمَّا القَوْلُ بِأَنَّ تَسْوِيدَ الشَّفَاهِ كَانَ عَادَةً عَامَّةً لِنِسَاءِ الجَزِيرَةِ الجَاهِلِيَّةِ فَلَا يَكْفِي فِيهِ مَا تَوَافَرَ مِنْ أَدِلَّةٍ.
    ٥. الشُّلُوخُ القَبَلِيَّةُ عَلَى الوَجْهِ
    لَا يَصِحُّ إِثْبَاتُهَا فِي الجَزِيرَةِ الجَاهِلِيَّةِ بِمُجَرَّدِ قِيَاسِهَا عَلَى الشُّلُوخِ السُّودَانِيَّةِ.
    وَهَذَا مَوْضِعٌ يَجِبُ فِيهِ التَّحَفُّظُ العِلْمِيُّ.
    ٦. الفَصْدُ
    مَعْرُوفٌ فِي التُّرَاثِ العَرَبِيِّ القَدِيمِ، وَخَاصَّةً فِي فَصْدِ الإِبِلِ وَاسْتِعْمَالِ الدَّمِ فِي أَزْمِنَةِ القَحْطِ، وَتَذْكُرُ المَصَادِرُ أَنَّ «الفَصِيدَ» مَعْرُوفٌ فِي الجَاهِلِيَّةِ.
    أَمَّا الفَصْدُ عَلَى الوَجْهِ لِصُنْعِ شَلْخٍ قَبَلِيٍّ فَلَا يَكْفِي الدَّلِيلُ المَوْجُودُ لِنِسْبَتِهِ إِلَى الجَاهِلِيَّةِ فِي الجَزِيرَةِ.
    خَاتِمَةٌ
    تُظْهِرُ هَذِهِ الشَّوَاهِدُ أَنَّ ثَقَافَةَ العَلَامَةِ الدَّائِمَةِ كَانَتْ جُزْءًا أَصِيلًا مِنْ حَيَاةِ العَرَبِ فِي الجَزِيرَةِ العَرَبِيَّةِ.
    فَكَانَتِ الإِبِلُ تُوَسَمُ بِعَلامَاتٍ تُعَرِّفُ بِمُلَّاكِهَا وَقَبَائِلِهَا، وَكَانَ الوَشْمُ يُرْسَمُ عَلَى جَسَدِ الإِنْسَانِ، وَكَانَ أَثَرُهُ مَعْرُوفًا إِلَى دَرَجَةِ أَنَّ طَرَفَةَ بْنَ العَبْدِ جَعَلَهُ مِقْيَاسًا لِبَقَاءِ أَثَرِ الدِّيَارِ:

    لِخَوْلَةَ أَطْلَالٌ بِبُرْقَةِ ثَهْمَدِ
    تَلُوحُ كَبَاقِي الوَشْمِ فِي ظَاهِرِ اليَدِ.

    وَيُكْمِلُ زُهَيْرٌ الصُّورَةَ بِذِكْرِ الوَشْمِ فِي المِعْصَمِ.
    وَفِي الجَانِبِ الآخَرِ نَجِدُ الوَسْمَ القَبَلِيَّ لِلإِبِلِ، وَهُوَ أَكْثَرُ وُضُوحًا مِنْ حَيْثُ وَظِيفَةُ الهُوِيَّةِ وَالمِلْكِيَّةِ، وَقَدْ حَفِظَ لَنَا التُّرَاثُ النَّجْدِيُّ المُتَأَخِّرُ كَمًّا كَبِيرًا مِنْ أَشْكَالِهِ وَأَسْمَائِهِ، وَكَانَ لِعَمَلِ حَمَدِ الجَاسِرِ فِي تَحْدِيدِ القَبَائِلِ وَمَوَاطِنِهَا وَأَسْمَاءِ مَوَاضِعِهَا أَهَمِّيَّةٌ كَبِيرَةٌ فِي فَهْمِ هَذَا التُّرَاثِ المَحَلِّيِّ.
    وَأَمَّا الشُّلُوخُ وَالفَصْدُ عَلَى الوَجْهِ وَتَسْوِيدُ الشَّفَاهِ فَيَجِبُ أَنْ نَفْصِلَ فِيهَا بَيْنَ مَا هُوَ ثَابِتٌ وَمَا هُوَ مُحْتَمَلٌ؛ فَالوَشْمُ ثَابِتٌ بِنَصِّ الشِّعْرِ الجَاهِلِيِّ، وَوَشْمُ الشَّفَةِ ثَابِتٌ فِي الوَصْفِ اللُّغَوِيِّ وَالتُّرَاثِيِّ، أَمَّا تَحْدِيدُ لَوْنٍ أَسْوَدَ بِعَيْنِهِ وَتَعْمِيمُهُ عَلَى نِسَاءِ الجَزِيرَةِ الجَاهِلِيَّةِ، وَكَذَلِكَ نِسْبَةُ الشُّلُوخِ القَبَلِيَّةِ إِلَى قَبَائِلِ الجَزِيرَةِ فِي ذَلِكَ العَصْرِ، فَذَلِكَ يَحْتَاجُ إِلَى نُصُوصٍ أَقْدَمَ وَأَصْرَحَ.
    وَلَعَلَّ أَهَمَّ نَتِيجَةٍ فِي هَذَا البَحْثِ أَنَّ الجَسَدَ وَالحَيَوَانَ فِي المُجْتَمَعِ العَرَبِيِّ القَدِيمِ كَانَا مَجَالَيْنِ لِلكِتَابَةِ بِالعَلَامَةِ: فَالوَسْمُ يَكْتُبُ اسْمَ المَالِكِ وَانْتِمَاءَ الحَيَوَانِ، وَالوَشْمُ يَتْرُكُ عَلَى جَسَدِ الإِنْسَانِ أَثَرًا يَبْقَى أَطْوَلَ مِنَ الكَلَامِ.
    وَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ قَوْلُ طَرَفَةَ:

    «تَلُوحُ كَبَاقِي الوَشْمِ فِي ظَاهِرِ اليَدِ»

    مُجَرَّدَ صُورَةٍ شِعْرِيَّةٍ عَابِرَةٍ، بَلْ هُوَ وَثِيقَةٌ أَدَبِيَّةٌ نَادِرَةٌ لِتَارِيخِ الجَسَدِ العَرَبِيِّ فِي الجَزِيرَةِ قَبْلَ الإِسْلَامِ.
    ،،،،،،























                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث المقالات بسودانيزاونلاين اليوم
فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to bakriabubakr@cox.net

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de