العلمانية التي يخشاها مبارك الفاضل: لماذا لا يحق للأغلبية التصويت على حقوق الآخرين؟ كتبه خالد كودي

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 06-14-2026, 03:19 PM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
06-12-2026, 08:34 PM

خالد كودي
<aخالد كودي
تاريخ التسجيل: 01-01-2022
مجموع المشاركات: 278

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين

مكتبة الفساد

من اقوالهم
(مكتبة مفتوحة للتحديث)
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
العلمانية التي يخشاها مبارك الفاضل: لماذا لا يحق للأغلبية التصويت على حقوق الآخرين؟ كتبه خالد كودي

    08:34 PM June, 12 2026

    سودانيز اون لاين
    خالد كودي-USA
    مكتبتى
    رابط مختصر



    العلمانية التي يخشاها مبارك الفاضل: لماذا لا يحق للأغلبية التصويت على حقوق الآخرين؟

    بين مبارك الفاضل وكرام المواطنين: هل تتغير الحجج ويبقى وهم الامتياز؟

    12/6/2026 خالد كودي، بوسطن

    كتب مبارك الفاضل المهدي، في 7 يونيو 2026، مقالاً بعنوان "حول شعار فصل الدين عن الدولة وإعلان نيروبي الأخير"، يمكن تلخيص أطروحته في نقاط أساسية:
    أولاً، يرى أن قضايا الدين والدولة سبق أن حُسمت في تفاهمات نيروبي 1993 ومؤتمر أسمرا للقضايا المصيرية 1995
    ثانياً، يعتبر أن صيغة الدولة المدنية الديمقراطية، مع تضمين المواثيق الدولية لحقوق الإنسان في الدستور، تكفي لمعالجة المسألة.
    ثالثاً، يرفض شعار "فصل الدين عن الدولة" بوصفه شعاراً غير دقيق، ويفضل الحديث عن منع استغلال الدين في السياسة.
    رابعاً، يرى أن القضايا الكبرى لا ينبغي أن تُفرض عبر التكتلات السياسية، بل تُطرح في البرامج الانتخابية ويقررها الشعب عبر صناديق الاقتراع.
    خامساً، يدعو إلى العودة إلى دستور 2005 بعد حذف تعديلات الإنقاذ، باعتباره ثمرة توافق وطني واسع.

    أطروحة مبارك الفاضل تقوم منذ بدايتها على قدر كبير من الارتباك المفاهيمي والتشويش التاريخي. فمبارك الفاضل يتعامل مع مؤتمر أسمرا للقضايا المصيرية وكأنه حسم مسألة فصل الدين عن الدولة، بينما الحقيقة أن مقررات أسمرا تناولت قضية العلاقة بين الدين والسياسة ولم تتبنَّ مبدأ فصل الدين عن الدولة بوصفه أساساً دستورياً للدولة. ولذلك فإن الاستناد إلى أسمرا باعتباره مرجعية نهائية في هذا النقاش ينطوي على خلط بين موضوعين مختلفين وبين لحظتين تاريخيتين متباينتين.
    كما أن مفهوم "الدولة المدنية الديمقراطية" الذي يستند إليه لم يكن المفهوم الذي قامت عليه تلك المقررات، بل برز لاحقاً في خطاب عدد من القيادات السياسية، وعلى رأسهم الصادق المهدي ومحمد إبراهيم نقد، باعتباره صيغة توافقية هدفت إلى تجاوز الاستقطاب بين الدولة الدينية والدولة العلمانية دون حسمه بصورة واضحة. ولهذا ظل المصطلح، حتى اليوم، عرضة لتفسيرات متناقضة، واستخدمته أحزاب وتنظيمات ونخب عديدة كوسيلة للهروب من الحسم المباشر لمسألة العلمانية.
    فالعلمانية تطرح سؤالاً واضحاً: هل الدولة محايدة تجاه الأديان أم لا؟ وهل المواطنة وحدها هي أساس الحقوق والواجبات أم لا؟ أما مفهوم الدولة المدنية فقد ظل مفهوماً فضفاضاً يسمح بتفسيرات متعددة ومتعارضة. ولهذا لم يكن بديلاً نظرياً لحسم قضية الدين والدولة، بل ظل في كثير من الأحيان أداة لتأجيل النقاش حولها.
    ويضاف إلى ذلك أن مبارك الفاضل يحاول أن يربط بين تلك التفاهمات القديمة والطروحات التي يتبناها القائد عبد العزيز الحلو اليوم، بينما الواقع أن مشروع السودان الجديد تجاوز منذ سنوات طويلة تلك الصيغ التوافقية نفسها. كما لم يكن هناك تبادل أو تفاهم مباشر بين مبارك الفاضل وعبد العزيز الحلو حول هذه القضايا بالمعنى الذي يوحي به المقال.
    أطروحة مبارك تبدو، في ظاهرها، دفاعاً عن الديمقراطية والتوافق الوطني. لكنها، في جوهرها، تعيد إنتاج واحد من أخطر أشكال الاحتيال السياسي في تاريخ السودان: تحويل الحقوق الأساسية إلى موضوع تصويت، وتحويل المساواة إلى مسألة قابلة للمساومة، وتحويل العلمانية من شرط للديمقراطية إلى خيار انتخابي خاضع لمزاج الأغلبية.
    وهنا تبدأ المشكلة الفلسفية الكبرى.
    فالديمقراطية ليست مجرد حكم الأغلبية. هذه أبسط صورها وأكثرها خطراً في الوقت نفسه. فالأغلبية، إذا لم تُقيَّد بمبادئ دستورية وأخلاقية تعلو على إرادتها، يمكن أن تتحول إلى أداة للهيمنة بدلاً من أن تكون أداة للحرية. ولهذا حذر ألكسيس دي توكفيل من "طغيان الأغلبية"، وكتب جيمس ماديسون عن خطر استخدام الأغلبية لسلطتها للتضحية بحقوق الآخرين، بينما جعل جون رولز الحريات الأساسية المتساوية حقوقاً لا يجوز إخضاعها لحسابات التصويت أو المصلحة السياسية
    وبعبارة أخرى، لا توجد ديمقراطية حقيقية إذا كان من حق الأغلبية أن تصوت على حرمان أقلية من المواطنة، أو تقييد حريتها الدينية، أو إخضاعها لقوانين لا تؤمن بها، أو إنقاص حقوقها الأساسية. فالديمقراطية التي تسمح بذلك لا تحمي الحرية، بل تمنح التمييز شرعية انتخابية.
    لذلك فإن سؤال الدين والدولة في السودان ليس سؤالاً انتخابياً عادياً، بل سؤال تأسيسي يتعلق بطبيعة الدولة نفسها: هل هي ملك لجميع المواطنين بالتساوي أم ملك لأغلبية دينية أو ثقافية أو إثنية تمنح الآخرين ما تراه مناسباً من الحقوق؟ إذا كانت الدولة ملكاً للجميع، فالعلمانية ليست ترفاً أيديولوجياً، بل شرطاً لازماً للمواطنة المتساوية. وإذا كانت المواطنة متساوية، فلا يجوز أن تكون عقيدة أغلبية أو مرجعية دينية خاصة مصدراً لإخضاع من لا ينتمي إليها.
    إن حجة مبارك الفاضل بأن مثل هذه القضايا ينبغي أن تُترك لصناديق الاقتراع تبدو ديمقراطية في ظاهرها، لكنها تاريخياً كانت دائماً حجة القوى التي تخشى المساواة. فلو تُرك أمر إلغاء الرق في السودان للأغلبية الاجتماعية والسياسية التي استفادت منه، لما أُلغي الرق. ولو تُرك أمر المساواة العرقية في الولايات المتحدة للأغلبية البيضاء في القرن التاسع عشر، لما أُلغي الرق هناك أيضاً. فالحقوق لا تنتظر موافقة المستفيدين من غيابها.

    ولعل مذكرة "كرام المواطنين" الصادرة في مارس 1925 تمثل واحدة من أكثر الوثائق دلالة على طبيعة الصراع حول الحرية والمواطنة في السودان. فالموقعون عليها لم يكونوا من ضحايا الرق أو من المطالبين بتوسيع الحقوق، بل العكس كانوا من أبرز زعماء النخب الدينية والسياسية التي تمتعت بالنفوذ الاجتماعي والاقتصادي في ذلك الوقت. ومع ذلك لم تدافع المذكرة عن حق المسترقين السابقين في الحرية الكاملة أو المواطنة المتساوية، بل اعترضت على منحهم "أوراق الحرية"، ودعت عملياً إلى استمرار ارتباطهم بملاك الأراضي بحجة حاجة الزراعة والاقتصاد إلى عملهم!!
    وتكمن أهمية هذه الوثيقة في أنها تكشف أن مقاومة الحرية لم تكن مرتبطة بالسلطة الاستعمارية وحدها، بل شاركت فيها أيضاً قطاعات من النخب المحلية عندما رأت أن توسيع الحرية والمساواة يهدد الامتيازات التي قامت عليها مكانتها الاجتماعية والاقتصادية. فالمنطق الذي حكم المذكرة كان واضحاً: تأجيل حرية الآخرين أو تقييدها حفاظاً على نظام قائم يستفيد منه أصحاب النفوذ.
    ولهذا فإن الوثيقة لا تكشف عن وجود الرق في السودان، وتداعياته وحسب، بل تكشف أيضاً عن مقاومة بعض النخب لمبدأ المساواة نفسه. فهي تعبر عن رؤية ترى أن بعض الفئات يجب أن تبقى في موقع أدنى من غيرها، وأن حصولها على الحرية الكاملة يمكن أن يُؤجل أو يُقيد إذا تعارض مع مصالح الفئات المهيمنة.
    ومن هنا تكتسب أطروحة مبارك الفاضل اليوم دلالتها الإشكالية. فعندما يدعو إلى ترك قضايا العلمانية والمواطنة المتساوية وحياد الدولة تجاه الأديان لإرادة الأغلبية وصناديق الاقتراع، فإنه يتجاهل درساً أساسياً من دروس التاريخ السوداني والعالمي: الحقوق الأساسية لا تُترك لمن يستفيدون من غيابها. فلو تُرك أمر تحرير المسترقين في عشرينيات القرن الماضي للنخب الاجتماعية والدينية التي كانت تمتلك الأرض والنفوذ والسلطة، لما نال أولئك المحررون حريتهم الكاملة أصلاً. ومذكرة 1925 نفسها تقدم دليلاً مباشراً على ذلك.
    إن الفكرة القائلة بأن المساواة يجب أن تنتظر موافقة الأغلبية ليست فكرة ديمقراطية، بل هي الصيغة التاريخية التي استخدمت مراراً لتأجيل الحقوق. فقد استُخدمت لتبرير استمرار الرق، ولمقاومة منح النساء حق التصويت، وللدفاع عن الفصل العنصري، ولحرمان الأقليات من حقوقها السياسية والمدنية. والسبب بسيط: الفئات المستفيدة من الامتيازات القائمة نادراً ما تصوت طوعاً لإنهاء تلك الامتيازات.

    وهذا ما تؤكده التجربة الأمريكية نفسها. فالرق لم يُلغ لأن الأغلبية البيضاء قررت ذلك عبر الاقتراع، بل أُلغي نتيجة حرب أهلية وصراع دستوري وأخلاقي طويل. وحتى بعد إلغائه احتاج الأمريكيون السود إلى عقود طويلة من النضال ضد قوانين التمييز العنصري قبل انتزاع حقوقهم المدنية الكاملة. ولم يكن جوهر حركة الحقوق المدنية انتظار موافقة الأغلبية، بل التأكيد على أن الكرامة الإنسانية والحقوق الأساسية تسبق إرادة الأغلبية وتضع حدوداً لها.
    ولهذا فإن القول بأن العلمانية يجب أن تنتظر نتائج الانتخابات يشبه القول إن تحرير العبيد كان ينبغي أن ينتظر موافقة ملاك العبيد، أو أن حق النساء في التصويت كان ينبغي أن ينتظر موافقة الرجال، أو أن إنهاء الفصل العنصري كان ينبغي أن ينتظر موافقة المستفيدين منه. فهذه القضايا ليست موضوعاً للتصويت أصلاً، لأنها تتعلق بالمبادئ التي تجعل الديمقراطية ممكنة.
    فالديمقراطية ليست مجرد حكم الأغلبية، بل هي أيضاً نظام لحماية الحقوق التي لا يجوز للأغلبية المساس بها. ولا يحق لأي أغلبية أن تصوت على حق الناس في الحياة، أو على حريتهم الدينية، أو على مساواتهم أمام القانون، أو على إنسانيتهم نفسها. وهذه الحقوق ليست امتيازات تمنحها الأغلبية، بل مبادئ تأسيسية تسبق العملية الديمقراطية وتحكمها يامبارك الفاضل!
    ومن هذا المنطلق تصبح العلمانية، مثل إلغاء الرق ومثل مبدأ المساواة أمام القانون، ليست خياراً سياسياً عابراً بل قاعدة دستورية وأخلاقية تضمن أن تكون الدولة ملكاً لجميع مواطنيها بالتساوي. فالعلمانية لا تسلب أحداً دينه، وإنما تمنع تحويل الدين إلى أداة للهيمنة السياسية أو إلى مصدر لامتياز قانوني لفئة على حساب أخرى.
    إن العلمانية، في معناها السياسي الحديث، وكما وردت في رؤية السودان الجديد وميثاق تأسيس ليست حرباً على الدين، بل تحرير للدولة من احتكار الدين، وتحرير للدين من ابتذال السلطة. فالدولة العلمانية لا تمنع الناس من الصلاة، ولا تمنع المساجد والكنائس والخلاوي، ولا تصادر الإيمان، لكنها تمنع تحويل الإيمان إلى قانون قسري على من لا يؤمن به. وهي بذلك تحمي المؤمن وغير المؤمن، وتحمي المجتمع من تحويل المقدس إلى أداة للسلطة.
    وهنا تكمن خشية أمثال مبارك الفاضل من العلمانية. فالمشكلة ليست في المصطلح، بل في نتائجه. فالعلمانية تعني أن المواطن القادم من جبال النوبة أو دارفور أو النيل الأزرق أو شرق السودان يساوي تماماً المواطن القادم من الأسر التاريخية ذات الحظوة الدينية والاجتماعية والسياسية. وتعني أن النسب والطائفة والوراثة الرمزية ورأس المال الديني لم تعد تمنح صاحبها امتيازاً سياسياً.
    ولهذا يخافون منها بيمينهم ويسارهم ووسطهم!
    فمن ينتمي إلى نظريات سياسية قائمة على الامتياز الطائفي أو الوراثة الرمزية أو احتكار التمثيل باسم الدين لا يخاف من العلمانية لأنها ضد الدين، بل لأنها ضد الامتياز. يخاف منها لأنها تسحب البساط من تحت أقدام من اعتادوا الحديث باسم الأمة والدين والحكمة، بينما كانوا في الواقع يدافعون عن بنية تاريخية من اللامساواة.
    وتقدم تجربة الدولة المهدية مثالاً مهماً في هذا السياق. فقد رفعت مشروعاً دينياً خالصاً، لكنها كرست في بنيتها العملية تراتبيات اجتماعية وإثنية ودينية، وتعاملت مع المجتمع وفق منطق الولاء والغلبة والتدرج الاجتماعي. ولذلك فإن التاريخ الديني السياسي في السودان لم يكن بريئاً من إنتاج التفاوتات والعنف الاجتماعي.
    لهذا فإن استدعاء مبارك الفاضل لتفاهمات نيروبي 1993 وأسمرا 1995 ودستور 2005 لا يحل المشكلة، بل يكشف حدود الخيال السياسي القديم. فقد كانت تلك التفاهمات مهمة في زمانها، لكنها لم تعد سقفاً للمستقبل. وما كان تقدماً في 1995 قد يصبح محافظة سياسية في 2026. فالسودان شهد منذ ذلك الوقت تحولات كبرى جعلت كثيراً من الصيغ القديمة جزءاً من التاريخ لا من المستقبل.
    لقد تجاوز فكر السودان الجديد تلك الصيغ الرمادية التي تحاول الهروب من تسمية الأشياء بأسمائها. فالمشكلة لم تعد مجرد "منع استغلال الدين في السياسة"، بل طبيعة الدولة نفسها: هل للدولة دين رسمي؟ هل تُشتق القوانين من عقيدة أغلبية؟ هل تكون المواطنة أصل الحقوق أم تصبح العقيدة شرطاً ضمنياً للانتماء الكامل؟
    من هنا تصبح العلمانية شرطاً للديمقراطية لا نتيجة لها. فلا يمكن إجراء انتخابات عادلة في دولة تمنح ثقافة دينية واحدة امتيازاً دستورياً. ولا يمكن بناء مواطنة متساوية إذا كان بعض المواطنين يدخلون المجال العام بوصفهم أصحاب البلد بينما يدخل آخرون بوصفهم أقليات تحتاج إلى حماية.
    الديمقراطية تحتاج إلى أرضية محايدة. وهذه الأرضية هي العلمانية. فمن دونها تتحول الانتخابات إلى تعداد ديني أو إثني، وتتحول الأغلبية إلى أداة لإعادة إنتاج التمييز.
    إن العلمانية في السودان لم تعد رهينة توقيع النخب أو موافقة مبارك الفاضل أو غيره. لقد أصبحت واقعاً سياسياً وفكرياً واجتماعياً تتبناه قوى واسعة ترى فيه شرطاً لبناء وطن قائم على المواطنة المتساوية.
    لقد ولى الزمن الذي كانت فيه النخب تجتمع لتقرر للسودانيين حدود الممكن. فهناك اليوم شعوب دفعت ثمن الدولة الدينية والمركزية والعنصرية والحروب، ولم تعد مستعدة للعودة إلى الصيغ التي أجلت حقوقها لعقود طويلة.
    ولهذا فإن مبارك الفاضل لا يدافع عن الديمقراطية بقدر ما يدافع عن ديمقراطية ناقصة تسمح للأغلبية بالمساومة على حقوق لا يجوز أن تكون موضع مساومة. ولا يدافع عن التوافق بقدر ما يدافع عن تسوية تاريخية استنفدت وظيفتها. ولا يخاف من فصل الدين عن الدولة لأنه غامض، بل لأنه واضح أكثر مما ينبغي: واضح في أنه ينزع القداسة عن السلطة، ويمنع احتكار الوطن باسم العقيدة، ويضع جميع المواطنين على قدم المساواة.

    والخلاصة أن العلمانية ليست شعاراً انتخابياً، بل مبدأ تأسيسي يقوم على المساواة الكاملة بين المواطنين وحياد الدولة تجاه معتقداتهم وهوياتهم. وهي، مثل الحق في الحياة وحرية الاعتقاد والمساواة أمام القانون، ليست قضية تُطرح للتصويت، بل قاعدة تقوم عليها الديمقراطية نفسها.
    ولهذا فإن القوى التي تستند إلى الامتياز الديني أو الطائفي أو الاجتماعي لا تخشى العلمانية لأنها ضد الدين، بل لأنها ضد الامتياز. فهي تنزع عن السلطة هالة القداسة، وتلغي الفوارق السياسية القائمة على النسب والطائفة والمكانة الموروثة، وتعيد تعريف الدولة باعتبارها ملكاً متساوياً لجميع مواطنيها.
    ويكفي النظر إلى بعض تجارب الحكم الديني في تاريخ السودان لفهم جوهر هذه المخاوف. فالتاريخ السياسي السوداني لم يكن بريئاً من التراتبيات الاجتماعية والإثنية التي جرى تبريرها أحياناً بلغة دينية أو بشرعيات مستمدة من الغلبة والقوة. ولو تُرك التاريخ لفقه الغلبة القديم، لربما ظلت أسواق الرق ومزادات البشر جزءاً من "النظام العام"، ولرأينا الأجساد البشرية مكدسة مع الغنم والجمال والحمير في بيت مال المسلمين في قلب أم درمان. وهذه ليست مبالغة، بل تذكير بأن بعض ما نعتبره اليوم بديهيات أخلاقية لم يتحقق إلا لأن المجتمعات تجاوزت نظم الهيمنة القديمة، لا لأنها قبلت بها.
    فالسودان الجديد يا مبارك الفاضل، في هذا الوقت لا يبدأ من سؤال: هل تقبل النخب بالعلمانية؟
    بل يبدأ من سؤال أكثر جذرية: هل تقبل هذه النخب أخيراً أن تكون مساوية لبقية السودانيين، لا فوقهم؟
    هنا جوهر المعركة. وهنا أيضاً سبب الخوف من العلمانية. فهي لم تعد مجرد فكرة مطروحة للنقاش، بل أصبحت بالنسبة لكثيرين شرطاً ضرورياً لبناء وطن لا يولد فيه أحد سيداً بحكم الطائفة أو النسب أو التاريخ، ولا يولد فيه أحد تابعاً بحكم الدين أو العرق أو الجغرافيا.

    النضال مستمر والنصر اكيد.

    (أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)























                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث المقالات بسودانيزاونلاين اليوم
فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to bakriabubakr@cox.net

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de