ليس مهما انتماؤك السياسي، يمينا كان أو يسارا، غنيا أو فقيرا، من سكان الخرطوم أو من الأقاليم. المهم هو إدراك حقيقة غائبة — أو مُغيّبة — عن وعي الكثير من السودانيين: أن مصر الرسمية، عبر كل أنظمتها العسكرية منذ عهد محمد علي باشا ذي الأصول التركية، الذي حكم مصر ثم مدّ نفوذه إلى السودان في بدايات القرن التاسع عشر بحثا عن الذهب والرجال، مرورا بجمال عبد الناصر وأنور السادات وحسني مبارك، وصولا إلى عبد الفتاح السيسي — جميعهم نظروا إلى السودان باعتباره حديقة خلفية، وتعاملوا معه بعقلية الهيمنة والسيطرة. لقد استخدمت هذه الأنظمة المؤسسة العسكرية السودانية منذ انقلاب 1958 كأداة لقطع الطريق أمام الشعب السوداني ومنعه من بناء نظام مدني ديمقراطي يقوم على الهوية الوطنية، والانفتاح السياسي، والتداول السلمي للسلطة، والتوزيع العادل للثروة، بما يضمن القضاء على الفوارق الاقتصادية والاجتماعية، ويؤسس لوطن حر ديمقراطي يمتلك قراره الوطني المستقل. طوال السبعين عاما الماضية، لم تتعامل الأنظمة العسكرية المصرية مع السودان بندّية أو احترام، بل بعقلية السيد والتابع. وقد تجلّى هذا السلوك في ما يسمى باستقلال السودان، الذي تحوّل — بفعل التدخل المصري عبر وكلائها في المؤسسة العسكرية — إلى عملية استغلال بشعة لمقدرات السودان وإجهاض متكرر لأي محاولة لبناء دولة حديثة. وبعد سبعة عقود من رفع علم الاستقلال دون مضمون سياسي أو اقتصادي حقيقي يخدم الشعب السوداني، ظلّت تلك العقود سلسلة من الانقلابات العسكرية والحروب الأهلية، وكلها مدعومة — بصورة مباشرة أو غير مباشرة — من الأنظمة العسكرية المصرية التي تحكمت في مصير الشعب المصري، وسعت عبر عملائها في السودان للتحكم في مصير الشعب السوداني أيضا. المرحلة الحالية تفرض على المثقفين الشرفاء أن ينهضوا بدورهم الوطني بعيدا عن التهريج السياسي الذي يمارسه السياسيون الانتهازيون والعسكريون العملاء التابعون لمصر. وفي هذا السياق، أحيّي الدكتور النور حمد، الذي يُعد من القلائل الذين سبروا غور الأزمة وحددوا جوهرها بوضوح. كلمة أخيرة: لن ينهض السودان، ولن يستعيد عافيته، ما لم يتحرر وعيه الوطني من التبعية لمصر، التي لا ترى في السودان سوى مصدر لمياه النيل وموارد تُنهب، لا دولة مستقلة ذات سيادة.
الطيب الزين كاتب وباحث في دور القيادة والإصلاح المؤسسي
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة