يمرّ السودان اليوم بقطوعاتٍ تاريخية هي الأشد إيلامًا وقسوة في سجله الحديث؛ حيث تتكثف الشواهد لتضع هذا الجسد الأفريقي العظيم في مشهدٍ أشبه باللحظات الأخيرة داخل غرفة الإنعاش. إنه واقعٌ تتداعى فيه الأركان، وتترنح فيه مؤسسات الدولة تحت وطأة التفكك، حتى ليُخيَّل للمراقب أن هذا الكيان يقف على شفا موته المحتم. وفي خضم هذا الاحتضار الهيكلي، تأتي القرارات الرسمية الأخيرة—وعلى رأسها قرار تغيير العملة الوطنية وحذف ثلاثة أصفار منها—لتطرح سؤالًا مصيريًا يؤرق الضمير الجمعي: هل تملك مثل هذه المعالجات النقدية الإجرائية القوة الكافية لانتشال "رجل أفريقيا المريض" من غيبوبته، أم أنها مجرد محاولات لتأجيل اللحظة الحاسمة؟ تذكرنا هذه الحالة بواقعةٍ شائعة من موروث القرى القديمة؛ يومَ كانت المريضة تعاني سكرات الموت، ويقف الطبيب الماهر على بعد خطوات، لكنّ الحَرَج التقليدي والمفهوم المكبّل يمنعانه من الدخول لمباشرة العلاج، فيُصرّ ذووها على تسليمها لـ "الداية" الشعبية التي لم تتلقَّ حظًا من علوم الطب والتمريض! هذا بالضبط ما يشهده الاقتصاد السوداني اليوم؛ إذ يُستبعد الخبراء وتُعزل العقول الشاهقة والكفاءات الوطنية ذات الخبرة العلمية العالية، ليُسلَّم جسد الاقتصاد المنهك إلى حلولٍ إجرائية قاصرة تُدار بمنطق "الداية"، بينما يرقد الشفاء المفترض على بعد خطوات في عقول أبنائه المبعدين. إن الفكر الاقتصادي والتاريخ المالي يؤكدان أن تغيير النقود وحذف الأصغار—رغم ما يحمله من محاولة لضبط الكتلة النقدية—يبقى إجراءً شكليًا ما لم يقترن بشرطين أساسيين: إنهاء النزيف، وبناء غطاء إنتاجي حقيقي يُدار بعقول متخصصة. فالعملة ليست إلا مرآة لتعافي الجسد الاقتصادي، وليست الإكسير الذي يبعث الحياة في جسدٍ بلا إنتاج. ومع ذلك، فإن غياب أمل التعافي ليس حتمية مطلقة؛ فالأمة التي تملك هذا الرصيد الزاخر من الكفاءات والخبرات في أصقاع الأرض، قادرةٌ على صياغة هندسة جديدة للتعافي، متى ما أُزيحت العوائق الفكرية والسلطوية، وتُرك الأمر لأهل الاختصاص والطب الاقتصادي الحقيقي.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة