السودان بين مبادرات السلام ومخاطر عودة الإسلاميين: هل تنجح واشنطن حيث أخفقت المبادرات السابقة:-
كتبه/ كمال حامد لم تعد الحرب في السودان مجرد مواجهة عسكرية بين طرفين، بل أصبحت معركة على مستقبل الدولة وهوية الحكم ومصير الانتقال الديمقراطي. وبين الجهود الأمريكية والدولية الرامية إلى وقف القتال، والمخاوف من أن يؤدي استمرار الحرب إلى إعادة إنتاج نفوذ الحركة الإسلامية وشبكات النظام السابق، يقف السودانيون أمام سؤال مصيري: هل تنجح مبادرات السلام في إنهاء الحرب وفتح الطريق أمام دولة مدنية، أم تتكرر محاولات تعطيل التسوية كلما اقتربت البلاد من الخروج من دائرة الاستبداد؟ من عواصم الشتات، يواصل السودانيون نقل أصوات الضحايا إلى العالم، مطالبين بوقف الحرب، وحماية المدنيين، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وضمان ألا تتحول أي تسوية سياسية إلى بوابة لعودة منظومة الحكم التي ثاروا ضدها. إن الرهان الحقيقي ليس على نجاح هدنة مؤقتة فحسب، بل على قيام دولة لا يحتكرها العسكر، ولا يصادرها تنظيم سياسي باسم الدين، ولا تتحول فيها معاناة المواطنين إلى ثمن يدفعونه مقابل بقاء أصحاب النفوذ في السلطة. من الاستقلال إلى الانقلابات.. وطن يبحث عن الاستقرار منذ استقلال السودان عام 1956، ظل التاريخ السياسي للبلاد محكوماً بدورات متكررة من الحكم المدني والانقلابات العسكرية والصراعات المسلحة. وفي كل مرة كان السودانيون يطمحون فيها إلى ترسيخ الديمقراطية وبناء مؤسسات مستقرة، كانت البلاد تواجه انتكاسة تعيدها إلى مربع الصراع على السلطة. وقد أسهمت هذه الدورات في إضعاف مؤسسات الدولة، وتراجع الثقة بين المواطنين والحكومات، وتوسيع الفجوة بين المركز والأطراف. كما دفعت أعداداً كبيرة من السودانيين إلى الهجرة واللجوء، هرباً من الحرب أو الاضطهاد السياسي أو انهيار سبل العيش. ولم يكن المنفى نهاية علاقة السودانيين بوطنهم. فقد تحولت عواصم الشتات إلى ساحات للعمل السياسي والحقوقي والإعلامي، حيث وجد السودانيون مساحة أوسع للتعبير عن مواقفهم، وتوثيق الانتهاكات، ومخاطبة الرأي العام العالمي بشأن ما يجري في بلادهم. انقلاب 1989.. حين تداخل المشروع الإسلامي مع الحكم العسكري شكّل انقلاب الثلاثين من يونيو 1989 محطة مفصلية في تاريخ السودان. فقد استولى الجيش بقيادة عمر البشير على السلطة بدعم من الجبهة الإسلامية القومية بقيادة حسن الترابي، وأطاح الحكومة المنتخبة، لتبدأ مرحلة طويلة من حكم الإنقاذ. شهدت تلك المرحلة إعادة تشكيل واسعة لمؤسسات الدولة، وتضييقاً على الأحزاب والنقابات والصحافة، وفصل موظفين من الخدمة العامة لأسباب سياسية، فضلاً عن انتهاكات جسيمة وثقتها منظمات حقوقية في سياقات الاعتقال والنزاعات المسلحة. وكان من أبرز الإشكالات السياسية في تلك التجربة توظيف الخطاب الديني لتبرير السلطة وتقديم المشروع الحاكم بوصفه ممثلاً لقيم دينية عليا. وفي مثل هذه الظروف، يصبح الاعتراض على الحكومة عرضة للتصوير باعتباره اعتراضاً على الدين، ويُستبدل النقاش حول السياسات العامة باتهامات تمس العقيدة والولاء. لكن الدين ليس ملكاً لحزب سياسي، ولا يجوز لأي جماعة أن تحتكر تمثيله أو تستخدمه لمنح نفسها حقاً دائماً في الحكم. إن خطورة الأنظمة التي توظف الدين سياسياً تكمن في احتمال تحويل السلطة إلى وصاية أخلاقية لا تقبل المساءلة، وفي جعل معارضة الحاكم أكثر كلفة من معارضة أي حكومة أخرى. والمشكلة هنا ليست في تدين الحاكم أو المجتمع، بل في غياب الضمانات التي تمنع احتكار الحقيقة والسلطة معاً. سقوط البشير لم ينهِ نفوذ النظام السابق أطاحت ثورة ديسمبر 2018 بنظام عمر البشير في أبريل 2019، وفتحت الباب أمام آمال واسعة في الانتقال إلى حكم مدني ديمقراطي. غير أن سقوط رأس النظام لم يكن كافياً لإنهاء جميع شبكات النفوذ التي تشكلت خلال ثلاثة عقود. فإعادة بناء الدولة لا تتحقق بمجرد تغيير القيادة السياسية، بل تحتاج إلى إصلاح المؤسسات، وإخضاع الأجهزة الأمنية والعسكرية للقانون، ومراجعة آليات التعيين والتمويل والمساءلة، وضمان استقلال القضاء. ثم جاء انقلاب 25 أكتوبر 2021 ليقوض مسار الانتقال، قبل أن تندلع الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في أبريل 2023. ومنذ ذلك الحين، تزايدت المخاوف من أن يؤدي استمرار الحرب إلى إضعاف القوى المدنية وتهيئة الظروف لعودة شبكات النظام السابق إلى مواقع النفوذ، سواء من خلال التحالفات السياسية أو العلاقات داخل المؤسسات العسكرية والأمنية. وتظل مساءلة الحركة الإسلامية عن تجربتها في الحكم، وفحص دور الشبكات المرتبطة بالنظام السابق في المشهد الراهن، مسألتين ضروريتين لفهم الأزمة السودانية. لكن المسؤولية عن أي عمل محدد ينبغي أن تثبت بالأدلة، لا بالتعميم أو الافتراض. واشنطن ومساعي وقف الحرب.. فرصة لإنقاذ السودان تمثل الجهود الأمريكية والدولية الرامية إلى وقف الحرب إحدى القنوات المهمة لإنهاء المأساة السودانية. وقد شهدت الوساطة محطات متعددة، من محادثات جدة التي رعتها الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية عام 2023، إلى مبادرات لاحقة استهدفت وقف الأعمال العدائية، وتسهيل وصول المساعدات، وتهيئة الظروف أمام عملية سياسية. وتنبع أهمية هذه الجهود من أن السودان لا يحتاج إلى وقف مؤقت لإطلاق النار فحسب، بل إلى مسار يمنع تجدد القتال ويعيد بناء مؤسسات الدولة على أسس مدنية وقانونية. فالهدنة التي لا تترافق مع ضمانات لتنفيذها، وآليات لمراقبتها، وإجراءات لحماية المدنيين، قد تتحول إلى استراحة عسكرية تستغلها الأطراف لإعادة ترتيب قواتها قبل استئناف المواجهات. كما أن أي تسوية تقتصر على تقاسم السلطة بين الأطراف المسلحة، من دون مشاركة مدنية حقيقية، قد تعيد إنتاج الأزمة نفسها في صورة مختلفة. ومن هنا، ينبغي أن تتضمن المبادرات الدولية مساراً سياسياً واضحاً، يضمن مشاركة السودانيين في تقرير مستقبل بلادهم، ويضع حماية المدنيين وإيصال المساعدات في مقدمة الأولويات، ويؤسس لانتقال مدني لا يخضع لإرادة حاملي السلاح. ومن المهم أيضاً التحقق من أحدث المواقف الرسمية الأمريكية قبل نشر تفاصيل أي مبادرة جارية أو نسب شروط محددة إلى واشنطن؛ هل تحاول الحركة الإسلامية إفشال فرص السلام؟ يثير احتمال عرقلة التسوية من جانب القوى المتضررة من إنهاء الحرب قلقاً مشروعاً لدى قطاعات من السودانيين. فالقوى التي ترى أن السلام قد يؤدي إلى فقدان نفوذها أو فتح ملفات المساءلة قد لا تكون بالضرورة متحمسة لتسوية تعيد السلطة إلى المدنيين. وفي الحالة السودانية، تتصل هذه المخاوف بمستقبل الحركة الإسلامية وشبكات النظام السابق، وبمدى استعدادها لقبول تحول سياسي ينهي احتكار السلطة ويخضع المؤسسات العامة للمساءلة. غير أن إثبات أن جهة بعينها أفشلت مبادرة محددة يتطلب أدلة موثقة على مواقفها وأفعالها وصلتها بعملية التعطيل. ومن الضروري عدم تحويل التحليل السياسي إلى حكم قاطع من دون سند. ومع ذلك، فإن هذه المخاوف تستحق أن تكون جزءاً من النقاش الدولي حول ضمانات السلام. فنجاح أي مبادرة لا يعتمد فقط على توقيع الأطراف اتفاقاً، بل على منع القوى الرافضة للتغيير من تعطيله عبر السلاح أو النفوذ المؤسسي أو حملات التضليل. ولذلك، ينبغي أن تتضمن التسوية آليات لمراقبة الالتزام، وإجراءات واضحة للتعامل مع الخروقات، وضمانات تمنع أي تنظيم سياسي أو قيادة عسكرية من فرض إرادتها على مستقبل البلاد. إن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى واشنطن والعواصم المؤثرة هي أن السلام المستدام لا يمكن بناؤه على تجاهل شبكات النفوذ، كما لا يمكن ضمانه بإقصاء جماعي قائم على الهوية أو المعتقد. المطلوب هو مساءلة الأفعال، وحماية التعددية، وإخضاع الجميع للقانون. مشروع يتجاوز الحدود.. أسئلة حول الولاء والسيادة تطرح بعض تيارات الإسلام السياسي تصوراً أيديولوجياً يتجاوز حدود الدولة الوطنية، وتسعى إلى توسيع حضورها في مجتمعات متعددة. لكن هذه التيارات ليست كتلة واحدة، وتختلف في برامجها ومواقفها من الديمقراطية والعنف والتعددية. لذلك، ينبغي أن ينصب النقاش على البرامج والممارسات الفعلية لكل تنظيم، لا على تعميم الأحكام على المسلمين أو المتدينين. ومن حق المواطنين أن يسألوا أي تنظيم سياسي عن علاقاته الخارجية، ومصادر تمويله، وموقفه من سيادة الدولة، واستقلال القضاء، وتداول السلطة. هل يقبل التنظيم أن يخسر الانتخابات ويسلم الحكم لمنافسيه؟ هل يخضع للمساءلة القانونية؟ وهل يعترف بأن المواطنين الذين لا يشاركونه المرجعية الفكرية يتمتعون بالحقوق نفسها؟ هذه الأسئلة ليست عداءً للدين، بل شروط لحماية الدولة من احتكار أي جماعة لها. فحين يتقدم الولاء التنظيمي على المصلحة العامة، أو تصبح مؤسسات الدولة أدوات لخدمة مشروع حزبي، تتراجع المواطنة ويتحول التنافس السياسي إلى صراع على السيطرة. والرد على هذه المخاطر لا يكون بالتخويف أو التضييق على الحريات الدينية، بل بتعزيز المؤسسات الديمقراطية، واستقلال القضاء، وحرية الصحافة، وضمان خضوع جميع التنظيمات للقانون. السودانيون في عواصم الشتات.. من الشهادة إلى التأثير من لندن إلى باريس وبرلين وواشنطن، ومن مدن أوروبية وعربية أخرى، يواصل السودانيون في الخارج جهودهم لإبقاء مأساة بلادهم حاضرة في الوعي العالمي. وتتخذ هذه الجهود أشكالاً متعددة، تشمل الاحتجاجات السلمية، والندوات العامة، والتواصل مع البرلمانيين والصحفيين، وتوثيق شهادات الضحايا، ودعم الحملات الإنسانية والحقوقية. وفي المرحلة الحالية، يمكن لهذه الجهود أن تؤدي دوراً مهماً في متابعة المبادرات الأمريكية والدولية، والمطالبة بأن يكون وقف الحرب مدخلاً إلى انتقال مدني حقيقي، لا مجرد اتفاق مؤقت بين القوى المسلحة. كما ينبغي أن يطالب السودانيون في المهجر بمعايير شفافة لتقييم التزام الأطراف بالهدنة، وبمساءلة الجهات التي تثبت مسؤوليتها عن عرقلة السلام أو ارتكاب الانتهاكات، وبضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها من دون تمييز أو تسييس. لكن التأثير الحقيقي يتطلب خطاباً موثوقاً، يستند إلى المعلومات المدققة، ويميز بين الوقائع والاتهامات، ويبتعد عن التعميم. فكلما كانت المطالب محددة ومدعومة بالأدلة، ازدادت قدرة السودانيين على مخاطبة المؤسسات الدولية والرأي العام في البلدان التي يقيمون فيها. ولا ينبغي أن يكون هدفهم استبدال وصاية داخلية بأخرى خارجية، بل مساندة حق الشعب السوداني في تقرير مستقبله، والاستفادة من الضغط الدولي لحماية المدنيين ومنع إفلات المسؤولين عن الانتهاكات من المحاسبة. لا سلام من دون دولة مدنية ومساءلة إن إنهاء الحرب يمثل ضرورة عاجلة، لكنه لا يكفي وحده لضمان استقرار السودان. فالأزمة مرتبطة أيضاً بضعف مؤسسات الدولة، وتاريخ الانقلابات، والتهميش، وغياب المحاسبة، وتداخل المصالح العسكرية والسياسية والاقتصادية. ومن ثم، فإن أي تسوية جادة ينبغي أن تفتح الطريق أمام إصلاح المؤسسات، وإخضاع القوات المسلحة والأجهزة الأمنية لسلطة مدنية دستورية، وضمان استقلال القضاء، واستعادة حرية التنظيم والصحافة، وإقامة نظام سياسي يسمح بالتنافس السلمي وتداول السلطة. كما ينبغي أن تستند المحاسبة إلى الأدلة والإجراءات القانونية، بعيداً عن الانتقام الجماعي أو إقصاء المواطنين بسبب معتقداتهم. فالدولة المدنية لا تعادي الدين، لكنها ترفض احتكار تفسيره أو استخدامه لمنح أي تنظيم امتيازاً دائماً في الحكم. والمعيار نفسه ينطبق على المؤسسات العسكرية: فدورها لا يمنحها حق تقرير مستقبل البلاد أو اختيار حكومتها خارج الدستور والقانون. أما المجتمع الدولي، فعليه أن يدعم وقف الحرب ومسار الانتقال المدني، وأن يتعامل بوضوح مع الجهات التي تثبت مسؤوليتها عن تعطيل التسوية، من دون انتقائية أو مساومات تضع مصالح القوى المتنفذة فوق حقوق المواطنين. خاتمة: السلام الذي لا يعيد إنتاج الاستبداد يحمل السودانيون في عواصم الشتات جراح وطنهم، لكنهم يحملون أيضاً مسؤولية الدفاع عن مستقبله. ومن خلال العمل الصحفي والحقوقي والمدني، يستطيعون إبقاء أصوات الضحايا حاضرة في العالم، والمطالبة بألا تضيع أي فرصة حقيقية لوقف الحرب. إن الجهود الأمريكية والدولية تستحق المتابعة والمساءلة بشأن نتائجها، لا الاكتفاء بالترحيب ببياناتها. فالمعيار الحقيقي لنجاحها هو قدرتها على إنقاذ الأرواح، وضمان وصول المساعدات، وفتح الطريق أمام حكم مدني، ومنع إعادة إنتاج منظومة الاستبداد. كما أن مخاوف عرقلة الحركة الإسلامية أو غيرها من القوى المتضررة من التسوية ينبغي أن تُفحص بجدية، استناداً إلى الأدلة والوقائع، حتى لا يتحول السلام إلى اتفاق هش يعيد إنتاج أسباب الحرب. فالسودان لا يحتاج إلى سلطة تدعي امتلاك الحقيقة باسم الله، ولا إلى حكم عسكري يفرض الاستقرار بالقوة، ولا إلى تنظيم يحتكر حق تقرير مستقبل البلاد. إنه يحتاج إلى دولة تحمي حرية التدين والاعتقاد، وتضمن المساواة أمام القانون، وتضع الإنسان فوق الأيديولوجيا والمصلحة التنظيمية. وعلى السودانيين في الشتات أن يواصلوا مخاطبة عواصم القرار، لا طلباً لوصاية خارجية على بلادهم، بل دفاعاً عن حق شعبهم في تقرير مصيره، ورفضاً لأي تسوية تتجاهل تطلعاته إلى الحرية والعدالة والسلام. فالمعركة الحقيقية ليست فقط من أجل إيقاف الحرب، بل من أجل ألا يعود السودان إلى الأسباب نفسها التي أشعلتها. والسلام الذي يستحقه السودانيون هو السلام الذي ينهي القتال، ويضع حداً لاحتكار السلطة، ويعيد الدولة إلى مواطنيها.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة