الرسالة الثانية في فكر محمود محمد طه- من الحكم على الفكرة إلى اختبار بنيتها التأويلية#

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 09-13-2026, 00:32 AM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
09-10-2026, 08:45 PM

زهير ابو الزهراء
<aزهير ابو الزهراء
تاريخ التسجيل: 08-23-2021
مجموع المشاركات: 13796

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين

مكتبة الفساد

من اقوالهم
(مكتبة مفتوحة للتحديث)
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
الرسالة الثانية في فكر محمود محمد طه- من الحكم على الفكرة إلى اختبار بنيتها التأويلية#

    08:45 PM September, 10 2026

    سودانيز اون لاين
    زهير ابو الزهراء-السودان
    مكتبتى
    رابط مختصر





    أولاً- من الحكم على المصطلح إلى اختبار النظرية و تشهد دراسات الفكر الإصلاحي والإسلامي المعاصر إشكاليات متكررة في التعامل مع المشاريع الفكرية الكبرى، إذ غالباً ما تتحول المناقشات حولها إلى ثنائيات جاهزة,  القبول المطلق أو الرفض القاطع، الدفاع أو الإدانة، التجديد أو الانحراف ,  وفي مثل هذه المناخات يصبح المصطلح أحياناً بديلاً عن التحليل، ويغدو الحكم على الفكرة سابقاً على محاولة فهم بنيتها الداخلية

    وقد تحركت المقالات السابقة في هذه السلسلة تدريجياً من تشخيص أزمة القراءة والمشكلة التاريخية، إلى محاولة بناء أدوات منهجية للتحليل، ثم إلى اختبار بعض الأوصاف التي أطلقت على مشروع المفكر السوداني محمود محمد طه في قراءات الدكتور عبدالله الفكي البشير , غير أن الوصف، مهما كانت وجاهته، لا يكفي وحده للإحاطة بجوهر الفكرة. فقد استنفدت سجالات قديمة جزءاً كبيراً من طاقتها في تداول مصطلحات مثل «التوفيقية» و«التلفيقية»، من دون أن يكون استعمالها دائماً مصحوباً بإعادة بناء دقيقة للمنظومة التي أنتجت الفكرة , ومن هنا تأتي أهمية الانتقال من سؤال- بماذا نصف مشروع محمود محمد طه؟ إلى سؤال أكثر صعوبة- كيف تعمل النظرية من داخلها؟ , فالقراءة النقدية لا تبدأ بإصدار الحكم، وإنما بإعادة بناء الموضوع كما يفهمه صاحبه، ثم اختبار مقدماته، وعلاقاته الداخلية، ونتائجه، وقدرته على إنتاج منهج يتجاوز التجربة الفردية لمؤسسه- ومن هذه الزاوية، تصبح «الرسالة الثانية من الإسلام» نقطة الاختبار الأكثر أهمية، لأنها ليست فكرة هامشية في المشروع الجمهوري، بل تمثل أحد مراكزه النظرية الأساسية

    ثانياً- لماذا تمثل -الرسالة الثانية- مركز الاختبار؟

    يمتد مشروع محمود محمد طه إلى مجالات متعددة- السياسة، والاجتماع، والتربية، والأخلاق، والتصوف، وقضايا المرأة، والدولة، والحريات , و غير أن كثيراً من هذه المخرجات يرتبط، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بتصوره للعلاقة بين القرآن والتشريع وتطور المجتمع الإنساني , ولهذا فإن  (الرسالة الثانية من الإسلام)، التي صدرت طبعتها الأولى عام 1967، ليست مجرد اقتراح فقهي جزئي، وإنما محاولة لإعادة ترتيب العلاقة بين النص والتشريع والتاريخ. وقد وصفها محمود محمد طه نفسه بأنها تقوم على التمييز بين رسالة أولى قامت على فروع القرآن، و«رسالة ثانية» تقوم على أصوله , وهنا ينبغي الانتباه إلى أن الفكرة لا تقوم فقط على القول بوجود آيات مكية وأخرى مدنية، فهذه مسألة معروفة في علوم القرآن، وإنما على إعادة تفسير الوظيفة التشريعية والتاريخية لكل منهما

    وفق البناء الجمهوري، كانت الرسالة الأولى استجابة لواقع تاريخي لم يكن قادراً على استيعاب المستوى الأعلى من القيم التي يمثلها القرآن المكي، ولذلك غلب على التشريع المدني الجانب التفصيلي والتنظيمي الذي يناسب ذلك الواقع. أما الرسالة الثانية فتقوم على العودة إلى مستوى الأصول والقيم الكلية التي يرى محمود طه أنها تمثل جوهر الإسلام ومقصده الأبعد , ومن هنا فإن القضية لا تتعلق بحكم جزئي، بل بأسئلة أوسع-كيف يتطور التشريع؟ -كيف تتغير علاقته بالواقع؟ -هل يمكن لنص واحد أن يحمل مستويات تشريعية مختلفة تبعاً لمستوى المجتمع؟ , ومن يملك حق تحديد الانتقال من مستوى إلى آخر؟ , وهذه الأسئلة هي التي تجعل الرسالة الثانية- محكاً حقيقياً لاختبار النظرية

    ثالثاً- إعادة بناء الفكرة من داخلها

    ينطلق التصور الجمهوري من التمييز بين مستويين في الخطاب القرآني: مستوى يرتبط بمرحلة تاريخية معينة، ومستوى آخر يمثل في نظر محمود محمد طه الأصول والقيم التي يمكن أن تكون أساساً لتشريع أكثر اتساقاً مع غاية الإسلام , وهذا لا يعني، في فهمه، أن الرسالة الأولى كانت خطأ أو أن التشريع المدني كان بلا قيمة، وإنما يعني أنه كان مناسباً لمرحلة تاريخية معينة

    ولذلك لا ينبغي وصف المشروع ببساطة بأنه دعوة إلى إلغاء الشريعة، لأن طه يقدم تصوره باعتباره تطويراً للتشريع وانتقالاً من مستوى تشريعي إلى مستوى آخر , وهذه نقطة مهمة في القراءة النقدية؛ إذ إن اختزال المشروع في عبارة «إلغاء الشريعة» يسقط جانباً أساسياً من منطقه الداخلي , فالرسالة الثانية، بحسب هذا التصور، ليست ديناً جديداً ولا وحياً جديداً، وإنما إعادة تفعيل لمستوى من القرآن يرى محمود طه أنه كان مؤجلاً لحين نضج المجتمع الإنساني,  وفي كتابه يربط هذا الانتقال بتطور المجتمع البشري وقدرته المتزايدة على استيعاب الحرية والمسؤولية الفردية , وهنا تحديداً تبدأ المسألة الأكثر تعقيداً 

    رابعاً- النسخ والتأجيل... من الإلغاء إلى «حكم الوقت ظة لعل أكثر المفاهيم حساسية في النظرية هو مفهوم النسخ , ففي التصور الفقهي التقليدي، ارتبط النسخ برفع حكم شرعي بحكم آخر وفق شروط وضوابط معروفة في علم أصول الفقه. أما محمود محمد طه فيعيد توظيف المفهوم داخل تصور مختلف للعلاقة بين النص والزمن , فالآية التي لا يعمل بها في مرحلة معينة ليست بالضرورة، في منطقه، آية فقدت قيمتها بصورة نهائية؛ وإنما يمكن أن تكون قد أُجّل العمل بها حتى يأتي الوقت الذي تصبح فيه أكثر ملاءمة لحال المجتمع _ ومن هنا يأتي مفهوم حكم الوقت-

    فالقرآن، وفق هذا التصور، لا يتعامل مع مجتمع ثابت خارج التاريخ، وإنما يخاطب البشر بحسب طاقتهم ومستوى تطورهم ولذلك يمكن أن يكون حكم معين مناسباً لمرحلة تاريخية، بينما يصبح حكم آخر، كان مؤجلاً، أكثر ملاءمة لمرحلة لاحقة , وهذا هو المعنى الذي يعطيه طه للنسخ بوصفه انتقالاً أو تأجيلاً لا إلغاءً نهائياً. وقد عبّر بوضوح عن أن ما كان مناسباً للقرن السابع قد لا يكون هو ذاته الأنسب لمرحلة لاحقة، وأن الانتقال إلى آيات الأصول يمثل، في تصوره، عملية تطوير للتشريع , وهنا تبرز نقطة منهجية مهمة: لا ينبغي نقد النظرية من خلال تصور مبسط يقول إن محمود محمد طه اعتبر آيات المدينة «منتهية» بانتهاء عصر الرسول. فهذا لا يطابق بدقة منطقه؛ إذ إن الفكرة عنده أقرب إلى إعادة ترتيب الوظيفة التشريعية للنص وفق مقتضيات المرحلة، وليس إلغاء تاريخي نهائي للرسالة الأولى. وقد شدد المدافعون عن فكره في السنوات الأخيرة على هذه النقطة تحديداً , لكن الاعتراف بهذه الدقة لا يعفي النظرية من السؤال النقدي -بل ربما يجعله أكثر عمقاً-ما المعيار الذي يسمح لنا بالقول إن زمن حكم ما قد انتهى، وإن زمن حكم آخر قد بدأ؟ , هنا تنتقل المشكلة من مفهوم النسخ نفسه إلى مفهوم الزمن التاريخي الذي تستند إليه النظرية

    - خامساً - من «حكم الوقت» إلى سؤال تطور البشرية ويحتل مفهوم تطور المجتمع البشري مكانة مركزية في تفسير الرسالة الثانية.

    فالمجتمع في القرن السابع، وفق هذا التصور، لم يكن قادراً على استيعاب مستوى الحرية والمسؤولية الذي تفترضه الرسالة الثانية. أما المجتمع الحديث فقد بلغ درجة أعلى من النضج الفكري والمادي، بما يسمح بانتقال التشريع إلى مستوى أكثر اقتراباً من الحرية والمساواة والمسؤولية الفردية , وهذا البناء يمنح التاريخ وظيفة أساسية في فهم النص ,لكن هنا تظهر واحدة من أكثر نقاط النظرية إثارة للسؤال النقدي- كيف نحدد أن البشرية أصبحت بالفعل مؤهلة للانتقال إلى الرسالة الثانية؟- هل يكفي التطور العلمي والتكنولوجي؟-هل يكفي انتشار فكرة حقوق الإنسان؟-هل يكفي ارتفاع مستوى التعليم؟-أم أن التطور المقصود تطور أخلاقي وروحي بالدرجة الأولى؟-وإذا كان التطور مركباً من هذه العناصر كلها، فما معيار قياسه؟ -قد يكون المجتمع متقدماً علمياً لكنه ينتج حروباً شاملة، وقد يكون متقدماً اقتصادياً لكنه يمارس أشكالاً جديدة من الاستغلال، وقد يرفع شعارات الحرية بينما ينتج تفاوتات عميقة في القوة والثروة , ومن ثم فإن عبارة «تطور البشرية» لا يمكن أن تظل مفهوماً بديهياً -إنها تحتاج إلى معيار , وهنا تبرز المسألة المنهجية الأهم في النظرية- إذا كان نضج المجتمع شرطاً للانتقال من حكم إلى حكم، فإن تحديد هذا النضج يصبح جزءاً من عملية التشريع نفسها , وبعبارة أخرى، لم تعد المشكلة فقط: ماذا يقول النص؟ , بل أصبحت أيضاً- من يقرر أن الواقع أصبح مؤهلاً لتطبيق هذا المستوى من النص؟ - وهذا السؤال لا يطعن في الفكرة مسبقاً، لكنه يكشف نقطة تحتاج إلى تأسيس نظري دقيق 

    سادساً- من تطوير التشريع إلى سؤال السلطة التأويلية

    إذا قبلنا جدلاً بأن النص يحمل مستويات تشريعية متعددة، وأن الانتقال بينها يرتبط بنضج المجتمع، فإن السؤال التالي يصبح حتمياً- من يملك سلطة تحديد هذا الانتقال؟

    هل هي سلطة النص ذاته، من خلال قرائن داخلية واضحة؟

    أم سلطة الاجتهاد البشري؟

    أم سلطة الواقع التاريخي الذي يفرض إعادة القراءة؟

    أم سلطة المفكر الذي يستطيع الجمع بين النص والواقع في صياغة جديدة؟

    وهنا تظهر المسألة المعرفية التي قد تكون أكثر أهمية من الخلاف حول النتائج نفسها , فأي نظرية تسمح بالانتقال من حكم إلى حكم تحتاج إلى معيار للانتقال , وإذا لم يكن هذا المعيار واضحاً وقابلاً للاختبار، فقد يتحول الاجتهاد إلى سلطة شخصية، حتى لو كانت نواياه إصلاحية.

    أما إذا كان المعيار واضحاً، وقابلاً للتعلم والنقد والتطبيق من جانب باحثين آخرين، فإن النظرية تقترب من بناء منهج مستقل عن مؤسسها.

    وهذه هي النقطة التي ينبغي أن نميز فيها بين عبقرية صاحب الفكرة وبين قابلية الفكرة للتحول إلى منهج معرفي عام.

    فالفكر الكبير لا يصبح بالضرورة علماً قابلاً للتعميم لمجرد أن صاحبه كان استثنائياً.

    سابعاً: من التجربة الصوفية إلى المنهج القابل للاختبار

    لا يمكن فهم مشروع محمود محمد طه من دون الاعتراف بالمكوّن الصوفي في تجربته الفكرية والروحية. فالقراءة الجمهورية للنص لا تقوم فقط على تحليل لغوي أو تاريخي خارجي، وإنما ترتبط أيضاً بتصور للمعرفة الروحية، ولعلاقة الإنسان بالله، ولإمكان الترقي الفردي.

    وهذا البعد يمنح المشروع عمقه الخاص، لكنه يطرح في الوقت ذاته سؤالاً معرفياً.

    إذا كانت بعض النتائج الأساسية التي يصل إليها المفكر مرتبطة بتجربة روحية خاصة، فكيف يمكن لشخص آخر لا يشارك تلك التجربة أن يختبر النتائج نفسها؟

    هنا يجب التمييز بين أمرين-التجربة الروحية بوصفها مصدراً للإلهام، والمنهج بوصفه أداة قابلة للتعميم, فليس مطلوباً من كل باحث أن يعيش التجربة الروحية ذاتها حتى يفهم الفكرة، لكن المطلوب أن تكون الأدوات التي تستخدم لإثبات الفكرة قابلة للفحص خارج التجربة الشخصية , وهذه ليست مشكلة تخص محمود محمد طه وحده؛ بل هي سؤال عام يواجه كل مشروع فكري تتداخل فيه الخبرة الروحية مع الاستدلال العقلي , ومن هنا يمكن أن يصبح النقد أكثر عدلاً-- لا نرفض البعد الصوفي لأنه صوفي، ولا نقبله لمجرد أنه تجربة شخصية عميقة، وإنما نسأل عن الحدود التي يمكن أن ينتقل عندها من المعرفة الذاتية إلى المعرفة المشتركة القابلة للنقاش

    ثامناً- هل تؤدي الرسالة الثانية إلى تشريع جديد أم إلى إعادة ترتيب مصادر التشريع؟ هذه نقطة أخرى تحتاج إلى التمييز

    قد يبدو للوهلة الأولى أن مشروع الرسالة الثانية يريد استبدال الشريعة التاريخية بتشريع جديد. لكن قراءة منطقه الداخلي تكشف أنه يقدم نفسه بصورة مختلفة- ليس إنشاء مصدر جديد للتشريع، وإنما إعادة تفعيل نصوص موجودة في القرآن، كانت وظيفتها التشريعية مؤجلة وفق «حكم الوقت , وهنا تتغير طبيعة السؤال , فبدلاً من السؤال: هل اخترع محمود محمد طه شريعة جديدة؟

    يصبح السؤال , هل يمتلك منهجه الأدوات الكافية لإعادة ترتيب الوظائف التشريعية للنص القرآني من دون أن يتحول هذا الترتيب إلى سلطة تأويلية غير قابلة للضبط؟ , وهذا سؤال أكثر دقة، لأنه لا يفترض النتيجة مسبقاً , كما أن المدافعين عن المشروع يؤكدون أن «الرسالة الثانية» ليست إلغاءً للرسالة الأولى، وإنما تطوير لتشريعها استجابة لحاجة المجتمع وروح الإسلام كما يفهمها المشروع الجمهوري , لكن هذا الدفاع يعيدنا مرة أخرى إلى السؤال المركزي- كيف نختبر هذا التطوير؟

    -تاسعاً--- الاختبار النقدي لبنية النظرية

    يمكن الآن إخضاع نظرية الرسالة الثانية لعدد من المعايير المنهجية دون الدخول في محاكمة عقائدية أو إصدار حكم مسبق , 1. الاتساق الداخلي

    هل تتماسك العلاقة بين القرآن المكي والمدني، والأصل والفرع، والنسخ والتأجيل، وحكم الوقت، وتطور المجتمع ضمن منظومة واحدة؟

    إذا كانت هذه المفاهيم مترابطة، فإن ضعف أحدها يمكن أن يؤثر في البناء كله , 2. المعيار النصي

    هل يقدم المشروع معياراً داخلياً واضحاً لتحديد الآيات التي تمثل الأصول وتلك التي تمثل الفروع، أم أن التصنيف يعتمد بدرجة كبيرة على قراءة تاريخية وفلسفية للنص؟

    وهذا سؤال بالغ الأهمية، لأن تحديد «الأصل» و«الفرع» ليس مجرد وصف للنص، وإنما يترتب عليه أثر تشريعي

    3. معيار الزمن

    إذا كان حكم الوقت عاملاً في تحديد الحكم التشريعي، فما الضابط الذي يجعل وقتاً معيناً مؤهلاً للانتقال إلى مستوى جديد؟

    وهنا لا يكفي القول إن البشرية تطورت؛ بل ينبغي تحديد معنى التطور ومؤشراته 

    4. قابلية التطبيق

    هل يمكن لمجتمع آخر، أو لباحث آخر، أن يستخدم المنهج نفسه ويصل إلى نتائج يمكن مناقشتها ومقارنتها؟

    أم أن النظرية تعتمد بدرجة يصعب فصلها عن شخصية محمود محمد طه وتجربته الفكرية والروحية؟

    5. العلاقة بين التأويل والتشريع

    التأويل يمكن أن ينتج رؤية أخلاقية وفلسفية عميقة، لكن عندما يتحول إلى أساس لتغيير قواعد القانون والدولة والعلاقات الاجتماعية، يصبح السؤال عن الشرعية والمصدر والمنهج أكثر إلحاحاً , وهنا تنتقل النظرية من المجال الفكري إلى المجال المؤسسي والسياسي

    عاشراً عبدالله الفكي البشير في مواجهة السؤال المنهجي وهذا المسعي الاهم من خلال ما اكتب الان 

    عند العودة إلى أعمال الدكتور عبدالله الفكي البشير حول محمود محمد طه، ينبغي أن نطرح عليه السؤال ذاته الذي نطرحه على المشروع الجمهوري- ما طبيعة المنهج الذي نقرأ به الفكرة؟

    لقد أسهم البشير في جمع المادة المتعلقة بمحمود محمد طه، وفي الدفاع عن ضرورة التعامل معه بصورة أكثر توثيقاً ودقة، كما يؤكد في كتاباته أن دراسة الفكر الجمهوري تحتاج إلى منهج توثيقي صارم وعدم الاكتفاء بالأحكام المسبقة , وهذه نقطة إيجابية من الناحية المنهجية، لكنها تفتح في الوقت ذاته باباً للسؤال _ هل يكفي توثيق أقوال محمود محمد طه وإعادة تقديمها لكي نكون قد مارسنا النقد؟

    أم أن الخطوة التالية هي إعادة بناء النظرية ثم اختبار مقدماتها ونتائجها؟

    فالقراءة التاريخية شيء، والقراءة النقدية شيء آخر والإنصاف يقتضي ألا نحمّل عبدالله الفكي البشير موقفاً لم يتبنَّه، كما لا ينبغي أن نحمل محمود محمد طه نتائج لم يقل بها- المطلوب هو أن نقرأ كل طرف بأدواته الخاصة، ثم نضع الأفكار في مجال الاختبار.

    ومن هنا فإن قيمة النقد لا تكمن في أن ينتهي إلى رفض المشروع أو الدفاع عنه، وإنما في أن يجعل معايير الحكم نفسها واضحة وقابلة للنقاش

    حادي عشر- من الفكرة إلى المنهج

    إذا أردنا أن نأخذ مشروع محمود محمد طه على محمل الجد، فإن السؤال الأكثر أهمية ربما لا يكون: هل كان على صواب أم على خطأ؟

    بل-هل استطاع أن يحول رؤيته إلى منهج مستقل عن شخصه؟ فالفكرة التي ترتبط بعبقرية صاحبها تظل مهمة، لكنها لا تصبح بالضرورة منهجاً عاماً

    أما إذا أمكن تحديد قواعدها، ومقدماتها، وآليات اختبارها، وشروط تطبيقها، وإمكان مراجعة نتائجها، فإنها تتحول من تجربة فكرية فردية إلى مشروع معرفي قابل للتداول والنقد والتطوير

    ومن هنا يمكن أن نفهم واحدة من أهم نقاط القوة والضعف في «الرسالة الثانية» في آن واحد.

    قوتها أنها لم تتعامل مع التشريع باعتباره بنية جامدة خارج التاريخ، وإنما حاولت إعادة التفكير في العلاقة بين النص والزمن والمجتمع.

    أما موضع الاختبار فيكمن في أن هذه الحركة نفسها تحتاج إلى معيار يضبط الانتقال من زمن إلى زمن، ومن حكم إلى حكم، ومن قراءة إلى أخرى فإذا كان «تطور البشرية» جزءاً من الأساس الذي يبرر الانتقال، فلا بد من تعريف هذا التطور , وإذا كان «حكم الوقت» معياراً للتشريع، فلا بد من تحديد الجهة أو الآلية التي تقرر حكم الوقت , وإذا كان التأويل هو الوسيط بين النص والواقع، فلا بد من بيان الحدود التي تمنع التأويل من التحول إلى سلطة شخصية-وهذه ليست أسئلة لإسقاط المشروع، وإنما هي الأسئلة التي ينبغي أن يواجهها أي مشروع يريد أن ينتقل من التجربة الفكرية إلى المجال العام خاتمة: من محمود محمد طه إلى سؤال المنهج

    إن إعادة قراءة (الرسالة الثانية من الإسلام) تقتضي الخروج من الثنائية القديمة التي وضعت محمود محمد طه بين خانتي القداسة والاتهام

    فهو مشروع فكري مركب، له مقدماته الخاصة، ومنطقه الداخلي، ومفاهيمه الأساسية، وأفقه الأخلاقي والسياسي , ويمكن الاختلاف معه جذرياً، لكن الاختلاف الجاد لا يبدأ بتوصيفه، وإنما بفهمه - والأهم أن مفهوم النسخ كما أعاد طه توظيفه، ومفهوم «حكم الوقت»، وفكرة تطور المجتمع البشري، ليست عناصر منفصلة؛ إنها حلقات في سلسلة واحدة. فإذا أردنا اختبار الرسالة الثانية، فعلينا أن نسأل عن العلاقة بين هذه الحلقات جميعاً وهل يستطيع النص أن يحدد وحده لحظة الانتقال؟ , هل يستطيع التاريخ أن يحددها؟

    هل يستطيع الاجتهاد الفردي أن يحددها؟ - أم أن المشروع يحتاج إلى نظرية أكثر تحديداً في المعرفة والسلطة حتى يستطيع أن ينتقل من تجربة مؤسس إلى منهج عام؟ هنا تحديداً تتجاوز المسألة محمود محمد طه نفسه

    فكل مشروع إصلاحي يريد أن يعيد قراءة النص في ضوء التاريخ يواجه السؤال ذاته: من يملك حق إعادة ترتيب العلاقة بين النص والواقع؟

    ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن نتركه مفتوحاً للمقال الخامس ليس: هل كانت الرسالة الثانية صحيحة أم خاطئة؟

    بل سؤال أكثر عمقاً--هل تمتلك الرسالة الثانية منهجاً قابلاً للاختبار والنمو خارج تجربة محمود محمد طه التاريخية والروحية، أم أن جزءاً أساسياً من قوتها يظل مرتبطاً بشخص صاحبها وبالظرف الذي أنتجها؟ , ذلك هو الاختبار الحقيقي لأي نظرية تريد أن تتحول من رؤية فردية إلى مشروع معرفي قابل للحياة.























                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث المقالات بسودانيزاونلاين اليوم
فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to bakriabubakr@cox.net

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de