الرجوع إلى حُضن الوطن: في تفكيك أسطورة “حرم دولة 56”* كتبه دكتور الوليد آدم مادبو

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 05-31-2026, 07:00 AM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
05-12-2026, 11:43 AM

الوليد ادم مادبو
<aالوليد ادم مادبو
تاريخ التسجيل: 10-26-2013
مجموع المشاركات: 144

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين

مكتبة الفساد

من اقوالهم
(مكتبة مفتوحة للتحديث)
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
الرجوع إلى حُضن الوطن: في تفكيك أسطورة “حرم دولة 56”* كتبه دكتور الوليد آدم مادبو

    11:43 AM May, 12 2026

    سودانيز اون لاين
    الوليد ادم مادبو-السودان
    مكتبتى
    رابط مختصر



    *

    **

    ثمة كلماتٌ لا تكشف عن أصحابها بقدر ما تفضح تاريخاً كاملاً من *العمى الأخلاقي*. وحين قرأتُ حديث تلك “البروفيسورة” عن “حرم دولة 56”، وعن ضرورة إبعاد بعض السودانيين إلى معسكرات النزوح أو تخوم المنافي، أدركتُ أن الحرب السودانية لم تكن، في جوهرها، حرب بنادق فقط، بل حرب تعريفات أيضاً: *من هو السوداني؟ ومن يملك حق الاقتراب من قلب البلاد؟* ومن الذي يتحول فجأةً إلى دخيل، حتى ولو وُلد على هذا التراب قبل أن يولد حرّاس “الحرم” أنفسهم؟

    إن أخطر ما في خطاب الصفوة السودانية ليس عنصريته المباشرة، بل قدرته العجيبة على *ارتداء قناع الوطنية* وهو يغرس خنجر الإقصاء في صدر الوطن نفسه. فهذه النخب، منذ الاستقلال، لم تتعامل مع السودان بوصفه عقداً أخلاقياً بين جماعاتٍ متساوية، بل باعتباره إرثاً عائلياً انتقل إليها من المستعمر، فاحتكرت الجيش والإدارة والثروة والرمزية الوطنية، ثم طالبت الآخرين بأن يموتوا دفاعاً عن دولةٍ لم تمنحهم يوماً شعوراً كاملاً بالمواطنة.

    لقد فهم فرانز فانون، مبكراً، مأساة دول ما بعد الاستعمار حين وصف البرجوازية الوطنية بأنها طبقةٌ ترث كرسيّ المستعمر دون أن ترث مشروعه الحضاري؛ تستبدل الوجوه ولا تغيّر البنية، وتستعمل الوطنية بوصفها ستاراً أخلاقياً لاحتكار السلطة والثروة. وما حدث في السودان ليس استثناءً من هذه القاعدة، بل يكاد يكون نموذجها الأكثر فجاجة.

    فمنذ سبعة عقود تقريباً، ظلّ المركز النيلي يتصرف كما لو أن السودان قد خُلق على صورته وحده. وحين ثارت الأطراف، أو طالبت بحقها في الثروة والسلطة والكرامة، لم تُقابل باعتبارها جماعاتٍ غاضبة من الظلم التاريخي، بل باعتبارها “غزواً” يهدد نقاء الدولة. هكذا صار الجنوبي “عبداً”، والعربي الدارفوري “جنجويدياً”، وأبناء الهامش الزرقة “تورا بورا”، لا لأنهم ارتكبوا خطيئةً وجودية، بل لأنهم تجرؤوا على الاقتراب من المائدة التي ظلت النخبة تأكل عليها وحدها منذ الاستقلال.

    إن عبارة “حرم دولة 56” ليست زلة لسان، بل *خلاصة نفسية كاملة لوعيٍ مأزوم يرى الوطن معبداً عرقياً مغلقاً، لا فضاءً سياسياً مشتركاً*. ولذلك لا عجب أن تنكشف، تحت ضغط الحرب، اللغة الحقيقية التي ظلت مختبئة خلف شعارات الوطنية. فحين يهتز المركز، يبدأ الحديث فوراً عن “الحواكير”، وعن “الغرباء”، وعن ضرورة عزل بعض السودانيين في المخيمات، كأننا أمام نظام طبقاتٍ إثني لا أمام دولة حديثة.

    لكن *المأساة الأعمق* أن هذه النخب ما تزال تتحدث بلسان الضحية، رغم أنها ظلت، لعقود، تحتكر تعريف الوطن نفسه. تبكي اليوم لأن النار وصلت الخرطوم، لكنها لم تبكِ بالقدر نفسه حين كانت دارفور تحترق، ولا حين كان الجنوب ينزف، ولا حين كانت القرى تُمحى من الخرائط في جبال النوبة والنيل الأزرق. كأن المأساة لا تصبح مأساةً سودانية إلا حين يسمع المركز صدى الانفجار قرب نافذته.

    ولهذا فإنني كلما سمعتُ عبارة “حضن الوطن”، لا يخطر ببالي ذلك المعنى الرومانسي الذي تتغنى به الخطب والأناشيد، بل صورةٌ أكثر قسوةً وحقيقة: صورة *مومسٍ سبعينية ما تزال تتزيّن للعشاق رغم أن الزمن استنفد منها أسباب الفتنة والحنان معاً*. حضنٌ لا دفءَ فيه، ولا طمأنينة، ولا أمومة؛ مجرد زفراتٍ متعبة من الإثم، وبقايا حنينٍ شاحب إلى زمنٍ قد انقضى، وتعلقٍ بالذكرى خوفاً من الوحدة والانطفاء.

    هذه هي الدولة التي يطلبون من الجميع اليوم البكاء عليها. *دولةٌ استنزفت الهامش لتبني مركزها، ثم ارتعبت حين حمل الهامش سلاحه وعاد يطرق أبواب الخرطوم*. دولةٌ عاملت ملايين البشر باعتبارهم وقوداً للحرب أو خزاناً للعمالة الرخيصة أو مادةً للفولكلور السياسي، لكنها لم تتردد، عند أول اهتزاز، في مطالبتهم بإثبات وطنيتهم من جديد.

    والمفارقة الساخرة أن الذين يتحدثون الآن عن “النقاء الوطني” هم أنفسهم أبناء *دولةٍ لم تكن تملك من السيادة إلا اسمها*. فمنذ الاستقلال ظلّت النخب السودانية تتقلب بين وصايات القاهرة وأنقرة ولندن والرياض والدوحة وطهران، تستورد خطابها السياسي وعقائدها العسكرية وحتى كوابيسها الثقافية، ثم تتحدث، بكل ثقة، عن حماية “حُرم الوطن” من أبناء الداخل.

    إن السودان لم ينهَر لأن “الغرباء” اقتحموا المركز، بل لأنه تأسس، منذ البداية، على فكرة المركز نفسه؛ على وهم وجود جماعةٍ أحق بالبلاد من غيرها، وأكثر سودانوية من سواها. وحين تُبنى الدولة على الامتياز لا العدالة، فإن الحرب لا تصبح احتمالاً طارئاً، بل نهايةً مؤجلة فقط.

    ولهذا فإن *الحل لا يكمن في إعادة ترميم أسطورة “دولة 56”*، ولا في استدعاء لغة الحواكير والفرز الإثني، *بل في امتلاك الشجاعة الأخلاقية للاعتراف بأن السودان القديم قد فشل*؛ فشل لأنه حاول بناء وطنٍ لبعض أهله، لا لكل أهله. وكل محاولة لإحياء هذا الجسد المتعفن دون مراجعة جذوره الفكرية والأخلاقية لن تنتج إلا حرباً جديدة، بوجوهٍ جديدة، ومقابر أكثر اتساعاً.

    أما أولئك الذين ما يزالون يظنون أن بإمكانهم حماية الوطن عبر إقصاء الآخرين منه، فهم يشبهون، في النهاية ورثة قصرٍ يحترق، يتشاجرون على مفاتيح الأبواب فيما السقف ينهار فوق رؤوس الجميع.

    ‏May 12, 2026























                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث المقالات بسودانيزاونلاين اليوم
فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to bakriabubakr@cox.net

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de