الحوار على ماذا؟ الإسلاميون وحقوق الشعب التي لا تملك النخب مقايضتها وقف الحرب أم إنقاذ التمكين؟ كيف

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 07-29-2026, 10:20 PM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
07-26-2026, 04:11 PM

خالد كودي
<aخالد كودي
تاريخ التسجيل: 01-01-2022
مجموع المشاركات: 303

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين

مكتبة الفساد

من اقوالهم
(مكتبة مفتوحة للتحديث)
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
الحوار على ماذا؟ الإسلاميون وحقوق الشعب التي لا تملك النخب مقايضتها وقف الحرب أم إنقاذ التمكين؟ كيف

    04:11 PM July, 26 2026

    سودانيز اون لاين
    خالد كودي-USA
    مكتبتى
    رابط مختصر




    الحوار على ماذا؟ الإسلاميون وحقوق الشعب التي لا تملك النخب مقايضتها
    وقف الحرب أم إنقاذ التمكين؟ كيف تحمي دعوات الحوار الثروة والنفوذ والإفلات من المساءلة

    26/7/2026 خالد كودي،

    السودان الجديد لا يتفاوض على وجوده: المواطنة والعدالة في مواجهة تسويات النخب
    الحوار على ماذا؟
    النخب المهزومة، ومقايضة الإسلاميين بالمواطنة وحقوق لا يملكونها
    إن وقف الحرب، وحماية المدنيين، وفتح الممرات الإنسانية، وإطلاق عملية سياسية شاملة، واجبات وطنية وأخلاقية لا خلاف حولها. غير أن الدعوة إلى أي الحوار لا تعفي من السؤال عن طبيعته وأطرافه وحدوده والثمن المطلوب مقابله. فالحوار من أجل وقف القتال وإنقاذ الأرواح يختلف جذرياً عن مقايضة مستقبل الدولة وحقوق السودانيين بضمانات سياسية واقتصادية لمن صنع الأزمة.
    لقد برزت أخيراً دعوات إلى الحوار من قبل بعض الناشطين مع الإسلاميين السودانيين، بمن فيهم قيادات المؤتمر الوطني ومنظّرو مشروعه السياسي. ولا تكمن المشكلة في الحوار من حيث المبدأ، بل في خلط الأوراق والتشويش الذي يؤدي الي تقاطع بعض هذه الدعوات مع شروط الإسلاميين أنفسهم: الاحتفاظ بما راكموه من ثروات وأصول ونفوذ، وضمان عودتهم إلى العملية السياسية، وتجنب المساءلة عن الجرائم والفساد وتقويض الدولة، وهكذا هراء...
    وهنا يتحول الوطن والمواطن إلى رهينة: لا سلام ولا وقف للحرب إلا مقابل إعادة تأهيل الإسلاميين مليا او جزئيا وحماية مواقعهم الاقتصادية والسياسية. غير أن الحركة الإسلامية ليست طرفاً خارجياً ظهر بعد اندلاع الأزمة، بل هي من حكم السودان ثلاثة عقود، وأعاد تشكيل مؤسسات الدولة وفق مشروعه الأيديولوجي الفاشي، ورسخ التمكين والاحتكار، وفكك مؤسسات الدولة، وأشعل الحروب والانقسامات، اشعل الحرب الراهنة.
    ولهذا فإن السؤال الجوهري هو: من منح هؤلاء النخب حق التفاوض على ما لا تملكه؟ فالمواطنة المتساوية، والعلمانية، والديمقراطية، واللامركزية، والعدالة التاريخية، وحق تقرير المصير، وبناء جيش وطني جديد يدافع عن الوطن والمواطن ، ليست امتيازات تملك الأحزاب منحها أو سحبها، بل حقوق تأسيسية يقررها الشعب في لحظة إعادة بناء الدولة.
    يمكن التفاوض على وقف إطلاق النار، وترتيبات الانتقال، وآليات تنفيذ الاتفاقات، والجداول الزمنية والضمانات. أما الحقوق التي تحدد طبيعة الدولة فلا يجوز إخضاعها للمساومة أو الابتزاز السياسي.

    أولاً: ما الذي يؤمن به الإسلام السياسي؟
    قبل الحديث عن الحوار، ينبغي تحديد المشروع الذي يُراد الحوار معه. لقد قامت الحركة الإسلامية السودانية على تصور يجعل التنظيم الأيديولوجي فوق الدولة، والمرجعية الدينية فوق الإرادة الشعبية، والولاء السياسي أساساً ضمنياً للحقوق والفرص، وهذا في الادي السياسي يسمي بالفاشية.
    ولم يكن هدفها مجرد المشاركة في نظام ديمقراطي، بل السيطرة على الدولة وإعادة تشكيل الجيش والقضاء والخدمة المدنية والاقتصاد والتعليم والإعلام وفق ما سُمّي بـ"المشروع الحضاري" وهو مشروع لايختلف عن الفاشية. وقد تجسد ذلك في سياسة التمكين، التي لم تكن مجرد انحراف في التطبيق، بل فلسفة حكم قامت على إخضاع الدولة للتنظيم، بدلاً من إخضاع التنظيم للدستور والقانون.
    لذلك لا يكتسب الحديث عن الحوار معنى ما لم يسبق بإجابات واضحة لا تستطيع النخب المشوشة الاجابة عليها:
    هل تخلى الإسلاميون نهائياً عن فلسفة التمكين واحتكار الدولة؟
    هل قبلوا بأن المواطنة وحدها أساس الحقوق والواجبات، وأن الدولة مؤسسة عامة محايدة تجاه الأديان والهويات؟
    هل هم مستعدون لرد الأموال والأصول والممتلكات التي انتقلت إليهم أو إلى مؤسساتهم عبر الفساد أو استغلال السلطة أو سياسات التمكين؟
    هل يقبلون بإخضاع شبكاتهم الاقتصادية والمالية لمراجعة قانونية مستقلة؟
    وهل هم مستعدون لتقديم كل من يشتبه في مسؤوليته عن الجرائم والانتهاكات والفساد وتقويض النظام الدستوري إلى قضاء مستقل، من دون حصانات أو تسويات تمنع المساءلة؟
    إن رد الأموال العامة، وتفكيك التمكين، والمساءلة الجنائية ليست أعمالاً انتقامية، بل مقتضيات العدالة وسيادة القانون. فإذا لم يكن الإسلاميون مستعدين لقبول هذه المبادئ، فما الذي يراد التفاوض عليه؟ هل هو السلام، أم ضمان عودتهم إلى السلطة وحماية ما راكموه من نفوذ وثروة؟
    علي دعاة الحوار من الإسلاميين وقف هذا المسخرة.

    ثانياً: ما الذي تؤمن به ثورة السودان الجديد؟
    لامخرج للسودان من واقع الحروب شوب عبر ثورة. وثورة السودان الجديد ليست مجرد انتفاضة لتغيير الحكومة، ولا مشروعاً إصلاحياً لترميم الدولة القديمة. إنها مشروع لإعادة تأسيس السودان على عقد اجتماعي ودستوري جديد يعالج جذور الحروب والاستبداد وعدم المساواة.
    وهي تؤمن بأن المواطنة المتساوية هي المصدر الوحيد للحقوق والواجبات، من دون تمييز بسبب الدين أو العرق أو الثقافة أو القبيلة أو الإقليم.
    وتؤمن بأن العلمانية ليست موقفاً ضد الدين، بل ضمانة لحياد الدولة، وحماية حرية المعتقد، ومنع احتكار الدين في الصراع السياسي.
    كما تؤمن بأن الديمقراطية ليست انتخابات شكلية، بل سيادة للقانون، واستقلال للقضاء، وتداول للسلطة، وحماية للحريات، وخضوعاً كاملاً للمؤسسات العسكرية والأمنية للدستور والسلطة المدنية.
    أما اللامركزية الديمقراطية فتعني إعادة توزيع حقيقية للسلطة والثروة والقرار، وإنهاء احتكار المركز، وتمكين الأقاليم والمجتمعات من إدارة شؤونها ومواردها.
    وتعني العدالة التاريخية معالجة الاختلالات البنيوية التي تراكمت عبر عقود من التهميش والاستعمار الداخلي والتمييز، لا الاكتفاء بمحاسبة بعض الأفراد.
    أما حق تقرير المصير فهو ضمانة دستورية لوحدة تقوم على الإرادة الحرة والعدالة، لا على الإكراه والهيمنة.
    ويظل بناء جيش وطني جديد شرطاً ضرورياً لإنهاء الانقلابات والحروب؛ جيش مهني وقومي يعكس تنوع السودان، ويخضع للدستور والسلطة المدنية، ويحمي الوطن والمواطن لا النظام الحاكم.
    ولهذا فإن الثورة ليست محاولة لإصلاح السودان القديم، بل لبناء سودان جديد. ومهما ارتفعت أصوات نخب المركز الفاشلة مطالبةً بخفض سقف الثورة واختزالها في تسوية محدودة، فإن ذلك لا يغير طبيعتها التاريخية. فمشروع السودان الجديد هو مضمون الثورة ومستقبل البلاد، لأن الدولة القديمة استنفدت قدرتها على البقاء، والدليل مانحت فيه اليوم.

    ثالثاً: الحوار على السلطة أم على الحقوق؟
    ليست كل القضايا قابلة للحوار او للتفاوض. فالسلطة التنفيذية، وترتيبات الانتقال، ووقف الحرب، والضمانات الأمنية، وآليات تنفيذ الاتفاقات، كلها مسائل سياسية يمكن الحوار والتفاوض حولها.
    أما الحقوق التأسيسية فلا تخضع للمساومة. فلا يجوز التفاوض على المساواة، أو حياد الدولة وعلمانيتها، أو العدالة التاريخية، أو حق تقرير المصير، أو بناء جيش وطني جديد، لأنها ليست ملكاً للمتفاوضين أصلا.
    غير أن المشكلة لا تكمن في الدعوة إلى الحوار فقط، وإنما في الوظيفة السياسية التي تؤديها هذه الدعوات في لحظة ثورية مفصلية. فبعض النخب المحتالة لا تنظر إلى الحوار باعتباره وسيلة لإنهاء الحرب فحسب، بل باعتباره آلية لإعادة ضبط سقف التغيير بحيث لا يتجاوز الحدود التي تهدد امتيازاتها التاريخية. فهي لا ترفض الثورة صراحة، لكنها تعمل على احتوائها، وتحويلها من مشروع تأسيسي يعيد بناء الدولة إلى عملية إصلاحية محدودة تترك البنية القديمة على حالها ما امكن،
    ومن هنا يتقاطع خطاب هذه النخب، موضوعياً وإن اختلفت دوافعه، مع مصالح الحركة الإسلامية. فالحوار، بصيغته التي يطرحونها، لا يمنح الإسلاميين فرصة العودة إلى المجال السياسي فقط، بل يتيح لهم الاحتفاظ بجزء معتبر من نفوذهم الاقتصادي، وشبكاتهم المؤسسية، ورأس مالهم السياسي، مع تقليص مساحة المساءلة القانونية والتاريخية. وهكذا يتحول الحوار من وسيلة لمعالجة أسباب الأزمة إلى وسيلة لحماية النتائج التي أفرزتها ثلاثة عقود من التمكين.
    والأهم من ذلك أن هذه المقاربة تمنح النخب التقليدية والمحافظة نفسها فرصة للهروب من الاستحقاق التاريخي الذي تفرضه ثورة السودان الجديد. فالتغيير الجذري لا يهدد الإسلاميين وحدهم، بل يهدد أيضاً البنية السياسية والثقافية التي احتكرت تعريف الدولة وإدارة السلطة لعقود، والتي ظلت هذه النخب جزءاً منها أو مستفيدة منها بدرجات متفاوتة. ولذلك يصبح تسويف الأزمة، وإعادة تعريفها باعتبارها مجرد خلاف سياسي بين أطراف متنافسة، او عبر مداخل وقف الحرب والقضايا الانسانية أكثر أماناً بالنسبة إليها من الاعتراف بأنها أزمة بنيوية تتطلب إعادة توزيع السلطة والثروة، وإعادة صياغة العقد الدستوري، وإنهاء الامتيازات التاريخية التي قامت عليها الدولة القديمة.
    لهذا، فإن الدعوة إلى الحوار، في هذا السياق، ليست موقفاً محايداً بالضرورة، بل أداة سياسية لإبطاء التحول التاريخي، واحتواء الثورة، وإعادة إنتاج النظام القديم في صيغة أكثر قبولاً، مع الحفاظ على مراكز القوة الأساسية التي صنعت الأزمة منذ البداية. فكلما طال أمد الجدل حول طبيعة المشكلة، تأخر النقاش حول الحل الحقيقي، وكلما جرى اختزال الثورة في تسوية بين النخب الفاشلة، تراجعت فرص التغيير التأسيسي الذي جاءت الثورة من أجله.

    رابعاً: الثورة المضادة، والحوار، ومحاولة إعادة إنتاج النظام القديم
    لا تقوم الثورة المضادة على القوة العسكرية وحدها، كما لا تقوم الثورة على إسقاط الحكومة وحده. فكلتاهما صراع على بنية السلطة، وعلى من يملك الدولة، ومن يسيطر على الاقتصاد، ومن يحدد هوية الوطن ومستقبله. ولذلك فإن الثورة المضادة لا تدافع عن أشخاص بقدر ما تدافع عن منظومة كاملة تجعل السلطة تنتج الثروة، والثروة تعيد إنتاج السلطة، في حلقة مغلقة يصعب كسرها.
    وتبدأ هذه الحلقة من السيطرة على مؤسسات الدولة، لكنها لا تنتهي عندها. فهي تمتد إلى المصارف، والشركات الكبرى، والأراضي، والتعليم، والإعلام، والخدمة المدنية، والأجهزة الأمنية، والعلاقات الاقتصادية الدولية. فهذه المؤسسات لا تنتج الثروة فحسب، بل تنتج أيضاً النفوذ السياسي، والمكانة الاجتماعية، والقدرة على تشكيل الوعي العام، وصناعة النخب، وتحديد من يحكم في المستقبل.
    ولهذا فإن الثورة المضادة قد تقبل بإسقاط حكومة، أو إجراء انتخابات، أو تشكيل حكومة انتقالية، لكنها تقاوم بشراسة أي مشروع يستهدف استرداد الأموال العامة، وتفكيك الاحتكارات، وإعادة توزيع السلطة والثروة، وإصلاح مؤسسات الدولة، لأنها تدرك أن المساس بهذه البنية يعني نهاية قدرتها على إعادة إنتاج نفسها.
    ومن هذا المنظور، تكتسب بعض الدعوات إلى الحوار مع الإسلاميين وظيفة سياسية تتجاوز الشعارات التي ترفعها. فهي لا تتعامل مع الأزمة باعتبارها أزمة بنية تاريخية ينبغي تفكيكها، وإنما تعيد تعريفها باعتبارها مجرد خلاف سياسي بين أطراف يمكن التوفيق بينها. وبهذا تصبح دعوات الحوار مع الفاشي الاسلامي، بوعي أو بغير وعي، جزءاً من خطاب الثورة المضادة، لأنها تنقل النقاش من سؤال كيف نبني دولة جديدة؟ إلى سؤال كيف نعيد دمج القوى التي صنعت الدولة القديمة؟
    والأخطر من ذلك أنها تمنح الإسلاميين الوقت والمساحة السياسية لإعادة تنظيم صفوفهم، وتحويل ما راكموه من ثروة وشبكات اقتصادية ورأس مال سياسي إلى أدوات جديدة لاستعادة النفوذ، بينما تُختزل الثورة في عملية تفاوضية لا تمس جوهر النظام الذي قامت لإسقاطه.
    إن الذين يدعون إلى هذا النوع من التسويات يتعاملون مع الثورة وكأنها احتجاج سياسي قابل للاحتواء، بينما هي في حقيقتها لحظة تأسيس تاريخية أعادت رسم موازين القوة في السودان. فهم لا يريدون مواجهة الاستحقاقات الجذرية التي يفرضها مشروع السودان الجديد، لأن هذه الاستحقاقات لا تهدد الإسلاميين وحدهم، بل تهدد أيضاً منظومة الامتيازات التي ظلت النخب التقليدية والمحتالة تتحرك داخلها لعقود طويلة.
    ولهذا فإن الثورة ليست إصلاحاً إدارياً، ولا صفقة بين النخب، ولا إعادة توزيع للمناصب. إنها عملية تاريخية تعيد تعريف الدولة، والمواطنة، والسلطة، والثروة، والعلاقة بين المركز والأقاليم. ومن يعجز عن إدراك هذا التحول، أو يخشى نتائجه، سيحاول دائماً اختزال الثورة في إصلاحات محدودة تبقي البنية القديمة قائمة، ولو تغيرت الوجوه التي تديرها.
    غير أن ما تغفله هذه النخب هو أن مشروع السودان الجديد لم يولد في قاعات التفاوض، ولا في صالونات السياسة، بل وُلد من تضحيات باهظة دفعها ملايين السودانيين عبر عقود من الحروب، والنزوح، واللجوء، والقصف، والاعتقال، والتعذيب، والإعدامات، وفقدان الأهل والأرض والفرص. وقد دفعت شعوب الهامش، ومعها كل المؤمنين بسودان جديد، ثمناً إنسانياً وسياسياً هائلاً حتى وصلت إلى هذه اللحظة التاريخية، وحتى أصبحت مطالبها جزءاً من مشروع تأسيسي متكامل، لا مجرد قائمة مطالب إصلاحية.
    ولهذا فإن هذه الحقوق ليست قابلة للمساومة، لأنها لم تُمنح من أحد حتى تُسترد بمفاوضات الاستجداء على طراز (باركوها)، ولم تأت نتيجة منحة من النخب حتى يحق للنخب التنازل عنها. إنها حقوق انتُزعت عبر نضال طويل وتضحيات جسيمة، وأصبحت تمثل الحد الأدنى الذي يقبل به ثوار السودان الجديد، لا الحد الأقصى الذي يمكنهم التنازل عنه.
    ومن هنا فإن محاولة استخدام الحرب، أو المعاناة الإنسانية، أو ابتزاز الإسلاميين، للضغط على الثورة حتى تتخلى عن حقها في المواطنة المتساوية، أو في الدولة العلمانية الديمقراطية ، أو في العدالة التاريخية، أو في إعادة بناء الجيش الوطني، ليست دعوة إلى السلام، بل محاولة لإجبار الضحايا على التنازل عن الأسباب التي ضحوا من أجلها منذ البداية.
    إن السلام الحقيقي لا يقوم على مطالبة المظلومين بخفض سقف حقوقهم، وإنما على إزالة البنية التي أنتجت الظلم. ولذلك فإن الثورة لن تقبل بأن تتحول تضحياتها إلى مجرد ورقة تفاوض، ولن تسمح بأن يُستخدم ابتزاز الحرب لإعادة إنتاج النظام الذي دفعت أثماناً باهظة لإسقاطه. فالسودان الجديد لم يعد شعاراً سياسياً قابلاً للأخذ والرد، بل أصبح واقعاً تاريخياً صنعته التضحيات، وفرضته موازين القوى الجديدة، وأصبح يمثل مستقبل السودان، لا أحد الخيارات المطروحة أمامه.

    خامساً: دروس التجارب العالمية
    بعد هزيمة النازية، لم تكتفِ ألمانيا بإسقاط هتلر، بل فككت الحزب النازي، وحاكمت قياداته، وأعادت بناء الجيش والقضاء والتعليم والإدارة، لمنع عودة الفاشية.
    وفي إيطاليا، لم يكن سقوط موسوليني كافياً، بل أعقبته إعادة تأسيس دستوري ومؤسسي للدولة.
    أما الولايات المتحدة، فقد أثبتت أن إلغاء العبودية قانونياً لم يكن كافياً. فعندما انتهت مرحلة إعادة الإعمار مبكراً، استعادت النخب البيضاء الجنوبية سيطرتها على الأرض والائتمان والقضاء والشرطة، وفرضت قوانين جيم كرو والتمييز العنصري. ولم تبدأ معالجة ذلك إلا بعد قرن تقريباً مع حركة الحقوق المدنية وقوانين 1964 و1965 و1968
    وفي جنوب أفريقيا، نجح الانتقال في إنهاء الفصل العنصري سياسياً، لكنه أبقى جانباً كبيراً من بنية الثروة القديمة، فاستمرت مستويات عالية من عدم المساواة.
    أما تشيلي وإسبانيا، فقد ساعدت التسويات السياسية فيهما على إنهاء الحكم السلطوي، لكنها أبقت أجزاء من المؤسسات والنخب القديمة، وتركت أسئلة العدالة والذاكرة والبنية الاقتصادية معلقة.
    والدرس المشترك هو أن الانتقال لا يُقاس بوقف العنف أو إجراء الانتخابات فقط، بل بقدرته على تفكيك البنية التي أنتجت الاستبداد، وإذا ما كانت النخب لا تتعلم فثورة وثوار السودان الجديد يتعلموا.

    سادساً: العدالة الانتقالية والعدالة التاريخية
    تهدف العدالة الانتقالية إلى كشف الحقيقة، والمحاسبة، وجبر الضرر، وإصلاح المؤسسات، وضمان عدم التكرار. وهي ضرورية، لكنها لا تكفي لمعالجة الأزمة السودانية. والنخب تحتال علي التغيير بتبني العدالة الانتقالية وكفي!
    فالسودان لا يعاني فقط من جرائم فردية، بل من تفاوت تاريخي في السلطة والثروة والأرض والتعليم والتنمية. ولذلك نحتاج إلى عدالة تاريخية تعالج البنية التي أنتجت الظلم.
    فالعدالة التاريخية لا تسأل فقط: من ارتكب الجريمة؟ بل تسأل أيضاً: ما النظام الذي جعلها ممكنة؟ ومن استفاد منه؟ وكيف انتقلت امتيازاته إلى الأجيال التالية؟
    وهي تقتضي إعادة توزيع السلطة، وتصحيح الاختلالات في الأرض والموارد، وإصلاح الجيش والخدمة المدنية، وتمكين المجتمعات المهمشة، ومعالجة التفاوت في التعليم والصحة والبنية التحتية وما اليه...
    فالعدالة الانتقالية تعالج آثار الظلم، أما العدالة التاريخية فتعالج جذوره. حقوق التأسيسية؟

    أخيراً: لماذا لا يجوز مقايضة الحقوق التأسيسية؟
    إن السودان لا يعيش أزمة تشكيل حكومة، ولا خلافاً عابراً بين أحزاب متنافسة، بل يعيش لحظة تأسيس تاريخية ستحدد شكل الدولة لعقود وربما لقرون قادمة. ولذلك فإن مشروع السودان الجديد ليس برنامجاً سياسياً بين برامج، ولا ورقة تفاوضية يمكن رفعها أو خفضها بحسب موازين القوى، بل هو التعبير السياسي والدستوري عن الثورة نفسها، وعن الثمن الباهظ الذي دفعه ملايين السودانيين من دمائهم، وأرواحهم، ونزوحهم، وتشريدهم، وصمودهم الطويل من أجل أن يصبحوا مواطنين كاملي الحقوق في وطنهم.
    ولهذا فإن من يطالب اليوم بمقايضة هذه الحقوق تحت ذريعة وقف الحرب ومواجهة الكارثة الإنسانية يخلط بين ما يجوز التفاوض عليه وما لا يجوز. نعم، يمكن التفاوض على وقف إطلاق النار، ومعالجة الكارثة الانسانية وعلى كيفية تنفيذ الاتفاقات. أما المواطنة المتساوية، والعلمانية، والديمقراطية، واللامركزية، والعدالة التاريخية، وحق تقرير المصير، وبناء جيش وطني جديد، فليست ملكاً للأحزاب ولا للنخب حتى تفاوض عليها، لأنها حقوق تخص الشعب السوداني كله، لا من يجلسون حول طاولة التفاوض.
    ومن المؤسف أن بعض النخب تستجيب اليوم لابتزاز الإسلاميين الذين يلوحون، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بأن الحرب لن تتوقف ما لم تُقدَّم لهم ضمانات سياسية واقتصادية وقانونية، وما لم يُسمح لهم بالاحتفاظ بما راكموه من ثروة ونفوذ، والعودة إلى المجال السياسي من دون مراجعة جذرية أو مساءلة حقيقية. لكن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح على هذه النخب هو: من منحكم أصلاً حق التفاوض على حقوق لا تملكونها؟ ومن فوّضكم للتنازل عن مستقبل ملايين السودانيين مقابل وعود بوقف حرب كان الإسلاميون أنفسهم وايدولوجيتهم الأساس الذي قاد إليها؟
    إن الخضوع لهذا الابتزاز لا يمثل واقعية سياسية، بل يعيد إنتاج المنطق الذي حكم السودان لعقود: أن يحتفظ من يملك القوة والسلاح والثروة بما استولى عليه، ثم يطالب الضحايا بدفع ثمن إضافي مقابل أن يكف عن استخدام أدوات السيطرة التي صنعها بنفسه، وعلي ثوار السودان الجديد ردع هكذا سلوك.
    والحقيقة التي يصعب تجاهلها هي أن هذه النخب المغلوب على امرها لا تنزعج من وجود الإسلاميين بالقدر الذي تنزعج فيه من مشروع السودان الجديد. فالسودان الجديد لا يهدد الإسلاميين وحدهم، بل يهدد النظام التاريخي للامتيازات الذي استفادت منه قطاعات واسعة من النخب التقليدية أيضاً، حتى عندما كانت تختلف سياسياً مع الإسلاميين. ولهذا يصبح بقاء الإسلاميين، أو عودتهم بدرجة ما، أقل كلفة بالنسبة إليها من قيام دولة جديدة تعيد توزيع السلطة والثروة، وتنهي احتكار تعريف الوطن، وتفتح المجال أمام قوى ظلت مستبعدة من صناعة القرار طوال تاريخ الدولة السودانية الحديثة.
    غير أن الزمن قد تغير. فقد انتقلت المبادرة التاريخية من أيدي النخب التي اعتادت احتكار السياسة إلى القوى التي صنعت الثورة وقدمت تضحياتها. ولم تعد مناورات التسويات المغلقة، ولا صفقات الغرف المغلقة، ولا محاولات إعادة تدوير النظام القديم، قادرة على إيقاف هذا التحول أو إعادته إلى الوراء.
    إن ثوار السودان الجديد لم يدفعوا هذا الثمن الهائل حتى يعودوا مواطنين من الدرجة الثانية في وطنهم، أو حتى يُطلب منهم التخلي عن حقوقهم الدستورية مقابل وعد مؤقت بوقف الحرب. ولم يضحوا بعشرات السنين من المقاومة حتى تصبح المواطنة المتساوية بنداً تفاوضياً، أو تصبح العدالة التاريخية تنازلاً سياسياً، أو يصبح الجيش الوطني الجديد موضوع مساومة مع القوى التي أسهمت في تفكيك الدولة.
    ولهذا فإن الثورة لا تفاوض على الحقوق، لأنها ليست صاحبة هذه الحقوق حتى تتنازل عنها، وإنما هي حاملة لإرادة شعب انتزع هذه الحقوق بالنضال والتضحيات. وما يمكن التفاوض عليه هو الطريق إلى تنفيذها، والضمانات الدستورية والمؤسسية لحمايتها، لا وجودها ذاته.
    وهذا هو الفارق الجوهري بين تسوية تسعى إلى إنقاذ السودان القديم، وبين ثورة تؤسس للسودان الجديد.

    النضال مستمر والنصر اكيد.
    (أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)























                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث المقالات بسودانيزاونلاين اليوم
فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to bakriabubakr@cox.net

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de